تقوم بيترا ريفولي، مؤلفة هذا الكتاب، بتدريس الآليات المالية والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون الأميركية منذ سنوات عديدة. وهي تولي اهتماما خاصا لدراسة النتائج الاجتماعية للسياسات الاقتصادية وخطط التنمية في العديد من المناطق، وخاصة في الصين التي تزورها وتقيم فيها بانتظام لفترات. تساهم المؤلفة أيضا في العديد من الدوريات المختصّة. وقد نالت عام 2006 جائزة «الريادة» للتعليم التي يمنحها معهد «اسبن».

كتاب «مغامرات تي شيرت في الاقتصاد المعلوم» بدأ أيضا بـ «مغامرة» انطلقت من مظاهرة طلابية في الجامعة التي تقوم فيها المؤلفة بالتدريس. خلال تلك المظاهرة سمعت «بيترا ريفولي» الخطباء الذين تناوبوا على المنبر وهم يوجهون انتقاداتهم العنيفة للعولمة. أحد أولئك الخطباء توجه للطلبة وسألهم إذا كانوا يعرفون، أو إذا كان هناك من يعرف، من الذي قام بتصنيع القمصان الصيفية «تي شيرتات» التي يلبسونها، وأيضا إذا كان هناك من يعرف الشروط التي تم تصنيعها فيها. كان التساؤل هو الحافز وراء إنجاز هذا الكتاب حيث انطلقت مؤلفته بعملية بحث وتقصّ مفصلة حول «المسيرة» التي يعرفها «تي شيرت» ابتداء من عملية إنتاج القطن ووصولا إلى خياطته كي يصبح «جاهزا» في الأسواق.

إذا كانت «مغامرة» تصنيع هذا اللباس القطني الخفيف قصيرة نسبيا منذ توفر المواد الأولية المطلوبة، فإن «مغامرة» المؤلفة في بحثها وتقصّيها عن «أسرار الطريق ومنعطفاتها» استغرقت عدة سنوات، ووجدت نفسها مضطرة للسفر إلى الصين وإفريقيا وتكساس.

أما النتيجة الأساسية التي توصلت فتلخصها عمليا بالقول إن «الليبرالية الاقتصادية» التي تشكل المحرك المركزي للعولمة تمثل «أفضل السبل بالنسبة إلى جميع البلدان لبلوغ ازدهارها». إن المؤلفة لم تتوصل في الواقع إلى مثل هذه النتيجة، وإنما حاولت بالأحرى أن تبرهن عليها بناءً على قناعاتها السابقة. إن المؤلفة، ومن خلال بحثها المعمّق والدقيق في «مغامرة» أبسط الملابس الحديثة وإنما أكثرها انتشارا، تؤكد على عدة ملاحظات جوهرية.

هكذا نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، أي البلد الأكثر ثراء في العالم اليوم، هي «زعيمة» قطاع إنتاج القطن على المستوى الكوني منذ أكثر من قرنين من الزمن بينما كان يُفترض أن تزدهر دورة إنتاجه في بلدان العالم الثالث بالاعتماد على «قانون الميزات المقارنة».

من جهة أخرى يبدو بوضوح أن الولايات المتحدة، التي تطرح نفسها على أنها البلد الأكثر لبرالية وتأييدا لحرية التجارة العالمية، هي التي تمارس أكبر قدر من إجراءات الحماية بالنسبة لصناعاتها النسيجية. وبصورة عامة أكثر تحاول أغلبية الشركات العالمية العاملة في هذا القطاع عدم الدخول في منافسات بالأسواق، وإنما بالأحرى تحاول «تجنبها» بفضل الحواجز التي تقيمها اعتمادا على مجموعات الضغط «اللوبي» وعبر مفاوضات ومساومات ذات طابع سياسي-اقتصادي.

