راجموهان غاندي، هو حفيد المهاتما غاندي. يقوم بالتعليم حاليا في جامعة الينوا بالولايات المتحدة الأميركية، جعل من سيرة حياة جدّه ومن تاريخ الهند الحديث موضع الاهتمام الرئيسي لأبحاثه. هذا الكتاب عن سيرة حياة جدّه هو آخر أعماله وله أعمال أخرى سابقة منها «رحلة وفاء غاندي« و«فهم الذاكرة الإسلامية» في الهند بالطبع و«الثأر والمصالحة»، الخ.
تعني كلمة «المهاتما» في الهند «الروح الكبرى» ... وعُرف غاندي لدى أنصاره ب«الأب». اسمه الحقيقي هو «موهانداس كارمشاند غاندي». بكل الأحوال إنه رجل-أسطورة في بلاده التي أصبح رمز استقلالها وتاريخها الحديث بنظّاريته المدوّرتين ورأسه الحاسر وراء جسده الأبيض البسيط. ولا شك أنه امتلك هالة لا تضاهيها أخرى في العالم بحيث أنه قد لا يكون من الخطأ دعوته ب«رجل القرن العشرين». وقد استطاع غاندي عبر «ثورة بلا عنف» أن يحرر بلاده الهند التي تحتفل هذه السنة بالذكرى الستين لاستقلالها عام 1948، أي نفس السنة التي شهدت «انفصال» الباكستان عنها. فكيف استطاع هذا الرجل المسالم أن يقود شعبه إلى استقلاله؟ وكيف استطاع الانتصار على الإمبراطورية البريطانية العملاقة دون سلاح؟ من هو؟ وما هي أسرار حياته؟ هذه الأسئلة كلها تجد بعض الإجابات في هذا الكتاب.
المهاتما غاندي من مواليد عام 1869 في بلدة «بورباندار» وهي مرفأ صغير يقع في شمال مدينة بومباي، كان والده «كارشماند» من أعيان تلك البلدة ومن أسرة نافذة على صعيد التجارة. كانت أسرته متدينة «هندوكية» حازمة في تطبيق التعاليم الصارمة مثل عدم التدخين وعدم تعاطي الكحول وعدم أكل اللحوم بل عدم لمسها.تزوج الفتى «موهانداس»، حسبما تقتضي العادات العائلية، وهو في سن الثانية عشرة من فتاة تماثله من حيث المستوى الاجتماعي والسن.
وذهب للدراسة في لندن وهو في سن التاسعة عشرة حيث كان من بعض الهنود القلائل الذين حظوا بمثل ذلك الامتياز هكذا عرف الحياة والعادات وأشكال السلوك والقوانين الانجليزية عن قرب. وفي لندن اطلع الشاب على الثقافة الغربية وعلى التعاليم المسيحية، وحيث يؤكد حفيده أنه بحث في تلك الفترة عن «سبيله الروحاني» وكان قد طرح على نفسه التحول إلى المسيحية.
كما أنه كان قد أبدى إعجابا شديدا بما قام به رجال الكنيسة في جنوب إفريقيا عندما كانت محكومة بنظام التمييز العنصري وحيث كانت جهودهم تصب في خدمة البؤساء والسود من أبناء البلاد الأصليين. لكن رغم ذلك كله لم يتحوّل أبدا إلى المسيحية. إنما لم يمنع ذلك خصومه من الهندوكيين بوصفه ب«المسيحي ـ الهندوكي».
ويكرس مؤلف هذا الكتاب العديد من صفحاته للتجربة التي عاشها غاندي في جنوب إفريقيا ويعتبرها مرحلة تأسيسية جوهرية في مسيرته اللاحقة كمناضل مسالم من أجل استقلال بلاده من الاستعمار البريطاني. وكانت تلك التجربة قد استمرت أكثر من 20 سنة. وفي جنوب إفريقيا العنصرية عايش حقيقة الظلم الواقع على الأفارقة وعلى غيرهم من قبل البيض الذين كانوا يعتبرون أنفسهم عرقا «أعلى» من الآخرين.
ويروي المؤلف تلك الحادثة التي تعرّض لها غاندي عندما وصل إلى جنوب إفريقيا ليعمل كمحام شاب مع مجموعة الزملاء. وتتمثل في أن غاندي قد ركب إحدى القطارات بالدرجة الأولى بعد أن كان قد اشترى بطاقة السفر المطلوبة ودفع ثمنها .
