مؤلف الكتاب هو د. عبد الحسين شعبان، باحث أكاديمي وكاتب، مختص في القانون الدولي وخبير في ميدان حقوق الإنسان. ترأس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، وساهم في تأسيس اللجنة العربية لدعم الأمم المتحدة رقم 3379 (اللجنة العربية المناهضة للصهيونية والعنصرية)، وشغل منصب أمينها العام من 1986 إلى 1989.
يعمل حالياً مستشاراً قانونياً، وهو عضو في لجنات وجمعيات مختلفة منها جمعية الحقوقيين العراقيين، الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان (كوبنهاغن).
أصدر العديد من الكتب منها: «قرطاجة يجب أن تدمر، 1985»، و«الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي، 1985»، و«أمريكا والإسلام،1987»، و«الانتفاضة الفلسطينية وحقوق الإنسان،1991»، و«المحاكمة، 1992»، و«بعيداً عن أعين الرقيب، 1994»، و«الجواهري، 1997».
و«أبو كاطع: على ضفاف السخرية الحزينة1998»، و«بانوراما حرب الخليج، 1995»، و«السيادة ومبدأ التدخل الإنساني، 2000»، ، و«المدينة المفتوحة،2001»، و«الإسلام وحقوق الإنسان،2001»، و«مدخل إلى القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، 2002»، و«من هو العراقي، 2002»، و«فقه التسامح الإسلامي، 2005». وله بعض الترجمات مثل «مذكرات صهيوني 1986».
ويستلهم الدكتور عبد الحسين شعبان، في كتابه «جذور التيار الديمقراطي في العراق»، ذكرى وفاة حسين جميل كي يعيد طرح السؤال الكبير، الذي ظل يتردد على مدى سنوات عديدة، بهمس أحياناً أو بنبرة خافتة وبمجاهرة أحياناً أخرى، وهو: لماذا تدهور التيار الوسطي في الحركة الوطنية العراقية؟
ويتلوه سؤال آخر، هو: كيف ولماذا تبدد التيار الديمقراطي بعد أن كانت له غصون كثيرة وجذور قوية وتأثيرات غير قليلة؟
وفي سياق مقاربته للأسئلة المطروحة، يخوض عبد الحسين شعبان في إشكالية محورية، تدور حول أسئلة كثيرة، تنفتح على أسباب انقطاع نسل الليبرالية العراقية، وعلى إمكانية عودة جديدة للتراث الليبرالي، وكذلك على ماهية العلاقة ما بين الليبرالية والوطنية، خصوصاً لجهة العلاقة بين دعاة الليبرالية القدامى، الذي أصّلوا ذلك بالصلة الوثيقة بينها وبين الوطنية، وبين بعض دعاة الليبرالية الجدد الذين لا يعير بعضهم أي اعتبار لذلك التاريخ ولتلك البيئة الأولى التي نشأت فيها الليبرالية العراقية الوثيقة الصلة بالديمقراطية والوطنية.
وجمع صاحب الذكرى، حسين جميل، في شخصه اهتمامات ومدارات عديدة، إذ كان باحثاً ومفكراً سياسياً ليبرالياً، وشخصية وطنية، دافع عن الديمقراطية والنظام الديمقراطي في العراق.
ولم يكن يفصل السياسة عن بعدها الأخلاقي. غير أنه رحل عن الدنيا قبل أن يتمكن من رؤية متحقق للديمقراطية في أرض الرافدين، وترك وراءه العديد من المؤلفات والدراسات والأبحاث التي شكلت مراجع على المستوى الحقوقي والفكري حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويسعى عبد الحسين شعبان، من خلال كتابه، إلى تقديم قراءة لفكر ونشاط حسين جميل ورصفائه من الرموز القدامى، آملاً الكشف عن جوانب ظلت مهجورة، وربما مرذولة لدى البعض، من فكر المدرسة الليبرالية العراقية المعاصرة.
وقد قاده ذلك إلى تناول الفكرة الليبرالية، كما هي الصورة والظل أو الأصل والفرع، ثم نقد بعض الإرهاصات التي جرت لتنميط الليبرالية العربية بين جدل الداخل والخارج، ليتوقف بعدها عند الحوار الليبرالي ـ الليبرالي، كي يتخذ منه مدخلاً لبحث الليبرالية في الماضي والحاضر العربيين.