ربما هناك فكرة سائدة و«مقبولة» عامة مفادها أن بلدان العالم الثالث التي تقوم بتأمين المادة الأولية «القطن» لتقوم البلدان المصنّعة والبلدان الصاعدة، خاصة الصين، بإنتاج السلعة النهائية. لكن مؤلفة الكتاب تشير إلى عدة «مفاجآت» وليس أقلها أن الـ «تي شيرت الذي يحمل عبارة من صناعة الصين ـ ميد إن شاينا- قد جرت صناعته من أقطان تكساس وليس أقطان إفريقيا أو آسيا». وكانت أميركا قد فرضت «هيمنتها» العالمية في مجال إنتاج القطن بفضل «استغلال العبيد» في مراحل أولى ثم عززتها بعد ذلك بفضل المساعدات الحكومية الأميركية التي بلغت حوالي 4 مليارات دولار خلال عام 2004.

وتنطلق المؤلفة غالبا من تفاصيل صغيرة مثل وجود مجموعة من الـ «تي شيرتات» في سلة أمام أحد المخازن بفلوريدا بقصد جذب السائحين وبسعر 6 دولارات للقطعة الواحدة و10 دولارات للقطعتين. اشترت المؤلفة «واحدا» واصطحبته معها إلى واشنطن. ورغم الرسم الذي يحمله وعلاقته بفلوريدا، وبكلمة «فلوريدا» المطبوعة تحته، كان يحمل عبارة «صُنع في الصين».

وكان الموعد مع شركة «شيرّي مانيفاكتور» في فلوريدا بعد أيام، وبالتحديد مع رئيسها. وهذه الشركة هي اليوم (أحد أكبر شركات طبع الرسوم على التيشيرتات في الولايات المتحدة) كما تعرّفها المؤلفة وتؤكد أن «منتوجاتها» موجودة في عموم الأسواق الأميركية بل وحتى في العديد من البلدان الأوروبية.

إن مصممي هذه الشركة هم الذين يختارون «الرسوم» المطلوب نقشها على الألبسة تبعا للمناطق الجغرافية التي سيتم بيعها فيها حيث تجري بعد ذلك طباعتها في مصانع الشركة بميامي في الولايات المتحدة. إن شركة «شيري» تشتري «البضاعة» من المكسيك والسلفادور وكوستاريكا وبنغلاديش والهندوراس والصين والباكستان والهند وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية.

وتصل المؤلفة في بحثها عن الـ «التي شيرت» الذي اشترته وهو من صنع الصين أن كلفته النهائية قد بلغت 42,1 دولار أميركي منها 24 سنتيم كرسومات جمركية. وهو واحد من 25 مليون مثله قادمة من الصين ومسموح دخولها إلى الولايات المتحدة حسب نظام الحصص «الكوتا» الخاص باستيراد الملابس الجاهزة المتفق عليه عام 1998. هنا تفتح المؤلّفة قوسين لتكتب: «إن رحلته - أي التي شيرت- ستقدم لنا، كما سنرى، البرهان على قدرة القوة الاقتصادية في تخطي العقبات التجارية والقواعد التنظيمية، وستدعينا إلى إعادة النظر قليلا في رؤية بدائية للبرالية».

وتضيف: «إن الـ «تي شيرت» الذي وصل إلى خزانة ملابسي كان عليه أن يحارب مجموعات ضغط - لوبي- الصناعة الأميركية للنسيج وللخياطة وأعضاء الكونغرس عن ولايات الجنوب ومنظومة للأسعار وللحصص بدهاليزها المعقّدة إلى درجة أنه من الصعب تصوّر أن يحمّل أحدهم نفسه عناء فهمها.

وتنقل المؤلفة في هذا السياق عن مدير شركة «شيري» غاري ساندلر تأكيده أنه رغم مجموعات الضغط ونظام الحصص والرسوم الجمركية والبيروقراطية الصينية لا تزال الصين تنتج أفضل «تي شيرتات» وبأفضل الأسعار. ثم أعطاها مدير الشركة بطاقة التعريف الشخصية بمدير المصنع الذي يتعامل معه في مدينة شنغهاي وهو يشير لها أن تناديه باسم باتريك كما يفعل زبائنه الأميركيون وليس باسمه الصيني المعقّد.

