مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور «إيريك نيفو»، مدير معهد الدراسات السياسية في جامعة رين، والذي يعمل في المركز القومي للأبحاث العلمية حول الإعلام وحول الأبعاد السياسية للثقافة، ومن بين مؤلفاته: «علم اجتماع الصحافيين»، «نوربير الياس ونظرية الحضارات»، «علم اجتماع الحركات الاجتماعية»، «مقدمة لدراسة الثقافات الجماهيرية»، «الصحافة السياسية، تحديات وممارسات جديدة»، الخ.

نعيش في عالم من المتغيرات المستمرة التي تدعو إلى التساؤل حول الوجهة التي ستصب فيها أخيرا. البعض يتحدث بذلك عن «المجتمع الاتصالي» أو ما يدعوه البعض الآخر ب«المجتمع الإعلامي»، وأحيانا أخرى «مجتمع المعرفة». هذا المجتمع الجديد يتقدم على أنه حامل للشفافية والديمقراطية ونهاية النزاعات بين البشر. وهو لا يتعلق بالغرب وحده بقدر ما أنه يحتضن العالم بأسره.ما هو هذا المجتمع الاتصالي؟ وهل يحقق وعوده؟ ذلك هو موضوع الكتاب.

وككل مجتمع، فإن المجتمع الاتصالي له تاريخ يتعرض له الكاتب. فإذا كانت أثينا الإغريقية مجتمع الاتصال الشفوي (وجها لوجه) والديمقراطية المباشرة، أي بغياب الوسائل الإعلامية الحديثة، فإن التفكير الليبرالي منذ نهاية القرن الثامن عشر بدأ يهتم بمسألة الاتصال والبدء بصياغة نظرية للرهانات السياسية حول التعبير الحر في مجال عمومي لكافة المواطنين، باعتبار أن «إيصال الأفكار والآراء هو واحد من الحقوق الأكثر أهمية بالنسبة للإنسان».

والحقيقة أنه انطلاقا من فلسفة عصر الأنوار وصولا بذلك إلى النصوص الأميركية والفرنسية، حول حقوق الإنسان، فإن حرية التعبير والرأي قد اكتسبت مكاناً مركزياً في الحياة العامة. هكذا نجد الأميركي «توماس جيفرسون» يؤكد: «إذا ما تركت لي حرية الاختيار بين وجود حكومة دونما صحف، وبين صحف دون حكومة، فإنني لا أتردد في اختيار صحف بلا حكومة». إن التفكير حول المجتمع الاتصالي (أي صياغة خطاب ونظرية حوله) ظلّ متناثرا في نصوص متفرقة وداخل المحافل الفكرية العلمية، ولم يبدأ بصياغة واضحة ومحددة له إلا في الثلاثينات مع أعمال مدرسة فرانكفورت الألمانية.

وجاءت أعمال «نوربر وايرنر»، الفيلسوف والرياضي الأميركي لتضع مقولة الاتصال محوراً لاهتماماته حيث يرى بالإمكان «تأويل الواقع بمفردات اتصال وإعلام»، وأن المهارة الذهنية لأي فرد كان تتعرف بقدرته على معالجة وتبادل المعلومات المعقدة مع وسطه». بهذا فإن أمراض العالم الاجتماعي تعود إلى عوارض عدم شفافية المعلومات المنتشرة أو حجزها أو عدم معالجتها والتعامل معها عقلانياً أو تشوهها بفعل الإيديولوجيات المنتشرة.

ومدرسة فرانكفورت الثانية التي مثلها «يورنج هابرماس» في الستينات إنما كانت خطوة على طريق التفكير على المجتمع الاتصالي. وبنقده للثقافة الجماهيرية الإعلامية لا يريد القطيعة مع الحداثة التي دشنها عصر الأنوار. إنه يستهدف توظيف قدرات الديمقراطية البورجوازية، والعقلانية الاتصالية لحق الإنسان وإنهاء استلاباته والسيطرة عليه.

ذلك أن «كل إنسان قادر على التواصل الكلامي يجب الاعتراف به كذات إنسانية» فاعلة، أي خليقة بالنقاش واعتماد الحجة والإقناع وبالتالي التوافق والدخول في فعل مشترك مع الآخرين. وهذا يعني ضرورة وجود مجال عمومي مفتوح للنقاش والآراء يستطيع فيه المواطنون ممارسة حقوقهم والتداول في الشأن العام.

لقد ترافق الخطاب الاتصالي مع نهاية الإيديولوجيا، ونهاية الطبقات ونهاية السياسة. وإذا كنا نلاحظ اليوم بساطة هذه الآراء، فلا بد من القول إنها ترابطت مع تطورات المجتمعات الغربية حيث بدأ يتقلص دور الإيديولوجيا فيها، وحيث إن البورجوازية الوسطى قد اتسعت. بينما تبرجزت الطبقة العمالية، وحيث تصاعدت التكنوقراطية طارحة نفسها حاملة لعقلانية حل المشكلات الاجتماعية.

هذه التطورات تلازمت مع انتشار أوسع فأوسع للوسائل الإعلامية الجماهيرية (سينما، إذاعة، صحافة، تلفزيون...) ومع «تشكل المجتمع الاتصالي) لا فيما يتعلق بالغرب وحده وإنما أيضا بالعالم كله. والمهم في هذا أن المجتمع الاتصالي يطرح عدة وعود يتوقف عندها الكاتب، الوعود التي تحوّله عبر المبالغة به إلى أسطورة لها ما يبررها على أرض الواقع. ومن بين هذه الوعود:

ـ «الوفرة الاتصالية» التي هي أشبه بـ «مغارة علي بابا» على المستوى الثقافي الإعلامي، إذ أن كل فرد يجد فيها ما يحتاجه من نفائس ومعارف ثقافية في جميع المجالات والتي تختزنها الشبكات الاتصالية التي توفر له القدرة على الاطلاع عليها وتبادلها مع غيره والحصول عليها بأسعار محدودة.