أما في جانب التيار الديمقراطي في العراق، فإن عبد الحسين شعبان، يعود إلى بواكير هذا التيار، وبالتحديد إلى الرعيل الأول وجدل التأسيس، بدءاً من مدرسة حسين رحال، ومروراً بجماعة الأهالي، حيث عمل الرعيل الأول في الحقل العام بُعيد تأسيس الدولة العراقية في 23 أغسطس من العام 1921.
وشهدت عشرينات القرن الماضي حوارات ساخنة حول قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية مختلفة ومتنوعة، مثل السفور والحجاب، والموقف من المرأة، وقضايا الاستقلال والتحرر، والاستغلال الداخلي والحداثة وسواها.
وكانت مدرسة حسين رحال والروائي محمود أحمد السيد وأقرانهما، قد بدأت خطواتها بتوجهات يسارية واشتراكية ومسارات ليبرالية في أوساط المثقفين والمتعلمين العراقيين، ثم تشكلت حلقة يسارية ثانية، عرفت باسم «جماعة الأهالي»، من تجمعين تكونا في بغداد وبيروت أساساً، وضمت عبد القادر إسماعيل وحسين جميل وعزيز شريف وفائق السامرائي ومحمد مهدي كبه.
وحاول حسين جميل منذ بدايات انخراطه في العمل العام التعبير عن آرائه في مقالات كتبها، وانتصر فيها لحرية التعبير ولأسلوب العمل بالوسائل الديمقراطية، وساهم في تأسيس وإصدار جريدة «الأهالي» عام 1932، حيث كان صاحبها ومديرها المسؤول.
وصدر عن الجريدة وثيقة عُرفت باسم «الشعبية»، تلخص جملة من مواقف وآراء أصحابها حول مشاكل المجتمع العراقي في ذلك الوقت، وتتمحور الحلول التي قدمتها على كفالة الطمأنينة والرفاه والتقدم للمجتمع.
وأن يكون كل فرد آمناً على نفسه وحقوقه، مركزة على حقوق الإنسان، ومبرزة حق الفرد في الحياة والحرية والمساواة والعمل، بشكل يكفل استخدام مواهبه الذاتية، ويؤمن حاجياته الضرورية، المادية والمعنوية كحد أدنى، ويسهم في تحسين مستوى حياته وحياة المجتمع.
ويرى عبد الحسين شعبان أن أفكار الشعبية كانت أقرب إلى الاشتراكية الفابية وحزب العمال البريطاني في ذلك الوقت، وأقرب كذلك إلى الحداثة والاشتراكية المعتدلة العقلانية التي وضعت مسافة بينها وبين الشيوعية البلشفية، من خلال تقديرها للحريات الفردية وحقوق الملكية ودور العائلة والموقف من الدين.
وقد استقى حسين جميل ورفاقه مبادئ «الشعبية» من حاجات المجتمع العراقي، وتطلعات سكانه الأكثر رغبة في التغيير، وبخاصة الفئات الفقيرة والمعدمة، وزاوجوا بين المبادئ الاشتراكية ومفاهيم الليبرالية.
وتلاقح في فكر الشعبية وجماعة الأهالي هدفا التحرر من الاستعمار والتحرر الداخلي من الاستغلال مع العمل على تحقيق الديمقراطية في العراق، واعتبرت الديمقراطية ليست فقط أسلوب الحكم الصحيح، بل وسيلة من وسائل الشعب وقواها الوطنية في العمل على تحقيق استقلال العراق الكل وتحرره من النفوذ الأجنبي.
وكان حسين جميل يرى بأن العمل الوطني والعمل لتحقيق الديمقراطية متلازمان، ولا تقتصر الديمقراطية على الديمقراطية السياسية ومقوماتها ومؤسساتها فقط، ولا تكون مجدية إذا لم تكن متكاملة بجوانبها الاجتماعية والاقتصادية، كما أن أية تسمية أعطيت للحريات، سواء كانت عامة أو سياسية أو مدنية، لا تتحقق من غير تحرر المواطنين من الاستغلال والتبعية الاقتصادية والاجتماعية.
