مؤلف هذا الكتاب هو خريج المدرسة الوطنية الفرنسية العليا للإدارة، التي تخرّج منها عدد كبير من قادة ومسؤولي فرنسا. أنجز دراسات عليا في التاريخ وتاريخ الفن واللغة الصينية. يعرف الصين جيداً وكان قد سافر إليها وأقام فيها لفترات طويلة منذ عام 1972، كان عمره آنذاك 22 عاماً. عمل لفترة من الزمن مسؤولاً عن المتاحف الوطنية الفرنسية في اللوفر وغيميه.

له العديد من المؤلفات منها: «حرب الصور»، و«رحلة إلى قلب السلطة: الحياة اليومية في مقر رئاسة الحكومة أثناء فترة التعايش»، و«كانت توجد الصين»، و«حرب الأفيون». «الصينيون» شعب يحب الضحك، هذا ما يؤكده مؤلف كتاب «عندما يتوقف الصينيون عن الضحك سوف يبكي العالم». وهذه هي الملاحظة الأولى، كما يقول، التي تستدعي انتباه من يزور إمبراطورية الوسط للمرّة الأولى. ويرى أن هذا «الضحك الأبدي» هو طريقة يمارسها الصينيون منذ آلاف السنوات، من أجل البحث عن السعادة. بل ولا يتردد في القول ان هذه الطريقة هي التي ضمنت «لحمة» هذه الإمبراطورية الشاسعة.

لكن الصين تعيش الآن مرحلة تبدل خطيرة، ذلك أن هما جديدا يستأثر بالصينيين إنه «الاستهلاك»، والبحث عن الثراء وعن الرفاهية المادية هما طريق الاستئثار بعقلية الصينيين، في ظل حالة النمو الاقتصادي الكبير الذي تعيشه بلادهم منذ ما يقارب عقدين من الزمن. هذا الاهتمام الجديد «الاستهلاك» هو بطريقه إلى أن يحل محل «البحث المستمر عن الهوية لدى شعب بأكمله».

باختصار يرى المؤلف أن الصين قد فقدت إلى حد كبير من «روحها» الخاصة بها والتي كانت قد حافظت عليها على مدى آلاف السنوات، وحيث كانت جميع التبدلات وتغيرات السلطة فيها وتعاقب سلالاتها وحروبها ونزاعاتها الداخلية لم تمس صميم تلك الروح. لكن المسألة مختلفة اليوم.

فالصين قد أصبحت بلدا رأسماليا «بامتياز». هذا الواقع الجديد لا يلغيه كون أن الدولة قد ظلّت «ماركسية» وأنها حافظت على «الإرث الشيوعي». هذه الدولة تتفرّج «مكتوفة الذراعين» على تنامي طبقة وسطى هائلة لم يعد لديها أي شيء تقريبا من قيم الأجداد.ويحاول المؤلف في هذا الكتاب، عبر إبراز العديد من المؤشرات، أن يبيّن مدى فداحة النتائج المترتبة على التبدلات التي تشهدها الصين. هذا مع التأكيد على أنه سيكون لهذه النتائج آثارها الكبرى أيضا على مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية، بل وحتى العسكرية بالنسبة لبقية العالم.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يحمل الأول عنوانا عريضا هو: «لماذا يضحك الصينيون طيلة الوقت»؟ «إن الصينيين يضحكون كي لا يبكوا»، هذا هو العنوان الذي أعطاه المؤلف للفصل الأول من الكتاب وشرح فيه كيف أن الضحك هو أمر جوهري في سلوك الصينيين، بل إنه يشكل في الواقع «عملية الاستشفاء» الرئيسية التي يلجأ إليها الصينيون من أجل أن يستطيعوا تحمّل عددهم الكبير. وأيضا هو «علاج» في مواجهة الخوف القديم والراسخ حيال نقص كل شيء.

