مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور نوري ماكوين أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في العديد من الجامعات الأسترالية والانجلوساكسونية. وهو مختص أساسا بشؤون الاستعمار عموما والاستعمار في إفريقيا على وجه التحديد.

وفي هذا الكتاب الجديد يستعرض المؤلف نشأة الظاهرة الاستعمارية منذ البداية وحتى زوالها في منتصف القرن العشرين أو بعده بقليل.

ويرى المؤلف أن الاستعمار ظاهرة قديمة جدا تعود إلى العصور اليونانية الرومانية وحتى القرون الوسطى. فاليونان توسعوا على حساب جيرانهم وكذلك فعل الرومان الذين بنوا إمبراطورية ضخمة شملت الشرق والغرب وكانت من أضخم الإمبراطوريات في التاريخ.

وعموما فإن القوي كان يستعمر الضعيف على مدار الأزمان. ولكن الاستعمار كظاهرة ضخمة لم ينتشر ويترعرع إلا في العصور الحديثة. وقد ابتدأ بعد الاكتشافات الجغرافية الكبرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر بل وحتى السابع عشر. وكان ذا أصل أوروبي أساسا.

فعندما شعرت أوروبا بقوتها وتفوقها على جميع شعوب العالم راحت تفكر في استعمارهم. وهذا ما فعله البرتغاليون والاسبان أولا وذلك قبل الهولنديين والانجليز والفرنسيين.

ثم أصبح الاستعمار انجليزيا وفرنسيا أساسا في القرن التاسع عشر والعشرين. وعندئذ دخلنا في عصر الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى. فالانجليز كانوا يسيطرون على مساحات شاسعة من الكرة الأرضية.

وكانوا يشكلون أكبر إمبراطورية استعمارية في ذلك العصر. يجيء بعدهم الفرنسيون مباشرة وان بدرجة أقل.

لكن ما هي دوافع الاستعمار؟

على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: أول دافع هو العامل الاقتصادي. فالبلدان الصناعية الأوروبية كانت بحاجة إلى المواد الأولية لتشغيل مصانعها. ولكي تحصل عليها بسهولة وثمن بخس فإنها راحت تستعمر البلدان الضعيفة سواء في الهند أو إفريقيا السوداء أو أميركا اللاتينية أو العالم العربي الإسلامي، الخ.

ومعلوم أنه حصل آنذاك تنافس بين القوى العظمى على استعمار البلدان الأخرى. فالانجليز كانوا يريدون الحصة الأكبر لأنهم الأقوى عسكريا وبخاصة فيما يتعلق بالأساطيل البحرية، ولذلك فإنهم كانوا يصطدمون أحيانا مع الفرنسيين، أعدائهم الألداد.

نقول ذلك ونحن نعلم أن نابليون بونابرت استعمر مصر من أجل قطع طريق الهند على انجلترا. ولكنه فشل في نهاية المطاف، وقد برر الساسة الأوروبيون ظاهرة الاستعمار قائلين إن هدفها نبيل: ألا وهو إدخال الشعوب البدائية في الحضارة.

ولكن هذه الحيلة لم تخف على أحد فالكل كان يعرف أن هدف القوى العظمى الأوروبية هو السيطرة على غنى الشعوب الأخرى وثرواتها بالدرجة الأولى.

ثم يردف المؤلف قائلا: فلم يكن المستعمرون يهدفون فقط إلى السيطرة على المواد الأولية الموجودة في البلدان الأخرى وإنما كانوا يريدون أيضا تصنيعها ثم بيعها لهذه البلدان بالذات.

وبالتالي فقد كان هناك تنافس على الأسواق. فانجلترا تريد توزيع سلعها في أكبر عدد من البلدان، وكذلك فرنسا، أو هولندا، أو بلجيكا، الخ. ويمكن القول بأن التنافس على أسواق العالم الثالث لا يزال سائدا حتى الآن. بالطبع فإنه لم يعد يتخذ شكل الحروب العسكرية كما كان يحصل في السابق. ولكن التنافس محموم على عقد الصفقات المدنية أو العسكرية مع الدول البترولية أو سواها.

ولكن هناك هدف آخر للاستعمار ألا وهو تقوية الموقع الاستراتيجي للقوى العظمى. ففرنسا عندما استعمرت إفريقيا الشمالية قوّت مواقعها بالقياس إلى انجلترا ثم بالأخص إلى ألمانيا.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية وأصبحت فرنسا محتلة وعاجزة عن فعل أي شيء على أراضيها راحت تستخدم المستعمرات لمقاومة الألمان والنازية.وقد لعب المغرب والجزائر وتونس دورا إستراتيجيا هاما آنذاك.

ومعلوم أن ديغول زار هذه البلدان وبخاصة المغرب والجزائر أكثر من مرة. وقد شكل جيشا من أبناء هذه البلدان لمحاربة الألمان. وبالتالي فإن المغاربة والجزائريين والأفارقة السود دفعوا ثمن تحرير فرنسا باهظا. ولا يزال الفرنسيون يتذكرون ذلك حتى الآن وإن لم يكن بالشكل الكافي.

ثم يردف المؤلف قائلا: يضاف إلى ذلك أن المستعمرات تعطي للبلد المستعمر بكسر الميم هيبة وحظوة ومكانة في نظر الجميع.

