هذه المقابلة النادرة أجراها إد بيلكنجتون المحرر الثقافي بصحيفة «غارديان» اللندنية مع الروائي النيجيري شينوا أتشيبي، بمناسبة فوزه بجائزة مان بوكر انترناشيونال عن مجمل إنجازه الإبداعي في الدورة الثانية لهذه الجائزة التي فاز بها في دورتها الأولى الروائي الألباني إسماعيل كاداري.

وإصدار طبعة جديدة مزيدة ومنقحة من روايته الأولى الأكثر شهرة «الأشياء تتداعى» في الذكرى الخمسين لصدورها قبل نصف قرن تقريباً.

حيث تحدث عن العالم الذي نبعت منه هذه الرواية وعلاقتها بعالم التقاليد الشفوية الإفريقية، والعلاقة بين إبداعه ومساهماته في الحياة العامة والسر في حبه وحنينه الدائمين إلى قريته، أو جيدي التي تقع على بعد أميال من نهر النيجر. وفيما يلي نص المقابلة:

في مستهل اللقاء مع شينوا أتشيبي في كوخ على نهر الهدسون في نيويورك، يبادر إلى القول: «إنني كاتب مخضرم الآن، ولكنني عندما بدأت الكتابة لم تكن لدي فكرة عما ستصل إليه الأمور. وكل ما كنت أعرفه هو أن بداخلي شيئاً يدفعني إلى أن أقول من أنا، وأنا ذلك كان سيخرج مني حتى ولم أرد ذلك».

كان هذا الشيء القابع بداخله هو روايته الصرحية، الصامدة، الأولى الصادرة عام 1958، التي عندما يقرأها القارئ اليوم في طبعتها الجديدة يجد أنها لم تفقد شيئاً من قدرتها على إثارة الشعور بالصدمة، وهي تشكل مفارقة صارخة لدى مقارنتها برواية جوزيف كونراد الشهيرة «قلب الظلام» التي اتهمها أتشيبي في مقالة شهيرة له عام 1975 بأنها رواية عنصرية تماماً.

وفي اللقاء معه يقول أتشيبي إنه أحصى الكلمات التي تنطقها شخصيات إفريقية في رواية كونراد فوجدها ست كلمات، وطوال الوقت فإن ما يند عن أفارقة كونراد لا يعدو أن يكون ضجة حيوانية، وهم يصرخون في الرواية كثيراً.

ويقول اتشيبي إنه بالمقابل فإن روايته «الأشياء تتداعى» تعد: «قصة لا يقدمها إلا شخص خاض غمارها، وقد كانت تصر على أن يرويها صاحبها، لا أن يرويها آخرون، بغض النظر عن مدى قدرتهم أو كفاءتهم».

ينتقل الروائي النيجيري الكبير إلى الحديث عن فوزه بجائزة مان بوكر انترناشيونال، فيقول إنه مسرور بصفة خاصة لأن محكمي هذه الجائزة التي تمنح مرة كل عامين قد أدركوا الطريقة التي أبدع بها لغة خاصة لروايته «الأشياء تتداعى».

ويضيف: «القصة مختلفة للغاية عما كنت قد قرأته خلال طفولتي، وقد كنت أعرف أنني لا أستطع الكتابة مثل ديكنز أو كونراد. فقصتي ما كانت لتقبل ذلك، ولذا فقد كان عليك أن تبتكر انجليزية جديدة.

ولم يكن بمقدوري الحكم بما إذا كان ذلك سيكلل بالتوفيق من عدمه».إذا كانت الإحصاءات يمكن أن تتخذ معياراً في هذا الصدد، فإنه قد وفق إلى حد بعيد، حيث بيع من رواية «الأشياء تتداعى» أكثر من عشرة ملايين نسخة، وترجمت إلى خمسين لغة، والأمر الأكثر أهمية هو أنها أطلقت جيلاً بأسره من الكتاب الأفارقة الذين قلدوا أصالتها اللغوية ورؤيتها السياسية.

عندما عكف أتشيبي في أول الأمر على كتابة هذه الرواية، كان يعتزم جعلها رواية تحكي قصة ثلاثة أجيال، القروي التقليدي أوكونكو، ابنه نوي الذي يعتنق المسيحية على أيدي المبشرين وأوبي حفيد أوكونكو، الذي يتم إرساله للدراسة في انجلترا.

وعندما أدرك أن الرواية بسبيلها إلى أن تغدو هائلة الامتداد، اعتزم أن يقسمها إلى ثلاثة أجزاء، بحيث تحكي الثلاثية قصة التدمير الاستعماري لإفريقيا على ثلاث مراحل، الأرض على نحو ما كانت عليه قبل قدوم الرجل الأبيض، وصول المبشرين، وأخيراً تغلغل الأساليب الاستعمارية واختراقها لحياة الأفارقة.

وكان يتعين كذلك أن تروي قصة أتشيبي، حيث يمثل أو كونكو جده، ويمثل نوي أبويه اللذين اعتنقا المسيحية، ويمثل أوبي الذي تلقى تعليماً انجليزياً أتشيبي نفسه.

في نهاية المطاف، أصبح الجزء الأول هو «الأشياء تتداعى». وكانت روايته التالية «بعيداً عن الارتياح» الصادرة في عام 1960 والتي تتابع أوبي في لندن هي الجزء الثالث. أما الجزء الوسيط فلم يقدر له أن يكتب أبداً.