وكل ما يرجوه الصينيون، على قاعدة أخلاقيات الأجداد هو العيش بسلام على الرغم من الوزن الثقيل الذي يلقيه على عاتق الصين عدد سكانها الكبير.لكن رغم كل شيء، تكمن الاستراتيجيات الفردية، لمواجهة منظومة قائمة على مفهوم المركزية وعلى الحس التعاوني الجماعي، في البحث رغم كل شيء عن السعادة. بل ويؤكد المؤلف أن كل صيني يمتلك في أعماقه بذرة السعادة. وقد كان الصينيون قد تعلموا منذ أجيال أن الفرد لا يمكنه أن يجد السعادة إلا في داخله، وليس أبدا في أي «حدث خارجي».

هكذا يوجد «جدار فاصل كتيم» بين الدائرة الفردية والدائرة الجماعية. وبالتالي تعلّم الصينيون عبر مسيرتهم التاريخية الطويلة أن يتأقلموا مع «حالة التبدل المستمرة» التي يعيشونها. وإنما مع المحافظة على ذاتهم بفضل فلسفة «الطاوية» التي تشكل مدرسة لبلوغ عالم مرن. ثم هناك «الكونفوشيوسية»، التي تدعو مع الطاوية إلى الحس السليم ـ مع التأكيد أنه لا يمكن لأحد غير الإنسان الكامل أو «الحكيم الحقيقي» أن يبلغ «السعادة المطلقة». لكن يمكن لأي إنسان أن يزعم إمكانية بلوغها على طريقته. ومصدر التعاسة هو «أحادية نمط التفكير».

وينظر الصيني إلى الطبيعة على أنها في الوقت نفسه ملجأ وعودة إلى الأصول. لكنه مطلوب من الفرد الحذر دائما حيال الأحكام التي يصدرها على أي موضوع كان، ذلك أن حكمه هو بالتعريف جزئيا ومنقوصا ولا يمكنه أن يحيط بالموضوع كاملا. لكن الأمر يختلف عندما يتم النظر إلى الأشياء على ضوء نور السماء. فهذه الرؤية تشكّل مفتاح السعادة المطلقة.

ويؤكد الصينيون على أهمية «التناغم» بين «سلامة الجسد» باعتباره عاملا أساسيا في الوصول إلى «التناغم» المنشود. هذا إلى جانب «احتقار» السلع المادية. فـ «السعادة» مرتبطة بالكائن وليس بما يملك. وتدعو الفلسفة «الطاوية» إلى ضرورة اتباع ممارسات غذائية وتنفسية ونشاط حركي دقيقة لصون «الجسد» الذي «تسكنه» الحياة.

وتتم مطالبة الصيني أيضا في أن يتعلم الاكتفاء بمجال حيوي صغير محدود. هذا مطلوب في «عام مزدحم» مثل الصين. ويرى المؤلف أنه ليس من قبيل الصدفة وجود الأشجار والنباتات الصغيرة «القزمة» في الصين.وفي محصلة الحديث عن سبب «ضحك الصينيين طيلة الوقت»، يصل المؤلف إلى قول ان الصينيين قد طوّروا أشكال سلوك اجتماعية متكيّفة تماما مع واقع عدد السكان الكبير وندرة الموارد.

هكذا تعوّدوا على أن يحافظوا منذ آلاف السنوات على التوازن بين احترام القواعد التي تنظّم الحياة داخل مجتمع وبين آليات التطور الشخصي الضروري للفرد. المهم ألا يتم هذا التطور «الفردي» على حساب المجموعة. هذا «التكامل» يبدو بوضوح من خلال وجود قواعد صارمة لجميع الممارسات الفردية والجماعية. ثم إن «الحكيم» لا يعارض النظام القائم. قد يلتف حوله إنما لا يعارضه، إذ من التوهّم إمكانية تحريك منظومة ثقيلة ومحكمة البناء مثل المنظومة الصينية.

هذا المفهوم للنظام الاجتماعي هو الذي يفسر مفارقة الوضع الصيني القائم اليوم في كونه رأسماليا ولبراليا على الصعيد الاقتصادي وشموليا على الصعيد السياسي مع وجود حزب شيوعي وحيد قوي ومسيطر على جميع مفاصل الدولة.

وساعد على انتشار مثل هذه القيم والمفاهيم في الصين واقع الفقر بحيث ان الصينيين، ورغم التقنيات الزراعية المتقدمة، يجدون صعوبة حقيقية في تأمين تغذيتهم. لكن يمكن لهذه الآليات المعقّدة أن تصاب بالخلل عند حدوث أية هزّة صغيرة سياسية أو اجتماعية، وأي «تمرّد» مهما كان جانبيا، يمكن أن يؤدي إلى شلل المنظومة كلها.

