هذه المقابلة مع الروائية والشاعرة الأميركية جويس كارول أوتيس أجراها موقع بلومبرغ، وذلك بمناسبة صدور روايتها السادسة والثلاثين مؤخراً عن دار إيكو النيويوركية بعنوان «ابنة حفار القبور»، حيث ألقت الضوء على ما يعنيه صدور هذه الرواية بالنسبة إليها، بعد انتظار دام أكثر من اثني عشر عاماً، وتناولت بالإشارة محطات من مسارها الإبداعي الذي استهلته في وقت جد مبكر، وتحدثت عن الفن والإحباط وعما إذا كان ينبغي للكاتب الابتعاد نسبياً عما أبدعه لكي يتاح له استئناف الكتابة. وفيما يلي نص المقابلة:

* ما الذي يعنيه بالنسبة لك صدور روايتك الأخيرة «ابنة حفار القبور»؟ ـ لقد اعتدت نشر رواية كل عام على امتداد السنوات الثلاثين الأخيرة، ولكن صدور «ابنة حفار القبور» يعد حدثاً استثنائياً له طبيعة خاصة بالنسبة لي، فقد اشتغلت على هذه الرواية على فترات متقطعة على امتداد اثني عشر عاماً إلى أن أتيح لي إصدارها أخيراً.

* هل قدرت لك أبداً الإصابة بعقدة التوقف عن الكتابة؟ ـ أعتقد أنني أصبت بها بطريقة ما لأن بعض المشروعات صعبة وعنيدة. ولذا فإنني أبادر إلى تنحيتها جانباً. وأحد الأسباب الكامنة وراء كوني أغزر إنتاجاً من غيري من الكتاب هو أنني ليس لي أبناء، وزوجي ليس ممن يدققون في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بتفاصيل الحياة اليومية. والكتاب الآخرون الذين أعرفهم يتعين عليهم الاهتمام بأبنائهم الذين يحتاجون إليهم حتى لو كان هؤلاء الأبناء في الأربعين من عمرهم. وهذا يشعل الكاتب عن عمله، بينما تركيزنا أكثر انصباباً على ما نقوم به من عمل إبداعي.

* تقع أحداث روايتك الجديدة في الجانب الأكبر منها في منطقة محددة في شمالي ولاية نيويورك. هل تستطيعين وصف هذه المنطقة بأنها مكان مأساوي؟ ـ لن يكون من قبيل المبالغة القول إن هذه المنطقة مكان مأساوي.

فهي أقرب إلى أن تكون رمزاً لهذه النوعية من الأماكن على امتداد الولايات المتحدة.

* هذا الوصف يذكرنا بروايتك «الشلالات» التي تقع أحداثها في منطقة شلالات نياجرا. وهي تبدأ بزوج شاب يلقي نفسه في شلالات نياجرا بعد ليلة شهر عسل كارثية. فهل شهور العسل أحداث حياة وموت؟

ـ ربما كانت كذلك في الخمسينات وما قبلها، عندما لم تكن للناس غالباً تجاربهم الجنسية السابقة للزواج، وكانوا بشكل أساسي بعيدين عن هذا الجانب، وكانت النسوة بلا تجارب في هذا المجال، وربما ليس لديهن وعي به، وهو الأمر الذي شكل جزءاً من كونهن سيدات بالمعنى الراقي للكلمة.

وفي بداية رواية «الشلالات» قمت بفرض نغمة أسطورية، حيث أصبحت العروس أقرب إلى أسطورة محلية، حيث غدت عروس الشلالات الأرملة. وهي بعد ذلك تعيش في حي فقير كزوجة وأم وتسمع بامرأة تجوب أرجاء منطقة الشلالات، وهي في حقيقة الأمر تسمع أسطورة عن نفسها، فما يقال عنك مستقل عما أنت عليه حقاً. وروايتي «الشقراء» تقوم على أساس حياة مارلين مونرو، وهي بدورها تدور إلى حد كبير حول ذلك.

