توفّي مؤلّف الكتاب تركي علي الربيعو قبل صدور كتابه هذا بأيام معدودة، ففقدت الثقافة العربية بموته باحثاً مهماً له إسهاماته المتميزة في مجال البحث التراثي والفكري، حيث كان نشر أكثر من ثمانين دراسة ومقالة فكرية في الدوريات العربية بالإضافة إلى كتبه: الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة، 1992، العنف والمقدّس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية، 1994، أزمة الخطاب التقدّمي العربي، 1995، من الطين إلى الحجر، 1997، خيارات المثقف، 1998، الإسلام والغرب، 1998، المحاكمة والإرهاب، 2001.

كتابه الجديد «الأرض اليباب» هو بمثابة قراءة نقدية مقارِنة لما كُتب وأُلّف حول الأسطورة والفكر الأسطوري في منطقتنا العربية، ويتألف من مقدمة وثمانية فصول، وملحق مهم بفهرسي الإعلام والأماكن، يتبيّن للقارئ من خلالها جهد المؤلّف في تتبّع حكاية الأسطورة، ومحاكمة أسطورتها التي بدأت أركيولوجياً مع جهود طه باقر في ترجمة «ملحمة جلجامش»، والبدايات الفكرية والنهضوية الأولى التي سعت لإبراز جانبنا الحضاري عبر تراث المنطقة الذي يراه طه باقر تراثاً مؤسِّساً للفكر الإنساني.

وبالتالي فإنه سوف يطلق على أسطورة جلجامش التي ترجمها ودرسها تسمية «أوديسة العراق الجديدة، إلاّ أن المؤلّف سيعتبر حماس طه باقر لهذه الملحمة يشوبه شيء من الأيديولوجيا، مثله في ذلك مثل سائر الباحثين الذين ساروا على دربه، إلاّ أن ما يشفع له في ذلك ريادته في هذا الطريق، وانحرافه عن لاحقيه بتأكيده أن الأسطورة تنتمي في النهاية إلى رؤية جمالية فنية، بمعنى أنها نصّ إبداعي قابل للتأويل، وهذه مزية العمل العظيم.

ثمّ يتّجه في الفصل الثاني لمناقشات آراء صادق جلال العظم من خلال مؤلّفاته التي توالت بدءاً من كتابه «نقد الفكر الديني» الذي كتبه في أعقاب هزيمة يونيو 1967، إلى «دفاعاً عن المادية والتاريخ» و«ذهنية التحريم» و «وما بعد ذهنية التحريم، فيكتب الربيعو نقداً حاداً، لا يطال العظم فقط وإنما أشبه بمحاكمة لمفكري اليسار، جاعلاً من العظم وأعماله نموذجاً.

وسيعتبر أن هذه الأعمال أشبه ببيانات ومرافعات أيديولوجية، وذلك لأن إرادة الماركسية لدى العظم سبقت كلّ إرادة معرفية، وبخاصة في ما يتعلق برؤيته الفلسفية، أو في تبجّحه بامتلاك العقل، بينما هو في حقيقته عقل يعتقل العقل، وإلى ذلك فإننا لم نقع على اسم آخر من المفكرين الماركسيين الذين تناولوا الأسطورة حتى في الهوامش، وهذا ما سنراه لاحقاً مع جهود فراس السواح الكبيرة في هذا الحقل المهم، والتي باتت مرجعاً أساسياً لسائر المثقفين.

«عندما أضاعت فلسطين الأسطورة» عنوان فرعي لافت للفصل الثالث من الكتاب، ناقش فيه كتاب «مضمون الأسطورة في الفكر العربي» الذي وصفه مؤلّفه أحمد خليل بـ «لمسات جريئة ومتقدّمة في تعريف الفكر الأسطوري» ولكنه برأي المؤلّف أن أحمد خليل سعى إلى محاكمة هذا الفكر محاكمة ميدانية بهدف إعدامه والقضاء عليه، خاصة بعد أن عجز المثقفون العرب عن مزاوجة الفكر الأسطوري بالفكر الثوري.

ويحكم عليه بأنه خطاب سياسي «ثورويّ» في جوهره، يسفّه الفكر الأسطوري ويعتبره خطراً على الأمة، وبالتالي فإنه يقوم تحت وطأة شواغل ظرفية وسياسية وأيديولوجية جامحة، بتنحية كلّ إرادة معرفة بالمأثور الشعبي لمصلحة الأيديولوجيا المتخشّبة على حدّ تعبيره.

