مؤلف هذا الكتاب هو مدير مكتبة الإسكندرية المهندس المعماري الناقد والمفكر الدكتور إسماعيل سراج الدين والذي عمل في العديد من المشاريع العمرانية في بلدان مختلفة مما أكسبه خبرات متراكمة فضلا عن مساهماته العديدة في جائزة أغاخان للعمارة.
وتأتي أهمية الكتاب من كونه ينفرد بأنه أول مرجع عربي يتناول بالتحليل مشاريع معمارية تمتد من اندونيسيا شرقا حتى المغرب العربي غربا.. ما يعكس مساحة شاسعة تزخر بتجارب عديدة من التخطيط العمراني. وحسبما يشير المؤلف فإن الكتاب يأتي في إطار اهتمامه بقضايا النقد المعماري في سلسلة من المؤلفات التي وضعها لتصب في اتجاه إثراء النقد المعماري في اللغة العربية، الأمر الذي لا نراه متوافرا فيها. وفي معرض التأكيد على الأهمية العملية التي يمثلها تناول موضوع الكتاب يشير المؤلف إلى أن أزمة القيم في المجتمع المعاصر تطرح تحديا عميقا يواجه جميع المفكرين ويواجه كذلك كل المجتمعات التي تأمل أن تؤصل هذه القيم وأن تكون جزءا منها وللنهوض لمجابهة هذا التحدي سيتحتم على هذه المجتمعات التأكيد على القيم الإنسانية المشتركة. وبذلك سيكون للعمارة بوصفها بناء اجتماعياً وحواراً نقدياً ورمزياً يؤكد ويسمو فوق الهوية ـ دور رائد ليس متعلقا بالمجتمعات الإسلامية فقط بكل ما يحويه اليوم من توتر داخلي بل بالحوار الناشئ حول العمارة في بقية دول العالم.
ويذكر أنه يمكن لهذه العمارة أن تخاطب الظروف الإنسانية والبيئية بنجاح كما يمكنها أن تجمع هذه الاهتمامات في إطار طبيعي وثقافي وبذلك تصبح لها رسالة كونية تخاطب الإنسانية جمعاء.
وعلى ذلك يقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام يتناول في الأول منها تأريخا لجائزة الأغاخان للعمارة من يومها الأول حتى جوائز 2004 بالهند، ويركز بشكل واضح على المنهج النقدي باعتباره الوحيد، من وجهة نظره، الذي يعبر بوفاء عن منهج مؤسسة الجائزة ذاتها حتى وإن أدى به ذلك من حين لآخر إلى انتقاد قرار هنا أو هناك.
وفي سياق استعراضه لأهمية جائزة الأغاخان يشير المؤلف إلى أنها لم تقف عند تقييم الإبداع و الإضافة في المبنى المعماري الجديد بل قدرت جهود من صانوا التراث وبصفة خاصة من تصدوا لمعالجة مشاكل مأوى الفقراء في الريف والحضر ولمعالجة التداعيات العمرانية للعشوائيات في المدن الكبير فجاءت رسالة جوائز الأغاخان للعمارة رفضا لترك الأمور على ما هي وإقداما على مجابهة التحدي الاجتماعي والبيئي في عالمنا النامي.
وعلى ذلك يرى أن ما قدمته الجائزة للعمارة هو أنها أطلقت عنان المنافسة للبحث عن الحلول المبتكرة فعلى الرغم من تعدد المشروعات التي تكلفت ملايين الدولارات في العديد من الدورات إلا أن المشروعات الفائزة في معظم الدورات كانت زهيدة التكلفة شيدت من مواد محلية بجهود ذاتية وبمشاركة من المجتمع .
وهى مع ذلك ذات جمالية معمارية فائقة. ومما يكشف عن هذا التحدي التجارب الرائدة في بيئات فقيرة لكنها تكشف عن إبداع إنساني خلاق في ظروف بيئية واقتصادية بالغة القسوة.
ويقدم لنا الدكتور إسماعيل في هذا القسم عرضا مفصلا لكافة الجوانب المتعلقة بدورات الجائزة التسع خلال الفترة من 1980 وحتى 2004، وكذلك المشاريع الفائزة في هذه الدورات والأسس التي تم على أساسها اختيارها.
