جان مارك فور، صحافي فرنسي، عمل لمدة أربع سنوات 2002 ـ2006 مراسلا لإذاعة فرنسا في العاصمة البريطانية لندن. يعمل حاليا رئيسا للتحرير في إذاعة «فرانس انتير» .
ويشرف على برنامج حول الأحداث الدولية تحت عنوان: «ومع ذلك هي تدور»، إشارة إلى الكلمة التي كان قد قالها ذات يوم الإيطالي غاليليو غاليلي أمام رجال الكنيسة للتراجع عن نظريته حول دوران الأرض حول الشمس ـ وليس العكس كما كان سائدا حاليا.
لقد تراجع غاليلو كي ينجو من الموت لكن قال بعد تراجعه «ومع ذلك هي تدور»، ويقصد الأرض.أنجز «جان مارك فور» هذا الكتاب عن «توني بلير»، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق قبل أسابيع قليلة من مغادرته للسلطة بعد عشر سنوات أمضاها رئيسا لوزراء المملكة المتحدة ما بين 1997 و2007، فاز حزبه خلالها بثلاث عمليات انتخابية تشريعية متتالية.
وكانت تلك هي المدة التي استطاع خلالها أن يجعل من بريطانيا القوة الاقتصادية الرابعة في العالم، كما يشير مؤلف الكتاب.
ثم يؤكد أن «بلير» مارس نوعا من «السحر» على أغلبية القادة السياسيين الفرنسيين الذين اعتبروه نموذجاً في القدرة على التواصل وعلى إظهار قدر كبير من الشجاعة في خرق «المحظورات» وتجاوز «الكليشيهات» الجاهزة والجامدة وصولا إلى «اختراع» سبيل جديد في السياسة أسماه بـ «الطريق الثالث» عبر التوليف بين الاشتراكية والرأسمالية.
لقد عرفت بريطانيا في عهد توني بلير نهوضا اقتصاديا حقيقيا، ولكنها عرفت أيضا تورّطها في حرب العراق. لكن ماذا نعرف عن توني بلير أبعد من هذه الأفكار البسيطة الشائعة؟ وهل النهج الذي تبناه بلير جدير بأن يكون نموذجاً «موديلا» يتبعه الآخرون؟
وهل يمكن أن يكون هذا النموذج مفيدا لفرنسا في المرحلة القادمة؟ هذه هي بعض الأسئلة التي يحاول مؤلف الكتاب الإجابة عليها.
ما يؤكده المؤلف، من موقع المراقب القريب، هو أن «البليرية» تشكل نموذجاً ذا «وجوه متناقضة»، ذلك بوجود أثرياء أكثر ثراء وتوظيف استثمارات عامة كبيرة جدا وإرساء قاعدة الحد الأدنى من الأجور ورفع شعار «قيمة العمل» في مواجهة، بل ضد، قيمة البطالة».
ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن توني بلير قد حظي باهتمام كبير في فرنسا وأصبح موضوع «الساعة» لدى العديد من المحللين عشية رحيله عن السلطة يوم 27 يونيو 2007، أي قبل انتهاء فترة رئاسته للحكومة التي كان يُفترض أن تستمر رسميا حتى عام 2009.
لكن رحيله «المبكّر» هذا عن الحكم ترافق مع اهتمام «إعلامي»، خاصة في فرنسا، بهذا القائد السياسي الشاب والموهوب.
لقد غادر توني بلير الحكم بناء على طلب خصومه من المحافظين في البرلمان البريطاني، ولكن أيضا بنفس الوقت من حزبه نفسه، حزب العمل البريطاني الجديد، وكذلك من غالبية البريطانيين الذين اعتبروا أن رئيس وزرائهم «بلير» قد ورّط البلاد في حرب العراق انصياعا وراء الإرادة الأميركية «بشكل أعمى».
