ها هي رئيسة اللجنة الناقدة إيليس شووالتر تبادر إلى القول: «في رواية (الأشياء تتداعى) ورواياته الأخرى التي تدور أحداثها في نيجيريا، يطلق شينوا أتشيبي الرواية الإفريقية الحديثة، وهو كذلك ينير الدرب للكتاب على امتداد العالم الذين يسعون وراء كلمات وأشكال جديدة لوقائع ومجتمعات جديرة».
هذا التقدير الكبير للروائي النيجيري البارز يشارك فيه عضوا اللجنة الروائية نادين جورديمر والمؤلف كولم تويبين، حيث تقول جورديمر عن أتشيبي إنه حقق: «ما تحدده إحدى شخصياته على نحو متألق بأنه هدف الكاتب.وهو تعبير مكتشف حديثاً عن الإمساك بناصية تعقيد الحياة. هذا الإبداع الروائي هو تركيب أصيل للرواية النفسية، تيار الوعي الجويسي، تجزئة السياق ما بعد الحداثي، وهو متعة حقيقية وإنارة للطريق».وبدوره يقول تويبين إن رواية «الأشياء تتداعى» تتميز بأنها: «تفلح في وضع يدنا على لحظة جوهرية في الدراما الاستعمارية، وهي تضفي الطابع الدرامي على التغير الهائل بوضوح وتعاطف وسلاسة ويسر مدهشين».
في داخل هذا الإطار العريض، فإن الاقتراب من رواية «الأشياء تتداعى» يضع يدنا على حقيقة مهمة فيما يتعلق بهذه الرواية، وهي تتعلق بتطويرها المدهش للحياة القبلية النيجيرية بصورة بعيدة عن النزعة العاطفية قبل الاستعمار وبعده.
من المهم أن نتذكر أن هذه الرواية قد رأت النور لأول مرة عام 1958، أي قبل عامين من إعلان استقلال نيجيريا عن بريطانيا.
وهي تتجنب الغواية الواضحة المتمثلة في تصوير الحياة في المرحلة قبل الاستعمارية على أنها نوع من جنة عدن، وبدلاً من ذلك فإن أتشيبي يصور عالماً يوجد فيه العنف والحرب والمعاناة، ولكنها تتعادل مع إحساس قوي بالتقاليد والطقوس والتماسك الاجتماعي.
نتوقف طويلاً عند البطل أوكونكو، وهو رجل صنع نفسه بنفسه، وابن مزارع جذاب ولكنه لم يقدر له قط أن يحقق جانباً من الازدهار، فظل طوال عمره رقيق الحال، ومن هنا فإن أوكونكو يعمل طوال عمره للتغلب على ضعفه، ويصل في نهاية المطاف إلى الرخاء وتحقيق سمعة طيبة بين رفاقه من أبناء قرية أوموفيا.
فهو بطل مصارع وقروي مزدهر الحال وزوج لثلاث نساء وأب للعديد من الأبناء، وهو أيضاً رجل له عيوب كتلك التي تصنع التراجيديا الإغريقية.
يحكم أوكونكو داره الممتدة بقبضة حديدية. وتحيا زوجاته وخاصة أصغرهن سناً في خوف مستديم من مزاجه الناري، وكذلك الحال بالنسبة لأبنائه.
ربما لم يكن أوكونكو في أعماقه رجلاً قاسياً، ولكن حياته بأسرها هيمن عليها خوف من الفشل والضعف، وكان خوفاً أعمق وأكثر حميمية من الخوف من الشر والسحر والغابة وقوى الطبيعة الشريرة وذات الأسنان والمخالب الحمراء.
كان خوف أوكونكو أعظم من هذه المخاوف، فهو ليس خوفاً خارجياً، وإنما خوف عميق قابع في أغوار نفسه. كان خوفاً من ذاته، خوفاً من أن يجده الناس شبيهاً بأبيه.