بهذا المعنى كان شبح الشح الغذائي بمثابة سيف مسلّط باستمرار على رقاب الصينيين. بل ويؤكد المؤلف أن الخوف الشديد من حدوث شح غذائي كان وراء بروز المطلب الملحّ ببناء دولة قوية وموحّدة في الصين وحيث كان «كين شيهوانغدي»، أول إمبراطور صيني قد بنى قبل نابليون بحوالي 2000 سنة دولة قوية ووحّد الكتابة وفرض قواعد سلوك محددة على جميع رعاياه احترامها، بما في ذلك بأبسط ميادين الحياة.

وقد أكّدت الفلسفات الصينية القديمة والراسخة أنه يمكن للمرء أن يكون سعيدا وحتى لو لم يمتلك سوى الشيء البسيط، ولذلك ارتبطت السعادة بمقولة ان «القناعة كنز لا يفنى» وبالاكتفاء بالنزر اليسير من الإمكانيات. هذا إلى جانب التأمل بشجيرات صغيرة «مقزّمة» فالذهاب إلى الجبال غير ممكن.لكن ماذا سيحل بالصين عندما تتحول نهائيا إلى مجتمع استهلاكي لا تتوقف فيه المتطلبات المادية للأفراد عن التعاظم؟

الإجابة عن هذا السؤال تشكل موضوع القسم الثاني من الكتاب الذي يحمل عنوان: «عندما سيتوقف الصينيون عن الضحك سوف يبكي العالم». ويبدأ المؤلف هذا الفصل «القصير نسبيا» بجملة تقول: «علينا أن نكون على يقين أنه في اليوم الذي يصبح فيه الصينيون حزينين مثلنا، فإن المشاكل ستبدأ بالنسبة لبقية العالم الغربي».

وتؤكد التحليلات المقدّمة أن الصين اليوم «لم تعد تشابه» تلك التي استمرت طيلة قرون عديدة من الحروب الأهلية والمجاعات. ولا شك أن الوضع الديموغرافي للصين يجعل منها بلدا فريدا. وإذا كان الآخرون ينظرون لها على أنها «مركز العالم» فإنها تنظر إلى نفسها غالبا على أنها وحيدة في العالم.

والصين مدركة اليوم، كما يؤكد مؤلف الكتاب، للأوراق الرابحة التي تمتلكها وأيضا لنقاط الضعف التي تعاني منها. ولكنها عرفت منذ عشرين سنة تقريبا «نوعا جديدا» اسمه «المستهلك الصيني»، بعد أن كانت ترفض مفهوم «السوق» أصلا.

وأصبح لا يوجد في الصين اليوم سوى «السلطة السياسية» التي يجسدها الحزب الشيوعي و«المستهلك» أو «الزبون». و«ما بين السوق والإيديولوجيا الشيوعية لا توجد بنى وسيطة» يكتب المؤلف. هذان المكونان يتعايشان، على عكس ما كان متوقعا، ولا أحد منهما يحاول، حتى الآن على الأقل، التجاوز و«الاعتداء» على مجال الآخر.

إن مثل هذا الوضع الفريد في العالم طيلة تاريخ الإنسانية هل يمكنه أن يستمر؟ هذه هي إشارة الاستفهام الكبيرة التي يترك المؤلف الإجابة عنها معلّقة للزمن.أما الرسالة الجوهرية لهذا الكتاب فهي القول انه ينبغي على العالم أن يستبق الأحداث ويفكر في إمكانية اهتزاز استقرار الصين، وأن لا يترك هذا «التنين الهائل» ينزلق نحو المجهول... ويجرّ الآخرين معه.

*الكتاب:عندما يتوقف الصينيون عن الضحك سوف يبكي العالم

*الناشر:اكسو ـ باريس 2007

*الصفحات :217 صفحة من القطع المتوسط

Quand les Chinois cesseront

de rire le monde pleurera

José Frèches

Xo- Paris 2007

p. 217