* لقد قامت مارلين مونرو بالتمثيل في فيلم «نياجرا» فهل ألهمك ذلك رواية «الشلالات»؟

ـ لا، لقد كان فيلم «نياجرا» وسيلة انطلاق إلى الشهرة بالنسبة لمارلين مونرو، على الرغم من أنه فيلم ضعيف، ولكن إلهامي استمد من الحقيقة المتمثلة في أنني نشأت في المنطقة المحيطة بالشلالات.

* بمناسبة الحديث عن مارلين مونرو، فقد قلت إن الشخصية المشار إليها في عنوان رواية «الشقراء» أكثر تعقيداً وبالتأكيد أكثر جدارة بالإعجاب من إيما بوفاري في رواية فلوبير «مدام بوفاري» فهل لك في إيضاح ما قصدته بقولك هذا.

ـ كانت مارلين مونرو ممثلة جادة وامرأة كرست حياتها لعملها، حيث كانت تعمل دوماً، عدا الأوقات التي كانت حاملاً فيها، حتى بعد أن تزوجت من جو ديماجيو وكان يمكن أن تتقاعد. وبالمقابل فإن إيما بوفاري لا تفعل شيئاً. فهي امرأة كسول، تقرأ الروايات وتقيم العلاقات العاطفية. ومارلين مونرو حتى وهي شهيرة كانت تأخذ دروساً في التمثيل والرقص وتقرأ كتباً جادة.

وأنا لم أقصد قط السخرية منها على نحو ما فعل فلوبير بإيما بوفاري. وأنا معجبة بمارلين مونرو كثيراً، وبصفة خاصة مع تقدم الرواية في مسارها وتحولها إلى شخصية مأساوية. وقد حاولت بحرص بالغ تحقيق أمور، وانجاز أفلام قُدِّر لها أن تبقى بعدها، ولكنها وقعت في أحبولة هوليوود المتمثلة في الاضطرار لبيع التذاكر.

* متى بدأت الكتابة؟

ـ عندما كنت صغيرة للغاية، في الرابعة أو الخامسة من العمر، حيث قمت بإنجاز رسوم كاريكاتيرية. وبالتالي فإن روايتي الأولى كانت خالية من الكلمات، فلم أكن أستطيع الكتابة وقتها واعتقد أن خط الكبار نوع من «الشخبطة» الغامضة. وعندما بلغت الرابعة عشرة من عمري أعطتني جدتي آلة كاتبة، وبدأت بالكتابة بطريقة مختلفة.

* هل تكتبين بسرعة؟

ـ لست أشعر بأنني أكتب بسرعة، فأنا أكتب بالخط العادي وأقوم بمراجعة مكثفة للغاية. وأقوم بذلك على الصفحة نفسها، وهي طريقة عتيقة للغاية. وبمقدوري كتابة رواية بكاملها على أوراق قديمة وأوراق مما يستخدم لكتابة الملاحظات. وأواصل النظر فيها ومن ثم يتطور شيء ما. وبالنسبة لي فإن استخدام معالج للكلمات يعني التحديق في شاشة ساعات أكثر مما ينبغي.

*أين ومتى تكتبين؟

ـ إنني أحب قضاء الكثير من الوقت وحيدة في دار هادئة في منطقة شبه ريفية قرب غابة.

* في كتابك «يقين كاتبة» تقولين إن الحب غير المتبادل يمكن أن يكون أفضل من الحب المتبادل بالنسبة للكاتب. ولكنك متزوجة منذ ثلاثين عاماً.

ـ إنني لا أتحدث بالضرورة عن نفسي. وأن تكون للمرء تطلعات رومانسية غير متحققة هو أمر جيد. وكتابة رواية تعني الانطلاق في مسعى رومانسي للغاية، فالناس لهم رؤى، والخطوة التالية هي تنفيذ هذه الرؤى، وذلك مشروع رومانسي للغاية، مثل لوحات إدفارد مونش الغريبة التي تشبه الحلم، حيث يصور الناس على نحو مؤسلب، كما هي الحال في لوحة «الصرخة».

