مؤلف هذا الكتاب هو عالم الاجتماع الفرنسي المعروف: ريمون بودون. وهو يمثل الاتجاه اليميني في علم الاجتماع على عكس بيير بورديو الذي كان يمثل الاتجاه اليساري. وقل الأمر ذاته عن آلان تورين الاشتراكي الهوى. ولهذا السبب فإن المعارك الفكرية اندلعت بين ريمون بودون من جهة، وبيير بورديو وتورين وفوكو وسواهم من جهة أخرى.

والواقع أنه لا يمكن الاستهانة بريمون بودون. فقد احتل أعلى المناصب في الجامعات الفرنسية وأصبح مؤخرا عضوا في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية. ومن أشهر كتبه الأخيرة كتاب بعنوان: لماذا لا يحب المثقفون اللبرالية؟ وكذلك كتاب آخر بعنوان: هل لا يزال هناك علم اجتماع في فرنسا؟وفي هذا الكتاب الجديد ينتقد المؤلف من جديد أفكار اليسار الفرنسي والتيار العدمي الذي يسيطر في رأيه على فرنسا. أو قل إنه سيطر لفترة طويلة إبان ثورة مايو 1968 وفيما بعدها. ويقصد بذلك فلاسفة البنيوية أو ما بعد الحداثة من أمثال جان فرانسوا ليوتار، وميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجيل ديلوز، وآخرين عديدين.ففي رأيه أن هؤلاء المفكرين نالوا شهرة كبيرة جدا وربما أكبر مما يستحقون. والسبب هو أن الموجة الطاغية آنذاك على فرنسا كانت هي الموجة اليسارية المتطرفة.

وهي ما يدعوه المؤلف باليسار المراهق أو اللامسؤول. فهؤلاء الفلاسفة راحوا ينشرون في أوساط الشبيبة الفرنسية أفكارا هدامة وعدمية من نوع: كل شيء يتساوى مع كل شيء، لا شيء أفضل من شيء.

العاقل والمجنون يتساويان، الإنسان الطبيعي والإنسان الشاذ يتساويان، لا توجد أخلاق مشتركة ولا قيم مشتركة، الشاذ جنسيا والإنسان الطبيعي هما نفس الشيء، ولا أحد أحسن من أحد، الخ.ضد هذا التيار الكاسح نهض ريمون بودون وقال: ينبغي أن نضع حدا لهذا التسيّب والإباحية.

ينبغي أن نعترف بوجود قيم مشتركة للمجتمع ككل. ولا يحق لأي فرد أن يخلق قيمه أو أخلاقه الخاصة به دون غيره. فالمجتمع لا يمكن أن يسير على الطريق المستقيم بدون قيم عامة وقوانين مشتركة تضبطه. يضاف إلى ذلك أن هناك عقلانية عامة تنطبق على الجميع. وذلك على عكس ما ادعى التيار المتطرف الذي قاده فلاسفة ما بعد الحداثة.

فهؤلاء شككوا بالحداثة وإنجازاتها قائلين: لا معنى للتنوير، ولا للفلسفة الليبرالية، ولا للماركسية، ولا للعقلانية، ولا لأي شيء جاءت به الحداثة. كل هذا سقط وانتهى. ونحن أصبحنا في عصر ما بعد الحداثة.

ويرى ريمون بودون أن هذا المنطق خطير ويؤدي إلى تدمير الإنجازات العظيمة التي تحققت في العصور الحديثة. إنه يؤدي إلى تدمير الديمقراطية ودولة الحق والقانون بكل بساطة.

ففلاسفة اليسار المتطرف أو ما بعد الحداثة يقولون لك: الديمقراطية كذبة كبيرة، وكذلك حقوق الإنسان. ولا يوجد في رأيهم أي فرق بين النظام الديكتاتوري الشيوعي والنظام الديمقراطي الغربي. كلاهما نظام قمعي يراقب الإنسان في كل حركاته وسكناته.

وهكذا يتساوى عندهم كل شيء مع كل شيء. وهذا أخطر ما وصل إليه المجتمع الفرنسي. ولذلك ألف ريمون بودون كتابه هذا لكي يعيد الأمور إلى نصابها ويثبت للناس أن هناك إنجازات عظيمة للحداثة والديمقراطية. ولا ينبغي التخلي عنها بأي شكل لأن ذلك يعني تدمير الحضارة الغربية بكل بساطة.

لكي نعطي القارئ فكرة عامة عن هذا الكتاب القيم والهام جدا يكفي أن نعدد عناوين الفصول وتفرعاتها. فبعد المقدمة العامة نجد أن المؤلف يقسم كتابه إلى تسعة فصول، ولكل فصل فروع عديدة.

فالفصل الأول من الكتاب يخصصه للتحدث عن بؤس الفلسفة النسبوية، أي العدمية، التي سيطرت على فرنسا وشبيبتها وجامعاتها طيلة ثلاثين سنة.

وهو لا يهاجم النسبية هنا وإنما الكاريكاتور المقدم عنها: أي النسبوية. فالنسبية نظرية محترمة وتستحق التقدير. ولكن إذا زادت عن حدها انقلبت إلى ضدها وأدت إلى تدمير كل ما هو عام ومشترك في المجتمع. وعندئذ تتحول إلى شيء سلبي جدا، إلى عدمية.