ـ «ديمقراطية المشاركة»، أي الديمقراطية شبه المباشرة التي تنهي احتكار النخب للسياسة والتقرير في الشؤون العامة. إنها «الديمقراطية المستمرة» التي تمكن المواطنين من التواصل مباشرة مع مختلف البرامج التلفزيونية والإذاعية ولدى الصحافة من جهة، ومن جهة أخرى التدخل في الحياة السياسية بين دورتين اقتراعيتين (رئاسة الدولة والبرلمان).

ـ «استقلالية الأفراد والفاعلين الاجتماعيين». فالمجتمع الاتصالي يعلن مزيداً من الحرية للأفراد والقدرة على السيطرة على أقدارهم والتحكم بمحيطهم. وهو يعطي إمكانيات أوسع للفاعلين الاجتماعيين في عملهم ومبادراتهم وإشراك أكبر لمختلف العاملين في المنشأة الإنتاجية والتأهيل الدائم لهم في عالم يتغير باستمرار.

ـ «عولمة الأخبار»، إذ لم يعد بالإمكان احتكار السلطات للأنباء، بما أن تعددية المصادر الإعلامية تمكن من الشفافية والوصول إلى الحقيقة ضد أشكال السرية والتمويه والاختلاق، ونشوء رأي عام محلي وعالمي، وتقليص الحدود السياسية والثقافية والاقتصادية بين الدول والشعوب.

والخلاصة أن المجتمع الاتصالي القائم على نوع من «الحتمية التكنولوجية والاتصالية الحديثة» كمحرك للتغيرات الاجتماعية وباستبعاد مسائل السيطرة والتفاوتات والاستلاب فيه، وباستحضار حياة اجتماعية يسودها التسامح والتعاون والتفاهم وتعممها الديمقراطية والمساواة. وتخلو من النزاعات العنيفة ومن الأوهام الإيديولوجية وتلتحم داخل المعمورة؛ إنما يعكس رؤية يطرحها المجتمع الغربي حول نفسه وفي علاقته مع الآخرين بعد حربين عالميتين بربريتين، وكنموذج اجتماعي وثفافي وسياسي يرغب في تعميمه.

ولكن هل الأمر كذلك فعلا؟ كلا، فأسطورة المجتمع الاتصالي تغطي على جانبها المعتم الآخر. فالوفرة الاتصالية ليست في متناول الجميع بقدر ما أنها حكر وامتياز لبعض المجموعات دون غيرها هذا ما نجده مثلاً في توزع التجهيزات الاتصالية نفسها. ففي عام 1999 تبين أن 44 بالمئة من الشبان يملكون حاسوباً فردياً وأن 68 بالمئة منهم من أبناء الإطارات العليا.

أما الديمقراطية الجديدة المستمرة فإنها وإن كانت قد توسّعت فإنها لم تلغ تحول السياسة إلى «مشهد إعلامي» تستخدم فيه كافة التقنيات الاتصالية ومستشاريها للتأثير على الرأي العام أثناء الاقتراعات العامة وفي الفترات التي تفصل بينها، في حين أن سادة هذه التقنيات تعمل على خلق مستهلكين طبقا لمصالحها الاقتصادية والتجارية.

واستقلالية الأفراد والفاعلين الاجتماعيين مهددة بفعل الوسائل الاتصالية الجديدة بما دعا إلى تشكيل «لجنة قومية للمعلومات والحريات» في فرنسا للدفاع عن حقوقهم وحرياتهم في واقع من تخزين المعلومات عنهم وفي حين أن نظام «ايشلون» الأميركي يستطيع التقاط المكالمات والبريد الالكتروني على صعيد العالم أي فرض نظام من التجسس السياسي والاقتصادي».

والشفافية التي يقول بها الخطاب الاتصالي تصبح كسيحة عندما تؤكد الأحداث إمكانية اختلاق الوقائع وخداع الرأي العام كما حدث مثلا بالنسبة لاصطناع ما سمي بمجزرة «تيميو سوارا» في رومانيا أو بالنسبة لاحتلال العراق بحيث أن المجتمع الاتصالي يشكل حاضناً للاحتيال والعدوان.

كذلك فإن مسألة العولمة يجب قراءتها بشكل آخر. فقمة تونس التي انعقدت عام 2005 حول «المجتمع الإعلامي» بينت سيطرة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالانترنت ووجود فوارق هائلة في هذا الميدان: 55 بالمئة من الأميركيين يحظون بالانترنت مقابل 32 بالمئة من سكان الاتحاد الأوروبي، و8 بالمئة من قاطني أميركا الجنوبية و6 بالمئة من شعوب آسيا.

أضف إلى ذلك أن 75 بالمئة من المؤسسات المسيطرة على بنوك المعلومات موجودة في أميركا مقابل 12 بالمئة في أوروبا. في هذه الوضعية تعني الوفرة الاتصالية انتقال البرامج والأفلام الأميركية إلى العالم كله بما يهدد الثقافات الأخرى.

*الكتاب: المجتمع الاتصالي؟

*الناشر:مونكريستيان ـ باريس 2006

*الصفحات :160 صفحة من القطع المتوسط

Une société de communication ?

Erik Neveu

Montchrestien - Paris 2006

p.160