الأمر الذي يفرض طرح سؤال ملح على أتشيبي، وهو: لماذا؟ يقول أتشيبي في معرض الرد: «عندما وصلت إلى مرحلة كتابتها وجدت أنني لا أريد القيام بذلك. فهذا هو الجيل الذي تقبل المبشرين، وقد بدا لي أن ذلك يقتضي بعض التفسير. لماذا يهجر أي شخص معتقد أسلافه ويمضي لاعتناق دين أجنبي؟».

إذا كان والدا أتشيبي قد اعتنقا المسيحية، وأفعما حياته برموزها، وجعلاه يتعلم الانجليزية في الثامنة، ويمضي للدراسة في جامعة لندن في عبدان التي ستعرف لاحقاً بجامعة عبدان، فإنه سيكتشف أن هناك حياة أخرى وطرقاً أخرى. فقد كان والداه يعتبران أن من لم يسر على دربهما هم أناس «ضالون» .

ويقول: «كنا نسميهم بأهل العدم». ولكنه مع نضجه بدأ يتساءل عن جوهر الحقيقة القائلة إن هؤلاء الآخرين، وبصفة خاصة عمه، قد قاوموا ترك عبادة الأسلاف، وعاشوا حياة مختلفة. وما بدا بالنسبة لأتشيبي فضولاً حيال هؤلاء الآخرين تحول في نهاية المطاف إلى غضب على الأكاذيب التي قيلت له في طفولته.

يقول أتشيبي: «كان الفارق بين ما قيل لي وما رأيته بالغ القوة، فاللغة التي استخدمها المنتمون إلى الكنيسة كانت في حد ذاتها هجوماً على الآخرين، ولم تتغير، والمبشرون لايزالون حتى اليوم يعتقدون أنهم ينقذون أرواحاً ضالة، وهي كذبة كبرى».

هناك من قد يشير إلى أنه لولا نفوذ هؤلاء المبشرين والتعليم الانجليزي الذي جلبوه معهم، لما كان أتشيبي هو الكاتب الذي نعرفه اليوم، لكن أتشيبي يرد على ذلك بالقول: «لم تكن حياتنا نحن الأفارقة إلا ألغازا وعلامات استفهام».

شكل إدراك أن عالم طفولته قام على أساس كذبة الوقود الصاروخي الذي أطلق أتشيبي إلى عالم الكتابة، وجعله يتخلى عن اسم ألبرت الذي اختاره له أبواه ويحل محله الاسم المحلي شينوا.

وفي أعماله الأحدث نقل بؤرة الغضب من الغازي المستعمر إلى الإفريقي النهاش، أي القادة الأفارقة الفاسدين والمفسدين، الذين ورثوا مقاليد السلطة من الرجل الأبيض، فمضوا إلى تبديد الآمال التي حملها الاستقلال معه.

في وقت لاحق، عايش أتشيبي محنة حرب بيافرا، وجسد مآسيها وما جلبته على شعب الايجبو من آلام وأهوال ومجاعات في شعره بصفة خاصة.في غضون ذلك، كانت أنشطته السياسية ترصد عن كثب من الشمال النيجيري، وهو يقول في هذا الصدد: «لم تكن لديّ شعبية في صفوف العسكريين» وهكذا أجبر في نهاية المطاف على مغادرة نيجيريا، فمضى إلى الولايات المتحدة حيث عمل بالتدريس في جامعاتها.

في عام 1990، كان أتشيبي يقود سيارته بين قريته، أوجيدي، التي اختير رئيساً لمجلسها وبين لاغوس، عندما تعرضت السيارة لحادث، وفقد وعيه.

وهو يتذكر ما جرى يومها قائلاً: «يبدو أن السيارة انقلبت مراراً وتكراراً، وكانت جاثمة فوقي بصورة فعلية، ولم يستطع ابني القيام بأي شيء، فانطلق يعدو إلى الطريق وهو يصيح: (هذا شينوا أتشيبي) لجعل الناس يتوقفون. وأقبلت حشود منهم فرفعت السيارة عني».

أمضى ستة أشهر في مستشفى بلندن. وهو يقول: «لقد غير هذا الأمر حياتي». ومن الواضح أن هذه العبارة الأخيرة لا ضرورة لها، فتأثير الحادث جلي على أتشيبي.

حيث يجلس في مقعد متحرك لأنه أصيب بالشلل من الخصر حتى أصابع قدميه. وهو يقول إنه يشعر بألم «متواصل ومثير للفضول». وهو يدلك ركبتيه خلال الحديث معه من وقت إلى آخر، كأنما يحاول عبثاً أن يبعث فيهما الشعور بالهدوء والسكينة.

والحقيقة القائلة إنه لا يستطيع الجلوس أوقاتاً طويلة تجعل من الصعب عليه القيام بأي شيء بسرعة، وهو يأسف لأن عمله يعاني من جراء ذلك، فمكتبه مكسو بمقالات ومخطوطات لم يفرغ منها. وهو يقول بأسلوبه الدقيق: «هناك حاجة لانتقال عدد من الأشياء على طاولتي إلى نقطة الانتهاء منها».

منى مدكور