ويقرر عبد الحسين شعبان بأن المدرسة الليبرالية كانت وثيقة الصلة بالمدرسة اليسارية والماركسية العراقية في عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن العشرين المنصرم، لكنه الصلة انقطعت عند المواجهة التي حصلت بين التيار اليساري الشيوعي والتيار القومي العربي، حيث نأى التيار الليبرالي بنفسه عن الانخراط في دائرة العنف.
سواء في العام 1959، حينما أصبح العنف سمة مميزة للحياة السياسية ومحاولة إلغاء الآخر وإقصائه وتحريمه أو بعد حصول انقلاب 8 فبراير عام 1963، حيث باتت المنافسة الفكرية أقرب إلى الخصومة بل والعدائية، وتلقت بحصوله الديمقراطية ضربة قوية، وتلقى معها الضربة نفسها التيار الديمقراطي - الليبرالي.
وكان على رموز التيار الليبرالي والديمقراطي الانزواء والابتعاد عن الحياة العامة، نظراً لمصادرة الهوامش الديمقراطية والحريات، وخصوصاً بعد انقلاب 17 يوليو عام 1968 الذي أعلن سير البلاد نحو الاستئثار والانفراد والتسلط. وغدت الليبرالية اختراعاً مشبوهاً أو نسيجاً غربياً، وتمثل نوعاً من الميوعة والتسيب والفردانية المطلقة، وهي تهم خطيرة في ظل الاستبداد وحكم الشمولية.
وفي الحوار الليبرالي الليبرالي، يرى عبد الحسين شعبان أن الليبرالية العربية الراهنة ليس فيها ما يقارن بليبرالية جيل الرواد، وتعرضت إلى نقد شديد، ومن مواقع مختلفة. ومع ذلك فإن الليبرالية تستهدف الانعتاق والحرية في المجالات المختلفة، وإعلاء شأن الفرد، والإسهام في تفتق طاقاته ومواهبه، خصوصاً في ظل حرية سياسية واقتصادية لمواجهة تغوّل الدولة، وليس فتح الأبواب على مصراعيها للتدخل الأجنبي.
ويكتسي النقاش حول الليبرالية والديمقراطية أهمية كبيرة في هذه المرحلة التي تعصف بالمنطقة العربية بشكل عام، حيث الاحتقان والانقسام المذهبي والطائفي بلغ مرحلة غير مسبوقة.
وينذر بما هو أسوأ، وكأن المخططات والمشاريع الهادفة إلى إعادة تكوينها السياسي والاجتماعي والاقتصادي قد بدأت تأكل أكلها. لكن الليبرالية العربية الراهنة تختلف من حيث جذور النشأة والتركيبة المجتمعية والأهداف، عن الليبرالية الأوروبية في عصور الأنوار، وعن الليبرالية العربية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ويمكن القول أن الليبرالية هي قدرة على صناعة العقل المتحرر القادر على الإبداع، وقدرة على التعامل الحر والمتجدد مع الواقع المتغير، لكن الليبراليين العرب لم ينتبهوا إلى أن بلادنا العربية بحاجة ماسة إلى ربط الحرية بالتحرر، والديمقراطية بحاجات المجتمع الذي يتطلع لدولة لها وظائف حقيقية، وليست دولة ميتافيزيقية أو فوقية تضع نفسها فوق الجميع.
وتقتصر مهمتها في التنسيق بين فئاته فقط، وأن واقعنا العربي القائم يحتاج ديمقراطية تتواءم مع احتياجات المجتمع في التطور والتنمية، وإلى تحرر اقتصادي واجتماعي، وإلى كبح جماح الحرية الفردية النفعية المنفلتة، خاصة وأن ملايين الفقراء وهم الأكثرية الساحقة في بلادنا العربية ما زالوا بحاجة لخدمات اجتماعية أساسية وللضمان والمساعدة، إلى جانب حاجتنا للخلاص من التبعية السياسية والاقتصادية، وتشييد عقد اجتماعي يوازن بين مصالح فئات المجتمع كلها.
عمر كوش
*الكتاب: جذور التيار الديمقراطي في العراق
*الناشر:دار بيسان ـ بيروت 2007
*الصفحات: 304 صفحات من القطع الكبير