ولذلك كانت حكومة صاحبة الجلالة فيكتوريا فخورة بمستعمراتها التي لا تغيب عنها الشمس. وكانت تعتبر الهند درة أو جوهرة تلك المستعمرات. وقس على ذلك الفرنسيين الذين كانوا يعتزون كثيرا بامتداداتهم فيما وراء البحار.

وكانوا يحبون الجزائر بالدرجة الأولى ويفتخرون بها لأنها من أجمل وأكبر البلدان العربية.ولهذا السبب فإنهم لم يتخلوا عنها بسهولة، ولولا نضال جبهة التحرير والشعب الجزائري كله لما تركوا الجزائر. والواقع أنهم تركوها مكرهين والدموع في مآقيهم. لقد تركوها والحسرة في قلوبهم، بل إنهم لا يزالون يحنون إليها وإلى أيامها حتى الآن.

وبالتالي فللاستعمار فوائد كثيرة بالنسبة للإمبراطوريات الاستعمارية. ولكن ليس له أي فائدة بالنسبة للبلدان المستعمرة بفتح الميم. على العكس إنه يعني فقدانها لسيادتها وهيبتها وهويتها.

ولذلك فإن الاستقلال شكّل لحظة شبه سحرية في تاريخ الهنود، أو العرب الجزائريين، أو الأفارقة السود، أو سواهم.وبالتالي فلا يمكن التحدث عن فوائد الاستعمار كما حاول أن يوهمنا اليمين الفرنسي قبل عامين عندما صوّت في البرلمان على قانون يدعو للاعتراف بإيجابيات الاستعمار.

ولكن لحسن الحظ فإنه تراجع عنه بسرعة نتيجة الاعتراضات الحادة الصادرة عن كبار المؤرخين الفرنسيين. ومؤخرا اعترف الرئيس ساركوزي بأن الاستعمار لم يكن غلطة فقط وإنما جريمة أيضا.

ويرى المؤلف أن حجج الاستعمار واهية في مجملها. فهي تقول بأن هناك أعراقا عليا وأعراقا دنيا وأنه يحق للأعراق العليا أن تستعمر الأعراق الدنيا. ولكن هذا ليس صحيحا على الإطلاق، فالدراسات الحديثة أثبتت خطأ هذه النظرية بالكامل.

ولكن أحيانا تكون للاستعمار أهداف دينية. فالاستعمار الأوروبي مثلا هو الذي نشر المسيحية في أميركا اللاتينية التي كانت مليئة بالهنود الحمر قبل وصول الاسبان وبقية الأوروبيين إليها.

كما ونشر الاستعمار الدين المسيحي في إفريقيا السوداء. ولكنه فشل في نشرها في البلدان العربية بسبب وجود دين كبير هو الإسلام، وهو المنافس الأساسي للمسيحية على مدار التاريخ.لقد نجحت المسيحية في القضاء على العقائد الوثنية القديمة للهنود الحمر وحلت محلها. ولهذا السبب أصبحت البرازيل مسيحية وكذلك الأرجنتين والمكسيك وكل دول أميركا اللاتينية أو الجنوبية بل وحتى الشمالية.

ولكن الاستعمار فشل في تحويل اليابانيين عن عقيدتهم على الرغم من أنه أرسل إليهم البعثات التبشيرية. كما وفشل في القضاء على الديانة الهندوسية، أو العقيدة البوذية، أو الفلسفة الكونفوشيوسية في الصين.

فهذه عقائد قوية ولها تراث ضخم وليس من السهل طمسها أو القضاء عليها. بالطبع لا يمكن أن نفصل ظاهرة التوسع الاستعماري عن الأغراض التجارية والمنفعية. فالتجارة تميل بطبيعة الحال إلى التوسع خارج الموطن الأصلي لأن التاجر يبحث باستمرار عن أسواق جديدة لتصريف سلعه أو بضائعه.

وبما أن القوى العظمى الأوروبية كانت هي وحدها الصناعية في القرن التاسع عشر فإنها راحت تستعمر معظم مناطق العالم لتصدير سلعها المصنعة إليها. هذه هي الحقيقة بكل بساطة.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: لحسن الحظ فإن زمن الاستعمار ولّى إلى غير رجعة. فنضال الشعوب من أجل الاستقلال كان ضاريا وقد أعطى ثماره في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

وهكذا استرجعت معظم بلدان العالم سيادتها واستقلالها وكرامتها. وهذا هو أكبر حدث سياسي في القرن العشرين.

ولكن للأسف الشديد فإن استراتيجيات الهيمنة والتوسع ظلت مستمرة وإن كانت قد اتخذت أشكالا أخرى. ويبدو أن دروس التاريخ المتكررة تقول لنا: إن القوي يميل دائما للسيطرة على الضعيف.

ولكن ألم يحن الأوان للتخلي عن مفهوم السيطرة بعد أن تقدمت البشرية وتحضرت في قسم كبير منها؟ أما آن الأوان للتخلي عن الاستعمار بشكله الجديد أيضا وليس فقط القديم؟

*الكتاب:الاستعمار

*الناشر: مجموعة لونغمان للنشر لندن، نيويورك 2007

*الصفحات: 224 صفحة من القطع الكبير

Colonialism

Norrie MacQueen

Longman Pub Group- London , New York 2007

p.224