ولابد أن مونش تحققت له هذه الرؤية في حلم، ولا يمكن أن يكون قد رآها بصورة مألوفة على الإطلاق. والحب غير المتبادل يترجم إلى تلك الرؤية، في صميم الحب الرومانسي. وفي التقاليد الرومانسية يكتب الشاعر سوناتا لمحبوبة لا يعرفها.

* هل تنطلقين ركضاً للابتعاد عن كتاباتك؟ هل تركضين اليوم؟

ـ إنني أقوم بذلك بطريقة غير مقصودة. لقد كانت لدي مقابلة مع إذاعة مينيسوتا العامة في سنتر ستريت، وقد ضل سائق سيارتي الطريق، فترجلت منها وانطلقت أركض على امتداد أربع كتل من المباني، ركضت بسرعة بالغة، ولدى وصولي إلى الاستديو، كانوا قد بدأوا البرنامج بالفعل، وكان ذلك ركضاً جدياً. وأنا عادة أركض في الطرق الريفية حيث توجد حقول وزهور. وعندما أركض مع زوجي، فإننا نركض متباعدين ولا نتحدث أبداً. وأنا لا أفهم الناس الذين يرغبون في الحديث عندما يركضون. إن ركضي هو تأمل.

* في كتابك «عن الملاكمة» تصفين الملاكمة بأنها أكثر رياضاتنا ذكورية على نحو درامي، ومع ذلك فإنك تقولين أيضاً إنها ليست رياضة. فما هي إذن؟

ـ ربما هي أقرب إلى مسرح من نوع ما، فهي تعود إلى عهد قدامى اليونانيين، وقد كانت نوعية مباريات الملاكمة التي يقيمونها خشنة للغاية، حيث يضرب رجل رجلاً آخر إلى أن يلقى أحدهما مصرعه. وتلك ليست رياضة، وإنما هي طقس أو تضحية وحشيان.

وهي في جذورها بالغة الخطورة تماماً كما أن بعض الألعاب التي تمارس بالكرة الآن كانت تلعب في وقت من الأوقات باستخدام الجماجم البشرية. وقد قال مايك تايسون إنه لم ينظر إلى الملاكمة باعتبارها رياضة، ونظر إلى نفسه كمجالد يسلي البيض، حيث يواجه مقاتلاً أسود آخر، وعندما ينظران إلى خارج الحلبة، فإنهما يريان دونالد ترامب.

محطات في مسيرة أوتيس

*على امتداد أعوامها الثمانية والستين قدمت الروائية والشاعرة الأميركية جويس كارول أوتيس دفقاً هائلاً من الأعمال يضم أكثر من ثمانين كتاباً، وهي لا تزال تواصل الإصدار بوتيرة ومستوى لم يعرف من قبل في الأدب العالمي، وقد بدأ مشوارها الإبداعي وهي في الرابعة من عمرها عبر الرسوم.

وفي الرابعة عشرة من عمرها تلقت هدية عبارة عن آلة كاتبة، فواصلت منذ ذلك الحين وعبر دراستها الثانوية والجامعية كتابة رواية إثر أخرى إلى أن استهلت حياتها المهنية في عام 1964 بنشر رواية «بسقطة تدعو للارتجاف»، وأحرزت شهرة مدوية بروايتها «هم». وعلى امتداد 35 عاماً أصدرت كل عام رواية وكتابا يضم مختارات من مقالاتها ومجموعة من قصصها القصيرة.

*صدرت لها مؤخراً روايتها السادسة والثلاثون بعنوان «ابنة حفار القبور» التي عكفت على انجازها على امتداد اثني عشر عاماً.

*أصدرت تسعة دواوين شعرية وعدداً كبيراً من المسرحيات ومجموعات القصص القصيرة، وهي تعمل بالتدريس في كبرى الجامعات الأميركية والكندية.

منى مدكور