وبالتالي فالنسبوية هنا تعني العدمية.ويدرس المؤلف في هذا الفصل كيفية تشكل الفلسفة النسبوية أو العدمية في فرنسا وكيف شاعت وسيطرت على العقول في فترة من الفترات، بل ربما حتى الآن في أوساط عديدة. والحق في كل ذلك يقع على نيتشه وتلامذته الفرنسيين من أمثال فوكو، ودريدا، وديلوز، وسواهم.

فنيتشه على الرغم من عبقريته إلا أنه حاول تدمير العقلانية التي أسسها كانط وهيغل. وبالتالي فهو خطير على الفكر الغربي. ثم تبعه تلامذته على نفس الخط وراحوا يفككون كل شيء بما فيه العقلانية ذاتها. وتقع المسؤولية أيضا على مونتيني، وهيوم، وماكس فيبر وآخرين من كبار المفكرين.

أما الفصل الثاني من الكتاب فمكرس لنقد نوعين من أنواع النسبوية أو العدمية. فهناك أولا العدمية الابستمولوجية، وهناك ثانيا العدمية الثقافية، وهما مرتبطتان ببعضهما البعض. الأولى مثلها علم الابستمولوجيا الأمريكي الشهير: توماس كهن بالإضافة إلى حلقة فيينا الفلسفية وكارل بوبر.

الثانية، أي العدمية الثقافية، مثلها فلاسفة كبار ليس أقلهم مونتيني في القرن السادس عشر، أو دافيد هيوم في القرن الثامن عشر، أو ماكس فيبر في القرن التاسع عشر والعشرين. وسار على هديهم فلاسفة ما بعد الحداثة في فرنسا.أما الفصل الثالث من الكتاب فيحمل العنوان التالي: محاولة لفهم التعددية الثقافية.

وهنا يعترف المؤلف بوجود ثقافات عديدة في العالم ويدعو إلى احترام التنوع والتعددية. ولكنه في ذات الوقت يعتقد بوجود قيم كونية تنطبق على جميع البشر بغض النظر عن اختلاف أديانهم ولغاتهم وتراثاتهم الثقافية والقومية.

من بين هذه القيم نذكر: حقوق الإنسان، والديمقراطية، ودولة القانون. فجميع البشر لهم مصلحة في احترام حقوق الإنسان وكرامته بغض النظر عن أصله وفصله، أو دينه وعرقه ومذهبه.

وجميع البشر لهم مصلحة في سيادة الحكم الديمقراطي لا الديكتاتوري المستبد، وجميع البشر لهم مصلحة في سيادة دولة القانون لا دولة الغاب والذئاب أو التعسف والاعتباط والامتيازات.

وبالتالي فلا يمكن القول بأن كل شيء يتساوى مع كل شيء كما يفعل العدميون الفرنسيون أو غير الفرنسيين.

هذا شيء خطير ولا ينبغي على أي مفكر يحترم نفسه أن يقع فيه. فإذا كان كلام هؤلاء السادة صحيحا فلماذا لا يذهبون للعيش في الدول الديكتاتورية؟ لماذا يفضلون البقاء في بلادهم؟

ثم بالأخص لماذا يهاجر مثقفو العالم الثالث إلى بلاد العرب للعيش فيها؟ أليس من أجل الحرية وهربا من الاستبداد والأصولية الدينية وانعدام التسامح في بلادهم؟لا، لا يمكن القول بأن كل شيء يتساوى مع كل شيء، ولا يجوز أصلا لأن ذلك يعني إلغاء لفكرة التقدم البشري.

ثم يتابع المؤلف في الفصول التالية من الكتاب تعميق أفكاره عن طريق نقد الأفكار الخاطئة. وهو يقول بما معناه. لقد ركز فلاسفة ما بعد الحداثة على نقد الحس العام المشترك أو العقلية العامة السائدة لدى البشر. وبالغوا في ذلك إلى حد أنهم قضوا على فكرة العقلانية المشتركة من أساسها.

وهذا خطأ ما بعده خطأ. فالحس المشترك قد يكون على حق، بل وكثيرا ما يكون على حق. واينشتاين كان يقول: كل العلم ليس شيئا آخر غير تعميق وتدقيق الفكر اليومي العادي للبشر: أي الحس المشترك والعقلانية العادية التي نستخدمها كل يوم.

ونلاحظ أن الفصل السادس من الكتاب مكرس كله لدراسة الموضوع التالي: أصول الرؤيا الحديثة للحس المشترك. هذا في حين أن الفصل السابع يطرح السؤال التالي: لماذا لا يحب المثقفون الفرنسيون اللبرالية؟ وهنا يشن حملة شعواء على اليسار المراهق أو المتطرف الذي اتخذ الماركسية كعبادة في الستينات من القرن الماضي. فثقافة الشعارات حلت عندئذ محل الثقافة الجادة والرصينة.

*الكتاب: تجديد الديمقراطية

ثناء على الرأي العام المشترك

*الناشر:أوديل جاكوب ـ باريس 2006

*الصفحات:367 صفحة من القطع الكبير

Renouveler la démocratie

éloge du sens commun

Raymond Boudon

Odile Jacob- Paris 2006

p.36