لم يكن يعرف ، بل ولم يكن يتصور، إنه ممنوع على أمثاله ك«هندي» الركوب بتلك الدرجة حسب «القوانين العنصرية النافذة». هكذا تعرّض للطرد وليس بدون قسوة وفظاظة على أساس أنه «تعدّى» على ما لا يحق له. كانت تلك الحادثة هي واحدة بين سلسلة من الأحداث الأخرى التي دفعته لتعبئة طاقاته للدفاع عن أبناء بلده من الهنود الذين كانت تتواجد أعداد كبيرة منهم في جنوب إفريقيا.
جرت حادثة القطار عام 1893، وفي عام 1906 شهدت جنوب إفريقيا حالة تمرد حقيقية كان وقودها الأساسي هم من قبيلة «الزولو» من السود وكان المستهدف فيها هم المستوطنين من البيض. ولم يتردد غاندي في اتخاذ مواقف تضامنية مع هؤلاء المتمردين مع التأكيد على ولائه بنفس الوقت حيال «الإمبراطورية» حتى آنذاك. وركّز نضاله على المطالبة بحقوق الهنود. ولم يكن قد قرر بعد أن يجعل هدف نضاله الأساسي هو استقلال الهند.
ويضع هذا الكتاب العديد من الصفحات عن الحياة «الخاصة» للمهاتما غاندي الذي كان قد أعلن في فترة من حياته بعد الزواج وإنجاب 4 أطفال من زوجته «كاستور» أن يبتعد تماما عن معاشرة النساء وتمسّكه ب«الطهارة» الكاملة. ولكن حفيده يشير في هذا السياق إلى علاقة قوية كان قد عاشها لفترة قصيرة مع إحدى قريبات شاعر الهند الكبير «طاغور» وكان اسمها «سارالاديفي». ولكن غاندي تحدث بخصوصها عما أسماه ب«الزواج الروحاني».
كذلك يتحدث المؤلف عن علاقة غاندي بأبنائه ويؤكد أنه كان يكن لهم حبا كبيرا، لكنه كان صارما جدا في تربية لهم، ورفض تربيتهم وتعليمهم على الطريقة الانجليزية بل ورفض أن يتحدث معهم باللغة الانجليزية، لغة المستعمر. ولكن مع صرامته الكبيرة في تربيتهم، لم يكن يمتلك الكثير من الوقت لتخصيصه لهم بسبب انشغاله التام بالقضايا العامة. وكان المهاتما قد اختار حياة الفقر والزهد وفرض ذلك على أسرته كلها.
حدث ذلك عندما كان عمر ابنه الأكبر «هاريلال» ثمانية عشر عاما وكان يطمح بالذهاب للدراسة في لندن، كما كان قد فعل، لكن الوالد رفض ذلك بشكل قطعي. ولا يتردد المؤلف- الحفيد أن يؤكد ضمن هذا السياق أن المهاتما غاندي لم يكن يولي الكثير من الاهتمام لأسرته، خاصة بعد عودته إلى الهند من جنوب إفريقيا عام 1915 وحيث كان تحرير الهند قد أصبح قضيته الكبرى والوحيدة، وعن طريق «عدم اللجوء إلى العنف».
وفي الشروح المقدّمة عن خلفية تبني «النضال غير العنيف» تتم الإشارة إلى تأثر «المهاتما» كثيرا بالكاتب الأميركي «دافيد ثورو» مخترع مفهوم «العصيان المدني». وعلى غراره رفع غاندي شعار حق، بل وواجب، المواطنين مواجهة القوانين غير الأخلاقية ب«العصيان».
وكان يرى أن ما يتم أخذه بالعنف لا تمكن المحافظة عليه سوى بالعنف أيضا وينقل عنه قوله: «الغاية هي في الوسائل مثلما أن الشجرة في النبتة الصغيرة». وكان «عدم العنف» هو برأيه السلاح الوحيد الفعّال الذي يمتلكه الهنود، ضمن الواقع الذي كانوا يعيشون فيه، ضد الإمبراطورية البريطانية القوية والمدججة بالسلاح.
بالمقابل كان ل«معسكر اللاعنف» مقطوعين حقيقيين، كان غاندي يجمعهم ويعبئهم بل و«يدرّبهم» للقيام ب«عمليات غير عنيفة». وكانت فترة التدريب «تقتضي قبولهم الكامل بنمط حياة «الزهد والطهارة» الذي اختاره المهاتما لنفسه.
كانوا يعيشون في جماعة ويرتدون اللباس «الموحّد» الذي اختاره زعيمهم الروحي و«السياسي» والمكون من قطعة قماش قطني بيضاء يلفّون أجسادهم بها.ومن أهم «الأسلحة» التي استخدمها غاندي في معركته، كما يلحّ حفيده، قدرته على التواصل الإعلامي، بل وإنه ربما كان أول قائد سياسي في التاريخ يدرك أهمية الإعلام في خدمة القضايا التي يتم النضال من أجل نصرتها.