الصفة التي يطلقها المؤلف على رئيس وزراء بريطانيا هي أنه «غير قابل للتصنيف». وإذا كان محسوبا «تاريخيا» على اليسار «العمّالي» فإنه هو الذي «قرع ناقوس نهاية الإيديولوجيات»، متجاوزا الثنائية التقليدية بين «يمين ويسار»، وحيث كان يردد باستمرار مثلا صينيا شائعا مفاده «ليس المهم أن يكون الهر أبيض أو أسود، المهم أن يصطاد الفئران».
وبهذا المعنى لم يكن يولي أهمية كبيرة لـ «العناوين» الكبرى مثل «ليبرالي»، من خلال التركيز على الاقتصاد، و«اجتماعي» بناء على إعطاء الأولوية للبعد الاجتماعي في النهج السياسي.
لقد أراد باختصار أن يكون «عمليا» فما يهمّه بالدرجة الأولى هو «ما يعمل بشكل جيد ويعطي نتيجة وليس ما لا يعمل ولا يعطي نتيجة».
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن «البليرية» ـ نسبة إلى بلير ـ مرتبطة «عضويا» بشخصية صاحبها وبطريقته في «التوليف» بين عدة تجارب وعدة مشارب كي يأخذ من كل منها ما يناسب بلاده، حسب اعتقاده.
هنا يتم التأكيد، أن خليفة بلير، أي رئيس الوزراء البريطاني الحالي غوردون براون، الذي كان هو المهندس الحقيقي للنهوض الاقتصادي البريطاني الذي شهدته البلاد في فترة حكم بلير.
حيث كان وزيرا للاقتصاد في حكومته، لن يتّبع نفس طرق سابقه، بل إن «القطيعة» مع عهده سوف تكون هي السمة الأساسية لفترة غوردون براون.ويقدم المؤلف العديد من الإحصائيات والأرقام للدلالة على النجاح الكبير الذي حققته بريطانيا اقتصاديا خلال السنوات العشر التي حكمها بها توني بلير.
هكذا انخفضت نسبة العاطلين عن العمل خلال سنوات حكمه من 7 بالمئة من مجموع السكان القادرين على العمل عام 1996 إلى 3 بالمئة فقط عام 2006.
لكن هذا لا يمنع مؤلف الكتاب من القول إن لهذه الصورة الزاهية وجهها الآخر «القاتم» ذلك أن سوق العمل الذي قدّم الكثير من فرص العمل لم يوفر بالمقابل الكثير من الضمانات للعاملين أنفسهم الذين اتسمت أوضاعهم بالهشاشة، كما عرف «العمل الأسود»، اي غير المصرّح به للدوائر المختصة من ضرائب وغيرها، ازدهارا كبيرا وأخذ «حصة» هامة من السوق.
يضاف إلى هذا واقع أن صندوق الضمان الاجتماعي الخاص برواتب المتقاعدين قد عانى من عجوزات هائلة. بل لا يتردد مؤلف الكتاب من القول أن «مستوى حياة المتقاعدين في بريطانيا هو الأدنى في عموم أوروبا الغربية». هذا في غياب أية مساهمات فعالة من قبل الدولة.
كما أن الكثير من المؤسسات والشركات لا تمتلك حتى أي برنامج أو خطة ملموسة لمسألة تقاعد العاملين فيها. كما يخلص المؤلف في هذا السياق إلى التأكيد أن المجتمع البريطاني في ظل حكم توني بلير يمكن وصفه «بامتياز» أنه مجتمع «زيادة اللامساواة والتفاوت» بين مختلف مكوناته.
وفيما يتعلق بقطاعي الصحة والتربية اللذين كانا يعانيان من حالة عجز كبيرة قبل وصول توني بلير إلى السلطة، وذلك على مختلف الأصعدة من الميزانية المكرّسة لهما حتى الخدمات العادية فإن المؤلف يكرّس العديد من الصفحات للحديث عن النجاحات التي جرى تحقيقها في ظل إدارة بلير وأنها قد تحسّنت بشكل ملموس.