وعلى سبيل المثال يقدم لنا المؤلف تحت عنوان القضايا الاجتماعية لتطور العمارة في المستقبل المشروع الفائزة من اندونيسيا وهو برنامج إصلاح كامبونج مشيرا إلى أن قرار لجنة التحكيم بحصول المشروع على جائزة الأغاخان جاء انطلاقاً من أنه قام بتحسين الظروف المعيشية للسكان وساعد على تكامل القطاع غير الرسمي مع اقتصاد المدينة وشجع المبادرات الفردية في تحسين وتطوير المساكن. ومن خلال ذلك يعرض لنا وصفا للمشروع وصورا مختلفة له.
وتحت عنوان البحث عن الاتساق يقدم لنا مشروع بيت «أرته كون» من تركيا والذي حصل على الجائزة بسبب دمجه للعنصر التخيلي مع إعادة استخدام بيتين ساحليين يزيد تاريخ إنشائهما على 100 عام .
وللتأكيد على أن المباني القديمة يمكن تحويلها إلى بيئات جميلة وفعالة بدون الحاجة إلى إنشاء مبان أخرى مطابقة للأصل مشيرة إلى أن اللغة المختلفة التي استخدمت للمبنى الملحق تربط البيتين القديمين بتناغم شديد مع العمارة الموجودة وتوضح كيف يمكن أن يتكامل الجديد مع القديم بنجاح.
وعلى هذا المنوال نتجول مع المؤلف على مختلف المشروعات الفائزة بالجائزة ومنها مشروع المحافظة على قرية سيدي بوسعيد في تونس، والمتحف الوطني في قطر وبيت حلاوة في العجمي بالإسكندرية وفندق الإنتركونتننتال ومركز المؤتمرات بمكة في السعودية.
ويختتم المؤلف استعراضه لهذا القسم باستعراض جوائز عام 2004 حيث كان من بين الفائزين مكتبة الإسكندرية وكذا برجا بتروناس في ماليزيا.
وعن فوز مشروع مكتبة الإسكندرية بالجائزة يعرض المؤلف قرار لجنة التحكيم مشيرا إلى أن ذلك جاء لأنه يظهر بطريقة مبتكرة لتصميم ووضع شكل ضخم ورمزي في أحد أهم الواجهات البحرية في العالم بدءا بفكرته ومرورا بالمسابقة الدولية لتصميمه وحتى إنشائه بواسطة عدة شركات عالمية.
وكذلك في إدارته الحالية. ويقدم المشروع حسب اللجنة نموذجا تتوحد به جهود المجتمع الدولي ويتم فيه تشجيع التعاون والالتزام من المجتمع بأكمله.
أما بالنسبة لمشروع برجي بتروناس فقد حصل على الجائزة لأنه يمثل اتجاها جديدا في تصميم ناطحات السحاب متضمنا تقنيات متقدمة بينما يرمز إلى الطموحات المحلية والوطنية ويجسد المشروع العديد من الابتكارات التي تتراوح بين استخدام الخرسانة عالية القوة غير المألوفة لتسهيل تكوين نظام إنشائي أنبوبي لين إلى توظيف فكرة نقل رأسي مبتكرة ودمج أحدث أنظمة الحفاظ على الطاقة.
وحسب اللجنة فإن نجاح هذا المشروع يكمن في الطريقة التي يجمع بها هذه الإبداعات التقنية بينما يولد شكلا رشيقا يستجيب بشاعرية لمحيطه الأكثر اتساعا.
وفي القسم الثاني من الكتاب يعرض لنا معايير التقييم التي تبنتها مؤسسة الجائزة ومعها مذكرة مهمة عن توسيع مفهوم النقد المعماري وألحقها بدراسة تطبيقية عن مكتبة الإسكندرية لكي يجمع بين النظرية والتطبيق في ملمح قدم من خلاله نموذجا للدراسات المعمارية المفتقدة في الثقافة العربية.
ففي سياق مدخله المنهجي للنقد المعماري الذي يسعى إلى توسيع إطاره يعرض المؤلف مجموعة مقترحات اللجنة لقضايا العقد الثالث من أعمال جائزة الأغاخان للعمارة.
مشيرا إلى أنه بعد أن تمكنت الجوائز من إرساء القواعد الأساسية لمجالات اهتماماتها وبعد أن حددت الأجزاء المتضمنة في إطار هذه المجالات تستطيع المؤسسة الآن التحرك إلى مستوى جيد من التحليل النقدي للقضايا التي تواجهها .