ولقد استخدم «الكلمة» في الصحف التي أسسها. وأقام شبكة واسعة من «الأصدقاء» العاملين في حقل الإعلام بالعالم حيث كان يردد دائما «أريد أن أكسب تعاطف العالم». بل وتتم الإشارة في هذا الإطار أن اللباس الأبيض القطني البسيط الذي اختاره غاندي ثوبا وحيداً له عام 1921 بعد أن تخلّى نهائيا عن «الزي الأوروبي» إنما كان نوعاً من «أداة للتواصل مع مئات الملايين من الفقراء الهنود الذين أراد المهاتما إن يقول لهم أنه واحد منهم.
وبالطبع تحتل المسيرة النضالية لغاندي عدداً كبيراً من صفحات الكتاب. وتنقسم تلك المسيرة إلى مرحلتين أساسيتين في «المواجهة غير العنيفة» مع الانجليز. وقد بدأت المرحلة الأولى بعد توقيع اتفاقية «سيفر» في فرنسا في شهر مايو 1920 بين المنتصرين من الحلفاء في الحرب العالمية الأولى والتي اقتسموا فيها مناطق النفوذ في العالم. وقد عُهد بناء عليها للانكليز بالسيطرة على الأماكن المقدّسة الإسلامية في فلسطين مما أثار حفيظة المسلمين الهنود.
رأى غاندي، بعقله الإستراتيجي النافذ، بذلك فرصة لتوحيد البلاد في صوت واحد ضد الإمبراطورية البريطانية. وقال غاندي يومها: «إن مثل هذه الفرصة لن تتكرر قبل مائة عام». لكن ذلك التحالف «التاريخي» بين المسلمين والهندوس لم يستمر طويلا وأوقف غاندي حركة «العصيان المدني» و«عدم التعاون» مع السلطة الاستعمارية عام 1922.
استؤنفت المقاومة «السلمية» بعد ثماني سنوات عبر تنظيم «مسيرة الملح» ابتداء من صباح 12 مارس 1930 التي انطلقت من مقر إقامة المهاتما المتواضع مع 80 من أنصاره المقربين باتجاه البحر للاحتجاج على منع الهنود من جمع الملح حسب تعليمات البريطانيين. ازداد عدد المشاركين في المسيرة عند مرورها في كل مدينة وقرية لمسافة تقارب 400 كيلومتر ليصل عدد المشاركين فيها إلى آلاف مؤلفة. وعندما وصلت إلى الشاطئ حمل غاندي بيده حفنة من الملح ورفعها لتدور صورة المشهد على جميع بلدان العالم مع دلالة واضحة هي أن «الهند تأخذ مصيرها بيدها».
تفاوض غاندي مع السلطات البريطانية، ومع معاون الملك شخصيا، ضد إرادة تشرشل، الذي كان يكن كرها شديدا للمهاتما. وتم التوصل إلى اتفاق مفاده السماح للهنود بجمع الملح وإطلاق سراح السجناء الذين كانت السلطات البريطانية قد اعتقلتهم بسبب مشاركتهم في المسيرة. كان «انتصارا» بالنسبة لغاندي و«إهانة» بالنسبة للإمبراطورية على حد قول تشرشل نفسه.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعامين، وتحديدا بتاريخ 15 أغسطس 1947 تمّ الإعلان عن استقلال الهند. لكن غاندي كان حزينا بسبب قيام باكستان وحاول أن يفعل المستحيل لمنع ذلك بما في ذلك عرض منصب رئيس الوزراء في الهند الموحّدة على زعيم مسلم. وبعد الاستقلال قامت، كالعادة، الصراعات على السلطة بين النخب السياسية ا0لجديدة. وأصبح غاندي، كما يقول حفيده، عنصر «إزعاج» للكثيرين بآرائه وتوجهاته غير السلطوية بعد أن كان المحرك الأساسي للاستقلال.
وفي عام 1928 اغتيل «أب الهند» الحديثة على يد أحد المتطرفين الهندوس. هل كان وراء الأمر مؤامرة؟ إشارة استفهام كبيرة يتركها مؤلف الكتاب بلا إجابة.
* الكتاب: غاندي.. الإنسان والشعب والإمبراطورية
* الناشر :ماوس بوبليشنج - لندن 2007
*الصفحات:390 صفحة من القطع المتوسط
Gandhi, the man, the people and the empire
Rajmohan Gandhi
Maus Publishing- London 2007
p. 390

