مؤلف هذا الكتاب هو الباحث جيمس واينبراندت المختص في الشؤون الباكستانية. وهو يقدم هنا صورة متكاملة عن أوضاع هذا البلد الإسلامي الكبير وتاريخه. ومعروف أن الباكستان تشغل الآن وسائل الإعلام العربية والدولية. والواقع أن الصراع مندلع فيها بين تيار الرئيس برويز مشرف والتيار الأصولي القومي للجماعات الإسلامية الذي يكتسح الشارع. ولكي نفهم خلفية كل ذلك ينبغي أن نعود إلى الماضي، أو إلى التاريخ. فالحاضر لا يضاء إلا عن طريق الماضي والعكس صحيح أيضاً.
ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: إن الباكستان تحمل رسمياً الاسم التالي: جمهورية باكستان الإسلامية، وهي محاطة من قبل إيران، وأفغانستان، والصين، والهند، وبحر عمان. وقد تأسست الباكستان عام 1947 عندما انشقت عن الهند بتشجيع من الانجليز، ولذلك فإنها تتعاطى علاقات متوترة مع الوطن السابق، بل ووصلت الأمور إلى حد اندلاع الحرب بين البلدين أكثر من مرة. فالصراع على كشمير لا يزال مستمراً حتى هذه اللحظة. والباكستان هي البلد الإسلامي الوحيد الذي يمتلك القنبلة الذرية، ولذلك يدعونها بالقنبلة الإسلامية.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وتتألف الباكستان الحالية من أربعة أقاليم أساسية هي: البنجاب، السند، بلوشستان، والإقليم الواقع شمال غرب البلاد والمحاذي للحدود الأفغانية. والواقع أنه على الرغم من كل العداء الكائن بينهما فإن الباكستان مرتبطة جداً بالهند. فالموسيقى، والسينما، والطعام، والأدب، كلها أشياء مشتركة تقريباً بين البلدين الكبيرين. والباكستان والهند هما وريثتا نفس التاريخ المشترك ونفس الحضارة. ولم يفترقا عن بعضهما البعض إلا عام 1947 بعد رحيل الانجليز كما قلنا.
ويمكن القول إن الشاعر محمد إقبال هو مؤسس الأدب الباكستاني بلغة الأوردو التي هي لغة البلاد الأساسية. وكان فيلسوفاً كبيراً أيضاً. وفي الباكستان تراث صوفي إسلامي كبير. ولكن يلاحظ المراقبون مؤخراً عودة كبيرة للتيار المحافظ والمتشدد.
والواقع أن مشكلة الباكستان هي ذاتها مشكلة كل البلدان العربية والإسلامية. فالبلاد مقسومة إلى قسمين من الناحية الثقافية والعقائدية: قسم تحديثي متجه نحو الغرب، وقسم تقليدي أصولي يرفض الغرب وحضارته جملة وتفصيلاً. وبالتالي فالمشكلة المندلعة حالياً بين الرئيس مشرف والجماعات المتطرفة هي نفسها التي تعاني منها الجزائر أو المغرب أو مصر أو إيران أو تركيا، الخ.
ولكن مع بعض الخصوصيات والفروق نظراً لطبيعة كل بلد. فهناك دائماً عوامل محلية تلعب دورها. ثم يوضح المؤلف فكرته قائلاً: ينبغي العلم بأن الباكستان محشورة في الزاوية منذ ضربة 11 سبتمبر. فإذا لم تتعاون مع أميركا والغرب لمحاربة الحركات المتطرفة فإنها تتعرض لعقوبات اقتصادية وسياسية قاسية. وإذا تعاونت فإنها تتعرض لغضب الشارع الأصولي الهادر. وبالتالي فوضع الرئيس الباكستاني ينطبق عليه قول الشاعر: فقلت هما أمران أحلاهما مرّ.
مهما يكن من أمر فإن الباكستان بلد إسلامي بنسبة 97 بالمئة، ولكنه مقسوم مذهبياً إلى قسمين: سني وشيعي. السنة يشكلون ثمانين في المئة والشيعة عشرين في المئة. ويتمركز الشيعة الباكستانيون أساساً في شمال غرب البلاد بالقرب من الحدود الأفغانية. وقد حصلت صدامات عنيفة بين الطرفين على مدار السنوات الماضية ولا تزال تحصل حتى الآن للأسف الشديد. ويمكن القول انه بين عامي 1990 ـ 2007 فإن هذه الصدامات أدت إلى سقوط ما لا يقل عن أربعة آلاف ضحية.
نقول ذلك على الرغم من أن السنة والشيعة ينتمون إلى نفس الدين أو نفس الأصل، ونفس النبي، ونفس الكتاب. ولكن الخلافات المذهبية تظل هي الأقوى حتى الآن. يحصل ذلك كما لو أن فروع الدين أهم من أصوله. في الواقع أن الجهل والتخلف هو سبب هذا الوضع. فالجهل يؤدي إلى التعصب بطبيعة الحال. وكذلك التخلف والأميّة والفقر المدقع. وكلها أشياء منتشرة بكثرة في المجتمع الباكستاني وسواه من المجتمعات الإسلامية للأسف الشديد.
ثم يقدم المؤلف معلومات إحصائية ومعطيات موضوعية عن الباكستان ويقول ان عدد سكانها يصل إلى مئة وثلاثة وستين مليون نسمة. وأما لغاتها الرسمية فهي الأوردو والانجليزية. ولكن هناك لغات ولهجات أخرى عديدة في البلاد. وأما العاصمة فهي إسلام أباد، ولكن هناك مدن كبيرة أخرى ذات أهمية كبيرة كروال بندي، وكراتشي، وسواهما. وتبلغ مساحة الباكستان أكثر من ثمانمئة ألف كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة بلد كفرنسا بمرة ونصف.