وهو ما يستلزم التركيز على عدة نقاط من بينها إرساء أساس منهجي لتعريف المصطلحات وتقويم المفاهيم الرئيسية وتأثيراتها مثل الثقافة والإسلام والمجتمع والهوية والأسطورة والخيال والإبداعية. ولا يعتبر هذا الأمر، حسب الكتاب، مطلبا أكاديميا لفئة قليلة تهتم بالتعريفات والحدود بل إن هذا يعتبر عملا أساسيا لا بد من القيام به لتكوين أساس علمي للنقد المعماري نظريا وتطبيقيا في العالم الإسلامي اليوم.
كما يدعو المؤلف إلى الخوض بتعمق في ماهية التصميم المعماري ومكوناته التي تشمل الإبداعية والخيال والمعرفة والخبرة والقدرة على التقويم والحكم والموهبة الفطرية. ويشير إلى أنه من المحاولات الجادة التي نظمت لمناقشة مثل هذه القضايا المعقدة الندوتان المغلقتان اللتان عقدتا في الدورة الثالثة واعتبرتا بداية جديدة لهذا الموضوع.
ومن بين ما يراه المؤلف على طريق تطوير وتوسيع مفهوم النقد المعماري ليكون على مستوى واع رفيع يذكر الدكتور إسماعيل سراج الدين أن هذا النقد يجب أن ينظر إلى العمل المعماري على عدة مستويات. فمن ناحية فهناك النظر إليه بوصفه بناء وهو أبسط أنواع النقد والتقييم وأكثرها مباشرة.
حيث يعتمد على النظر إلى مدى استجابة المبنى للجوانب الوظيفية والى صفاته الجمالية. فضلا عن النظر إلى البناء في سياقه المادي ويشمل ذلك دراسة إيجابيات وسلبيات العلاقة بين المبنى والبيئة المحيطة به مثل مدى التناسق أو التنافر.
وكذا النظر إلى البناء في سياقه الحضاري ويتمثل ذلك في مدى ملاءمة البناء وتوافقه مع التراث الحضاري الذي تعبر عنه حصيلة الأشكال البنائية التي أنتجتها المهارات التي أفرزها المجتمع عبر التاريخ.
ويرى أن توسعة مجال المناقشة على هذا النحو يرتفع بالمعالجة الفكرية للقضايا التي تتعلق بمهنة العمارة بتعريفها الواسع ولا يمكن فصلها عن مضمون التعليم وتطبيقاته في مجالات العمارة والمجالات العملية الأخرى المرتبطة.
ويضيف على هذا الأساس أن المعالجة الجادة لهذه الموضوعات في إطار حرية الفكر المعماري الذي توفره وتدعمه مؤسسة جائزة الأغاخان للعمارة هو الطريق الوحيد للسير قدما لتحقيق الأهداف الثقافية الطموحة التي تبنتها الجائزة.
ثم يقدم لنا المؤلف دراسة تطبيقية حول مكتبة الإسكندرية مشيرا إلى أن مبناها والذي يعد بناء معماريا رائعا على المستويين التصميمي والمعماري، يستحق الدراسة والتأمل فهو يطل على الميناء الشرقي والتاريخي بالإسكندرية وهو نفس موقع مكتبة الإسكندرية القديمة وقصر البطالمة الملكي.
ويضم المجمع الثقافي للمكتبة ثلاثة عناصر أساسية وهى مركز المؤتمرات والقبة السماوية ومبنى المكتبة ويتم الربط بينها تحت الأرض لتكوين هذا المجمع الثقافي الخدمة الكبير.
أما القسم الثالث فقد ضم بعض الملاحق رأى المؤلف أن يضعها بين يدي القارئ كما عرض للمذكرة التفصيلية التي وجهتها اللجنة التوجيهية إلى لجنة التحكيم حيث بينت فيها معايير التقويم التي تبنتها مؤسسة الجائزة كما ألحق بهذا الجزء قائمة الأسماء العربية والإنجليزية.
مصطفى عبد الرازق
*الكتاب:التجديد والتأصيل في العمارة الإسلامية
*الناشر:مكتبة الإسكندرية 2007 ش
*الصفحات:625 صفحة من القطع الكبير

