مؤلف كتاب «الأجوبة المسكتة» هو إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي عون، أحمد بن أبي النجم، أبوإسحاق، المولود في بغداد سنة 240 هجرية، وأنه تنقل مع والده ما بين بغداد، وواسط وسامراء والبصرة والبحرين ولكنه سكن البصرة حتى إذا أشتد عوده كان يتردد على مواطن العلم والأدب، لينتقل إلى بغداد حاملاً من البصرة جوهر العلم والمعرفة، ومن بغداد انطلق ليتقلد المناصب الإدارية والقيادية في جهاز الدولة فيما بعد، ذلك ما كان والده قد هيأه له حين كان أيضا في مناصب قيادية.
لقد تنوعت ثقافة إبراهيم بن أبي عون بتنوع المصادر التي تلقّى عنها هذه الثقافة وتلونت بحيث شملت ميادين عدة في العلم والمعرفة، وكان أولها الشعر فهو سليل عائلة كلها شعراء. ولم يقتصر إبراهيم في ثقافته في ميدان الشعر والأدب على والده وجدّه، بل نراه يضيف ذلك المصدر الرئيسي مصادر أخرى متنوعة، فيروى أنه عاصرَ «عبدالله بن المعتز» والبحتري، وابن الرومي، وعلي بن يحيي المنجم.
أما في ميدان اللغة والنحو فإن إبراهيم كان من طبقة اجتماعية ذات قدرة على تحصيل العلم والارتشاف من مناهله أينما كان، فلقد توفر له هذا التحصيل على أيدي أئمة اللغة والنحو ممن لمعت أسماؤهم في سماء بغداد لفترة طويلة من الزمن ومنهم: المبرّد وأحمد بن يحيى المعروف «بثعلب» وقد أخذ إبراهيم عنهما أخذاً مباشراً وأنهما أثرا فيه تأثيراً واضحاً، إضافة إلى الفلسفة حيث غزا هذا الفرع من المعرفة الفكر العربي قبل «ابن أبي عون» وشاع وانتشر واغترف منه مشاهير ذلك الزمان، فتلوّن به شعرهم واتصف به نثرهم.
لكن ملكة الشعر كانت هي الغالبة وبخاصة أنه من عائلة معظم أفرادها شعراء، وقد استغل رؤساء إبراهيم هذا ممن عمل معهم، وقوة شخصيته وميله إلى السيطرة والخشونة، فأوكلوا إليه تنفيذ مهمات ذات صفات عنيفة. عاش ابن أبي عون قمة نشاطه الأدبي والوظيفي في أواخر القرن الثالث الهجري، وهي الفترة ذاتها التي شهدت نشاطاً أدبياً كبيراً وقد ترك لنا كثيراً من الكتب لعل من أهمها «كتاب التشبيهات».
أما كتابه «الأجوبة المسكتة» فإنه يتألف من تسعة أبواب، إضافة إلى مقدمة بسيطة، أما الأبواب فهي: باب الجوابات الجديّة، جزء من جوابات الفلاسفة والحكماء، من أمثال اليونانيين، من جوابات الزهّاد، من جوابات المتكلمين، من أجوبة الأعراب، من جوابات النساء، من جوابات المدنيين والمخنثين، من الجوابات الهزلية. ويبدو واضحاً أن المؤلف قد وزّع مواد كتابه في أبواب عدة، بحيث لا تختلط المواد غير المتناسبة مع بعضها البعض، وهذا ما يشير إلى الوعي المنهجي عند «ابن أبي عون».
يقول في المقدمة: ولعمري لقد استحسنت ما يفضل به أهل البلاغة ويسبق إلى البديهة به أهل الذكاء والفطنة وقرب المأخذ في الاحتجاج على الخصم وإيقاع الجواب على المبتدئ بالسؤال، وإقحام المشاغب عن معارضة بالحجاج.. فعلى ذلك قول صحار العبدي لمعاوية بن أبي سفيان، وقد سأله عن البلاغة فقال: أن تصيب فلا تخطئ وتسرع فلا تبطئ.
ثم يبدأ بأبوابه، فمن الجوابات الجديّة حين سأل معاوية الأحنف عن الزمان فقال: أنت الزمان فإن صلحت صلح، وان فسدت فسد، ومنها: قال عبدالملك بن مروان لرجل: ما مالك؟ قال: ما أكف به وجهي ولا أعود منه على صديقي، قال: قد لطفت في المسألة وأمر له بمال.
ومنها: قيل ليوسف عليه السلام أتجوع وفي يدك خزائن الأرض؟
قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.
ومنها قيل لبعض الصالحين: لمَ لا تتزوج؟ فقال مكابدة العفة خير من الاحتيال لمصلحة العيال، ومنها قيل للحسن من شر الناس قال: الذي يرى أنه خيرهم. ومن أمثال اليونانيين قيل لبعض الفلاسفة: ما الغنى؟ قال شر محبوب، وقيل أيضاً لبعضهم: لم تعقّ والديك؟ قال لأنهما أخرجاني إلى الكون والفساد. وسئل بعضهم عن الموت فقال: هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء، وسئل بعضهم عن المرأة فقال: حرب لا صلح فيها. قارئ هذا الكتاب سيدهش من تلك الأقوال التي تنم عن تجربة عميقة وبصيرة نافذة.