والباكستان ليست منقسمة مذهبياً فقط بين الشيعة والسنة وإنما عرقياً أيضاً. ومن أهم أعراقها العرق البنغالي، والعرق السندي، والباشتوني، والأوردو، الخ. ومنذ عام 1947 تعاقبت الأنظمة الدكتاتورية العسكرية والأنظمة الديمقراطية على حكم الباكستان. ويمكن القول بأن فئة الأوردو وفئة السند هما اللتان تحكمان البلاد إما معاً وإما بالتناوب وراء بعضهما البعض. وكانت الفترات الديمقراطية قصيرة وعابرة في حياة الباكستان السياسية. فمعظم الحكومات كانت عسكرية في الواقع. ثم يقول المؤلف بما معناه:
في الباكستان نلاحظ أن الجيش يسيطر على الصناعة والتجارة والزراعة والإدارة العامة البيروقراطية للدولة. باختصار فإنه يسيطر على كل شيء تقريباً. إنه يستعمر المجتمع من الداخل بشكل كامل.وفي عام 1999 حصل الانقلاب العسكري الذي رفع بالجنرال مشرف إلى سدة السلطة العليا. ومعلوم أن رئيس الوزراء السابق نواز شريف حاول إبعاده أو فصله من الجيش سابقاً. وقد وعد مشرف بالعودة إلى النظام الديمقراطي والتخلي عن قيادة الجيش بعد أن أصبح رئيساً منتخباً من قبل الشعب. ولكنه لم ينفذ وعده.
ولا يزال الجنرال برويز مشرف يقود البلاد حتى الآن بيد من حديد. ولكن أكبر خطر عليه يجيء من جهة الشارع وحركة الجماعات الإسلامية التي تكره أميركا وكل من يتعاون معها. بل وتدعو إلى إعلان الجهاد على الغرب الكافر في نظرها. وبالتالي فتفكيرها أقرب ما يكون إلى عقلية القاعدة وأسامة بن لادن.
ولهذا السبب يتوقع الخبراء مستقبلاً صعباً للباكستان. فهناك قوى تشد إلى الوراء، وقوى تشد إلى الأمام. ولكن الأولى أكثر عدداً بكثير على ما يبدو. من هنا صعوبة المواجهة الحاصلة حالياً بين الرئيس مشرف والأصوليين المتشددين. إنها غير مضمونة العواقب. وقد تعرض الرئيس الباكستاني لعدة محاولات اغتيال. ولكنه نجا منها بأعجوبة حتى الآن. أما من حيث اللغة فنلاحظ أنه يوجد في الباكستان حوالي الثمانين لغة. ومعظمها لغات ذات أصل هندي أوروبي تماماً كاللغة البهلوية أو الفارسية السائدة في إيران.
فاللغة البنغالية سائدة في جهة الغرب ويتكلمها حوالي 37 بالمئة من عدد السكان. وذلك لأن العنصر البنغالي هو الأكثر في البلاد ويبلغ عدد أفراده أكثر من اثنين وثمانين مليون نسمة. يليه العنصر السندي واللغة السندية 34 مليون نسمة. وعلى الرغم من أن الأوردو هي لغة سبعة بالمئة فقط من السكان إلا أنها أصبحت اللغة الرسمية للبلاد نظراً لقوتها الثقافية والتاريخية وعلاقتها بالفارسية.
ولكن كل النخبة السياسية والثقافية الباكستانية تتقن اللغة الانجليزية بالإضافة إلى الأوردو. وحدها لغة إقليم السند انتشرت واتخذت أهمية كبرى على المستوى القومي. ويعود الفضل في ذلك إلى ذو الفقار علي بوتو الذي هو من أصل سندي. ومعلوم أنه كان يتمتع بشعبية كبيرة في كل أنحاء البلاد قبل أن يغتاله ذلك المتعصب، ضياء الحق.
والواقع أن أهمية الأوردو لا تعود إلى الباكستان حيث لا يتجاوز حضورها فيها نسبة 7 بالمئة، كما ذكرنا، وإنما إلى حضورها الكبير في كل أنحاء شبه الجزيرة الهندية. ولهذا السبب أصبحت اللغة الرسمية للباكستان. ويرى المؤلف في النهاية أن الباكستان مهددة بالتفكك والتقسيم بسبب وجود كل هذه الأعراق واللغات المختلفة فيها. فكل إقليم يتمتع بوحدة سكانية وعرقية ولغوية واضحة. وهي تميزه عن بقية الأقاليم.
هذا ما نلاحظه في إقليم البنغال، وإقليم السند، وبقية الأقاليم. وبالتالي فما الذي يمنع قادة هذه الأقاليم المتمايزة من أن يعلنوا قيام دول منفصلة على أساس عرقي ولغوي واضح؟ هذا هو الخطر الذي يخيم بشبحه على الباكستان. ولهذا السبب فإن هاجس الوحدة الوطنية كان الشغل الشاغل لجميع القادة الذين تعاقبوا على حكم الباكستان منذ الاستقلال عام 1947 وحتى يومنا هذا. والرئيس برويز مشرف يعرف ذلك جيداً، ولذلك يبذل جهوداً مضنية للحفاظ على وحدة الباكستان.
*الكتاب:تاريخ مختصر للباكستان
*الناشر: فاكتس أون فايل ـ لندن، نيويورك 2007
*الصفحات:320 صفحة من القطع الكبير
A brief history of Pakistan
James Wynbrandt
Facts On File- London- NewYork 2007
p.320
