مؤلف هذا الكتاب الدكتور جمال أحمد سعيد المرزوقي، وهو أستاذ جامعي مصري، ترأس قسم الفلسفة في جامعة عين شمس، وصدر له عدد من الكتب، منها: الفكر الشرقي القديم و دراسات في علم الكلام والفلسفة الإسلامية ودراسات نقدية في الفكر الإسلامي المعاصر وفلسفة الأخلاق في القرآن بمنظور رسائل النور.
وهو يهدف من وراء تأليف هذا الكتاب (فلسفة التصوف) إلى الكشف عن تاريخ حياة النفّري، وأسرته، ونشأته، ومصنّفاته. وإلى الإبانة عن مذهبه الصوفي وجوانب الأصالة والابتكار فيه وإبرازه في صورة كاملة ومتميزة.
ينقسم الكتاب إلى قسمين، يعرض في القسم الأول منه سيرة النفّري الغامضة والملتبسة، ويميز بينه وبين حفيده لابنته محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفّري الذي ينسب إليه كتاب المواقف على أساس أنه هو الذي قام بترتيب أوراق جدّه الشيخ والتأليف بينها.
ويبيّن مكانته، ومصنّفاته، وأثره في اللاحقين عليه. فيذكر من مؤلفاته: المواقف والمخاطبات وموقف المواقف وقسم الحكم ومواقف ومناجيات وباب الخواطر ومقالة في المحبة.ثم يشير إلى أشعاره المتفرقة ما بين قصائد ومقطّعات قصيرة يتحدث فيها عن مواجيده، وأشواقه.
ويرى الباحث أن الرمزية من أبرز الخصائص التصوفية في مصنفات النفّري، وهو في استخدامه لأسلوب الرمز متابع للصوفية فيما عمدوا إليه في كثير من الأحيان من إخفاء أذواقهم باستخدام الألفاظ الاصطلاحية الخاصة بهم.
والرمز عند الصوفية كما يشير الطوسي معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر، لا يظفر به إلا أهله. وهذا يعني أن عبارات المتصوفة لها في الغالب معنيان: أحدهما يستفاد من ظاهر الألفاظ، والآخر يستفاد بالتحليل والتعمق، وهو المعنى الخفي.
أما الخصائص الأدبية في مصنفات النفّري فتحفل بالمحسّنات البديعية مثل: السجع، والتفسير، والمطابقة، والمقابلة، والتجنيس، والتورية. ويلاحظ أنها تميل ميلا خاصا إلى الإكثار من السجع الذي يناسب المقطوعات النثرية القصيرة، خاصة ما كان منها موجّها إلى الله تعالى في شكل دعاء، أو مناجاة، أو ابتهال، لما له من رنين في الأذن، وإيقاع في النفس تتجسّد من خلاله معاني الخشوع والإذعان.
ويتوقف القسم الثاني من هذا الكتاب عند تصوّف النفّري والفناء والمقامات والأحوال والمعرفة عند النفّري، ومفهوم شهود الأحدية في الوجود.
فأبرز ما يميز مذهب النفّري في التصوف كما يرى المرزوقي هو فكرة الفناء عن شهود السوى. وللفناء عنده معنيان، فهو يشير إلى فناء السالك عن أفعاله وإرادته، وبقائه بأفعال الله وإرادته، فيفنى السالك عن رؤية أفعاله، بقيام الله له في ذلك، وهو الفناء عن إرادة السوى.
ويتضمن مفهوم الفناء عن إرادة السوى فكرتين أساسيتين: الأولى: ضرورة الإعراض عن العمل وعدم الاعتداد به. والثانية: نفي وجود الإرادة الإنسانية والإيمان بالقدر.
وفي مناقشته للمقامات والأحوال يرى الباحث أن المقامات عند الصوفية هي مراحل الطريق إلى الله، وهي ما يرسّخ للسالك من أحوال السلوك نتيجة مجاهداته المختلفة، فيقال مثلا إن السالك متحقق بمقام التوبة، إذا كان قد جاهد نفسه حال التوبة عن المعاصي والشهوات بقهر دواعيها، ثم صار مالكا لزمامها من هذه الناحية. ويظهرنا النفّري على طائفة من المقامات منها الطاعة والشكر والتوبة والتوكل والصبر والرضا.
أما الأحوال فيعني الصوفية بها ما يحل بالقلوب وليس الحال من طريق المجاهدات والرياضات كالمقام، وقد عرّف الطوسي الحال بأنه ما يحل بالقلوب أو تحل به وأنه نازلة تنزل بالعبد في الحين، فيحل بالقلب. وأبرز الرياضات التي يمارسها الصوفي للوصول إلى الله تعالى هي: الذكر والدعاء، والطلب، والخلوة.
وفي واردات الأحوال نعاين عند النفّري حالات الخوف والرجاء، وحال المحبة، وحالا القرب والبعد، وحال اليقين. فالخوف والرجاء حالتان من أحوال السلوك، وليسا من مقاماته كما هو الشأن عند بعض الصوفية. ويأخذ الخوف عنده أسماء مختلفة مثل الوجل والفزع والهلع والخشية والهيبة والإشفاق والحزن.