مع ذلك فإن أتشيبي يفلح في جعل هذا الرجل القاسي شخصية نتعاطف معها بعمق، فهو مولع بابنته الكبرى وكذلك بإكيمنونا، وهو فتى أرسل من قرية أخرى كتعويض عن القتل بالخطأ الذي راحت ضحيته امرأة من قرية أوموفيا، بل أنه يبدأ بالشعور بالاعتزاز بابنه الأكبر الذي غالباً ما نظر إليه على أنه يشبه أبيه الضعيف.
لسوء الحظ فإن سلسلة من الأحداث المأساوية تعجم عود هذا الرجل القوي، وخوفه من الضعف هو الذي يودي به في نهاية المطاف إلى مصيره.
ومن المهم أن نلاحظ أن أتشيبي لا يتطرق إلى موضوعة الاستعمار في روايته إلا عند الوصول إلى الصفحات الأخيرة من الكتاب أو نحو ذلك. وعند ذلك يكون أكونكو قد فقد كل شيء، ومضى إلى المنفى. ومع ذلك فإنه في إطار تقاليد ثقافته يظل أمامه أمل في الخلاص.
غير أنه مع وصول المبشرين وفي أعقابهم ممثلي الحكومة الاستعمارية يتمزق نسيج ثقافة الإيبو ويتحقق الصدام بين الطرق القديمة والطرق الجديدة ويضيع أوكونكو إلى الأبد.
«الأشياء تتداعى» رواية ذات نثر خادع ببساطته، فهو يحجب طاقة هائلة تتجلى لدى تعرض أتشيبي لدمار رجل فخور، والذي يجسد دمار ثقافة بكاملها.
إننا نتحدث هنا عن رواية لا تزال بعد نصف قرن من صدورها قادرة على استقطاب اهتمام القراء والنقاد على حد سواء، وقد بيع منها أكثر من عشرة ملايين نسخة وترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا عيوبها.
ربما كان أبرز هذه العيوب أنها كتبت وعين مؤلفها على رواية كونراد «قلب الظلام»، التي يصفها أتشيبي بأنها رواية عنصرية تماماً، وقد أراد أن يقدم في روايته «الصياغة الصحيحة» لرواية كونراد، ولكن ذلك في حقيقة الأمر ينتهي بأن يقلل من القيمة الأدبية لهذه الرواية النيجيرية الرائدة.
ولا يقل خطورة عن هذا العيب عيب آخر يتمثل في حرص أتشيبي المفرط على إبراز إنسانية القرويين الأفارقة وذكائهم في إطار سياقهم الخاص.
غير أن الروائي النيجيري يصل إلى نصف الرواية مستغرقاً في طرائف حياة القرية الإفريقية ومستنزفاً طاقته في حبكات ثانوية. وهذه القصص المتعلقة بالحياة اليومية والقبلية مثيرة للاهتمام حقاً، ولكنها ليست لها قوة حقيقية على دفع الرواية قدماً.
ومن المحقق أننا أمام رواية مثيرة للاهتمام بكل المعايير، ولكن أتشيبي يبدو أكثر اهتماماً بالبرهنة على وجهة نظر بأكثر مما يهتم بسرد رواية متميزة، وليس من قبيل الصدفة أنه لا يتطرق إلى حياة القرية الإفريقية عندما وقع عليها الظل الاستعماري الكئيب إلا في الصفحات الخمسين الأخيرة من الرواية.
وعلى الرغم من هذه العيوب، فإننا نظل أمام رواية نادرة المثال، لها ما بعدها، تشكل بداية البدايات في الرواية الإفريقية، ومن هنا فإن طبعتها الجديدة تظل متمتعة بطزاجة مدهشة توحي لنا بأن هذا العمل الفريد كتب بالأمس القريب.
*الكتاب:الأشياء تتداعى
*الناشر:سباركنوتز ـ نيويورك 2007
*الصفحات:212 صفحة من القطع المتوسط
Things Fall Apart
Chinua Achebe
Sparknotes- N.Y.2007
P.212