لكن هنا أيضا تتم الإشارة إلى أن العديد من المراقبين ومن قيادات حزب «العمل البريطاني الجديد» لم تكن متحمسة، هذا إذا لم تتخذ موقفا نقديا، حيال الآليات التي جرى إتباعها في الميدانين المعنيين، خاصة أن «مفتاح الحل» كان بلير قد وجده في الانفتاح على الاستثمارات الخاصة والتي لا تهتم بطبيعتها سوى بالأرباح.
ويرى «المتخونون» أن إصلاح شأن «القطاع العام» باللجوء إلى «القطاع الخاص» إنما يعني سيطرة هذا الأخير على نشاطات حيوية مثل التعليم والصحة.
ولا يقدم المؤلف في هذا الإطار أية أحكام نهائية على سياسة توني بلير، إذ لا يمكن برأيه معرفة نتائج «السباق إلى الربح» في قطاعي الصحة والتربية إلا بعد مرور عدة سنوات.
هناك ميدان آخر حققت فيه سياسة توني بلير نجاحا واضحا هو ميدان الأمن حيث تدل الإحصائيات المقدمة على أن الجنح في بريطانيا قد انخفضت بنسبة 11 بالمئة ما بين عام 2004 وعام 2006.
وإذا كانت استطلاعات الرأي تبيّن أن البريطانيين يؤيدون بنسبة كبيرة «السياسة الأمنية» التي جرى تبنّيها فإن مؤلف هذا الكتاب يشير إلى ضرورة قياس النتائج المحققة على ضوء الاعتمادات التي تمّ رصدها والتي تشكل نسبة 5,2 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي البريطاني، أي ضعف الاعتمادات المخصصة لهذا الميدان في فرنسا.
وبهذا المعنى «يقلل» المؤلف من مدى النجاح، دون أن ينفيه، مع الإشارة إلى نقاط الضعف في «المجال الأمني» كما أظهرت سلسلة الانفجارات الإرهابية التي شهدتها العاصمة البريطانية لندن بتاريخ 7 يوليو 2005 والتي أودت بحياة العديد من الضحايا.
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يتحدث عن «نجاح» أو «نجاح نسبي» لنهج توني بلير السياسي في ميادين الصحة والتربية والأمن وغيرها، إلا أنه لا يتردد في وصف سياسته على الصعيد الخارجي بأنه «الأكثر إثارة للتضارب» في تقييمها.
وكان بلير قد حاول أن يجعل من نفسه «الحليف الأفضل» للولايات المتحدة الأميركية بعد تفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن، وأن يلعب بنفس الوقت دور «صلة الوصل» بين أوروبا وأميركا.
وكان خياره ذاك يتطابق مع المقولة التي كان ونستون تشرشل قد طرحها ورددها بلير باستمرار والتي مفادها أنه: «في كل مرة سيتعيّن على بريطانيا الاختيار بين التوجه نحو الأفق الأوروبي الضيق والأفق الرحب المفتوح ـ الأفق الأطلسي ـ سوف تختار الأفق الرحب».
ما يؤكده المؤلف أن دور بلير كـ «وسيط» لم يصمد طويلا بل إنه أخلى المكان لدور «الانحياز»، بل وإلى «التبعية الكاملة» حيال أميركا، وحيال إدارة جورج دبليو بوش.
ويعيد المؤلف هذا الموقف السياسي لدى بلير إلى أنه كان قائما، مثل بوش، على قناعات دينية. فالرجلان يتصوران العالم بـ «الأسود والأبيض» ويريان أنه من واجبهما «نشر الخير» و«اجتثاث الشر»، وبالقوة إذا اقتضى الأمر ذلك.
وكان ترجمة ذلك بليغة في أفغانستان ثم العراق. لكن المجتمع البريطاني لم يتبع بلير في تصوره وخطواته لاسيما بعد اكتشاف بهتان «البراهين» الخاصة بترسانة أسلحة الدمار الشامل في العراق.
*الكتاب:توني بلير، عدو التقاليد
*الناشر:لين دو روبير ـ باريس 2007
*الصفحات :174 صفحة من القطع المتوسط
Tony Blair, l'iconoclaste : un modèle à suivre ?
Jean Marc Four
Lignes de Repères- Paris 2007
P.174