أما الحب عنده فحال يجدها السالك في قلبه، تلطف عن العبارة، وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم له تعالى، وإيثار رضاه، والاحتياج إليه وعدم القرار دونه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره له بقلبه.
ويدور الحديث عند النفّري عن المحبة بين مستويين: الأول: يثبت فيها الإثنينية بين المحب والمحبوب، ويتمثّل في مقامي العلم والمعرفة، حيث يثبت وجودا متميزا للسالك. وفي الثاني ينمحي وجود السالك، ويبقى وجود الحق تعالى وحده، ويتمثّل في مقام الوقفة.
ويستند حالا القرب والبعد عنده وعند غيره من الصوفية إلى مصدر إسلامي من القرآن والحديث، وقرب السالك من الله تعالى لا يكون في رأي النفّري إلا ببعده عن الخلق، وتعلقه بربه عزّ وعلا، حينئذ يتحقق السالك بمقام العبدانية الحقة.
أما حال اليقين فيعدّ أصل جميع الأحوال، وإليه تنتهي. ويمثل هذا الحال عند النفّري السبيل الذي يهدي إلى الحق، ويرى أن أفضل السبل الموصلة بالعبد إلى اليقين تتمثّل في حسن الظن بالله تعالى، والتصديق بأنه تعالى كافيه، ولا شك أن من كان مع الحق تعالى على هذين الوصفين، اليقين، وحسن الظن بالله تعالى، فالعادة أن يصل، وإذا لم ينفصل.
وفي موضوع المعرفة يتناول الباحث الترتيب التصاعدي الذي يشتمل على مراحل المعرفة عند النفّري، والذي يبدأ بالجهل بمعناه السلبي، ثم العلم، ثم المعرفة، ثم الوقفة التي تتجاوز النطاق الدنيوي للمعرفة، وفيها يتحقّق السالك بمقام الجهل بمعناه الإيجابي.
وهو الجهل بالذات الإلهية. والمعرفة عنده هي إدراك الشيء على ما هو عليه، وهو العلم الذي لا يقبل الشك، إذا كان المعلوم ذات الله تعالى وصفاته. وهمّة العارف فيما يرى ينبغي أن تكون وقفا على الله تعالى، فلا يطلب شيئا سواه، ورفع الهمّة عنده هي التوجّه إلى الحق بالكليّة مع الأنفة من المبالاة بحظوظ النفس، ومن الأغراض والأعراض والأسباب والوسائط، كالعمل والأمل.
وتعلق القلب بالنعيم الباقي، وصرف الرغبة عن الفاني. ومنهج المعرفة عنده هو الكشف، وهو إدراك وجداني مباشر يختلف عن الإدراك العقلي أو الحسي المباشر. ويعدّ القلب أداة المعرفة، فهو الوسيلة الأرقى والأشمل، والذي يتناسب مع مرحلة الوقفة التي تتحقّق بها ذات العارف تحقّقا لا مزيد عليه.
ويمثّل العلم عند النفّري روح الحياة، أي أن الحياة إن لم يصحبها علم كانت حيوانية بهيمية، وإن صحبها العلم كانت إنسانية، فالعلم هو الذي يرقى صاحبه عن درجة الحيوانية، فهو روح الحياة.
ويتوقف الباحث عند عدد من المقامات في فكر ونهج النفّري مثل: معرفة المعارف التي تعد مقاما فوق مقام العلم، ودون مقام المعرفة. ثم الفرق بين المعرفة والعلم حيث المعرفة مقام أسمى من مقام العلم. وموقع العارف بين الحق والخلق، ووهبية المعرفة الإلهية، ثم الوقفة والعارف والوقفة وغاية المعرفة.
ويناقش الباحث تصور النفّري للوجود، وكيفية وجود الموجودات، والصلة بين الله والكائنات، وذلك من خلال مبحثه: شهود الأحدية في الوجود.
ويخلص في خاتمة بحثه إلى عدد من النتائج المهمة التي يرى من خلالها أن النفّري مؤلف غير معروف وذلك يعود إلى أنه لم يتحدث في مصنفاته عن شيء من حياته.
وبسبب كثرة ترحاله وأسفاره، وأسلوبه الشديد الرمزية. وإلى أن مذهبه يقوم على ما يسمى الوقفة وهو مذهب صوفي جديد، يؤكد من خلاله على ضرورة التعلق بالله تعالى. كما يشير إلى تأثر النفّري بالقرآن الكريم، وإلى أنه فيما يذهب إليه من تصور لعلاقة الله بالكائنات متفق مع العقيدة الصحيحة على مذهب أهل السنّة والجماعة.
لقد أبرز الباحث أن النفّري من الشخصيات المهمة في تاريخ التصوف، وهو صاحب مذهب متميز عن مذاهب غيره من صوفية الإسلام. وبذلك يستحق المزيد من الدراسات وتسليط الضوء عليه وعلى مصنفاته ودراستها دراسة مفصّلة، تليق بقامته العالية في هذا الميدان.
نذير جعفر
*الكتاب:فلسفة التصوف ـ محمد بن عبد الجبار النفّري
*الناشر: دار التنوير ـ بيروت 2007
*الصفحات:223 صفحة من القطع المتوسط