وما تؤكده المؤلفة هو أن الـ «التي شيرت» الذي اشترته، و«ربما هذا الذي ترتدونه» كما تقول، قد عرف «ولادته» في منطقة «لوبوك» في غرب تكساس. وهذه منطقة لا تسمح طبيعتها ومناخها باجتذاب السائحين. وهنا انتشرت صناعة القطن، واستطاع منتجوه الأميركيون أن يفرضوا أنفسهم في موقع «الزعامة» العالمية. أما منافسوهم الرئيسيون فيتواجدون، ولأسباب مناخية، في مناطق العالم الثالث. وتؤكد المؤلفة في هذا السياق أن المنتجين الأميركيين للقطن ما كان لهم أن يحتلوا موقعا «رائدا» على الصعيد العالمي لولا الدعم الحكومي الأميركي.

هذا الدعم الحكومي الأميركي الذي كان هو موضوع الهجوم الكبير أثناء مفاوضات المنظمة العالمية للتجارة في «كانكون» بالمكسيك عام 2003، من قبل بلدان «صغيرة وفقيرة»، مثل بينين وبوركينا فاسو، اعتبرت أن هذا الدعم هو الذي يمنعها من الخروج من الفقر. ثم أشار ممثلو هذه البلدان أنه على واشنطن أن تبدأ بتطبيق جميع مبادئ التجارة الحرة التي تدعو هي نفسها لها.

وكانت المنظمة العالمية للتجارة قد أعلنت بعد بضعة أشهر أن المساعدات التي يتلقاها منتجو القطن الأميركيون تشكل خرقا لقواعد التجارة الدولية وترجّح بصورة غير عادلة كفة المنتجين الأميركيين. قبل الأمريكيون وضع المسألة كلها على طاولة النقاش أثناء «دورة الدوحة» للمنظمة العالمية للتجارة عام 2004، لكن المفاوضات التي عرفتها جنيف في شهر يوليو من عام 2006، حول الموضوع، لم تؤدِ إلى أية نتيجة.

على الجانب الصيني، تشرح المؤلفة على مدى العديد من الصفحات آليات عمل الشركات المحلية (في تاريخيتها)، وتؤكد أنه حتى سنوات الثمانينات كان التخطيط المركزي هو السائد من حيث تحديد كميات القطن والآلات والعمال. لكن الآن أصبحت لعبة «المنافسة» هي السائدة، كما في منطقة شنغهاي، التي زارتها المؤلفة، حيث يتواجد 40 الف مصنع للملابس الجاهزة ويحاول كل منها أن يتفوق على البقية فيما يخص المحافظة على مستوى النوعية والدقة في مواعيد التسليم والخدمة والتقيد بالأسعار التي يتطلبها السوق العالمي.

في الصفحات الأخيرة من الكتاب تتحدث المؤلفة عن «أخلاقية العولمة». وهي تؤكد أن النقاش حول فضائل الأسواق وأخطارها إنما هو نقاش نظري. تقول: مهما تكن الآثار الإيجابية أو السلبية للمنافسة في الأسواق فإن الـ «تي شيرت» الذي اشتريته لم يعرف في الواقع خلال أسفاره حول العالم سوى القليل من الأسواق الحرة. وفي مقدمة الأسواق الحرة هذه الأسواق الإفريقية للألبسة المستعملة.

كما تؤكد أن ردود الأفعال السياسية حيال الأسواق، وأشكال الحماية السياسية ضد الأسواق والتدخلات السياسية في الأسواق هي الموجودة في صميم مغامرة «التي شيرت» وليس المنافسة في هذه الأسواق. وفي المحصلة تتم عبر هذه المغامرة دراسة الأسواق والسياسات التجارية العالمية وآليات العولمة وفي النهاية «النظام الاقتصادي» العالمي الراهن.

*الكتاب:مغامرة «تي شيرت» في الاقتصاد المعولم

*الناشر:جون ويلي ـ نيويورك 2006

*الصفحات:288 صفحة من القطع المتوسط

The travels of a T-shirt in the global economy

Pietra Rivoli

John Wiley- New York 2006

p.288