في الفصل الرابع، يناقش المؤلّف كتابي: الأساطير والخرافات عند العرب، لمؤلّفه محمد عبد المعين خان، و«في طريق الميثولوجيا عند العرب» لمحمود سليم الحوت، فيتغنى بجهودهما، نظراً لأنهما، بتعبيره، يساهمان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في دعم المواقف الأيديولوجية والميول التطوّرية للراديكاليين العرب.

وسيعتبر كتاب محمود سليم الحوت الصادر في العام 1955 بمثابة كتاب مؤسِّس في البحث عن ميثولوجيا يعربية تخدم السياق القومي آنذاك، بمعنى انه يتمثّل في البحث عن ثقافة عروبيّة سابقة على الإسلام، وإلى ذلك فإنه بذل جهوداً كبيرة لجمع عدد كبير من الأساطير تأسيساً لذلك.وبالرغم من طابعه التجميعي يؤكّد المؤلّف أن هذا الكتاب من الكتب المهمّة، وجهد ريادي يستحقّ الإعجاب والدراسة، ومحطة باهرة في رؤيتها للأسطورة ووظيفتها.

بينما في الفصل الخامس، سيتناول أعمال الباحث المعروف فراس السوّاح تحت عنوان ساخر ومثير: بحثاً عن اللغز الضائع، عندما أصبح ناقد الأساطير صوفياً من أهل الكشف والرؤيا، علماً أن فراس السواح صاحب مشروع متكامل يعمل عليه منذ سبعينات القرن الماضي، وقد أصدر العديد من الكتب والأبحاث في مجال الميثولوجيا السورية والرافدينية.

إلاّ أن المؤلّف يحاكم أبحاث السواح من خلال شغل كلود ليفي ستروس على الميثولوجيا، وسيعتبر أن هذه الجهود البحثية تظهر «الترابط المدهش والتواطؤ المسكوت عنه بين الأيديولوجيا والنزعة التطورية الثقافية، وما ينمّ عنها من تسفيه ثقافي وغياب عن الإنجازات في مجال تحليل الأساطير».

وبعد ذلك سوف يتّجه لقراءة أعمال طيب تيزيني، فيرى أنه ينتمي إلى «جيل المشروع الثقافي» الذي مازال يواصل إنتاجه الثقافي ويمارس حضوره الفكري والأيديولوجي بآن، و«يعاود إنتاج شعاراته البرّاقة عن الحداثة والثورة والطبقية».

علماً أن طيّب تيزيني، برأينا، صاحب مشروع نهضوي وحداثي وتراثي في آن، وقدّم للمكتبة العربية مؤلّفات عديدة منذ مطلع سبعينات القرن الماضي ومن أشهرها:مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط، من التراث إلى الثورة، الفكر العربي في بواكيره، مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر، من يهوه إلى الله، وغيرها.

أكّد من خلالها، أن التخلّف ليس حالة فطرية، وإنما هو قضية تاريخية أُنتجت في إطار ظروف تاريخية ينبغي تحليلها وإعادة قراءتها في ظلّ الوعي الجديد، غير أن المؤلّف لا يجد في مشروع طيب التيزين سوى أنه «يقوم بقسر الواقع التاريخي لمصلحة النصّ الماركسوي، الذي هو أقل من نصّ، أو إنه نصّ هامشي عن نمط الإنتاج الآسيوي!.

وفي الفصل الذي يليه، سوف يتّجه لقراءة مشروع محمد عابرد الجابري التراثي، ومن خلال أعماله الشهيرة: تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي، ولكنه لن يجيّره إلى خانة الأيديولوجيا ويحكم عليه كما فعل مع الآخرين، وإنما سيعرف بالمشروع في إطار التضاد ما بين المعقول العقلي والمعقول اللاعقلي، بين العقل والأسطورة، وبين نظام البرهان ونظام العرفان الذي يتأسس في الأسطورة الهرمسية، التي قدّر لها أن تغزو نظام البيان العربي، وهذه الأمور جميعاً كان الجابري قد تطرق إليها من خلال مقدمة كتابه «بنية العقل العربي».

أما بالنسبة لأعمال سيد القمني، فإنه يرى أن دراساته في مجال الأسطورة تنطوي على جهد إبداعي جديد، فمنذ كتابه «الأسطورة والتراث» أو ما يمكن تسميته بـ «العمدة» الذي أراد له مؤلّفه أن يكون تأسيساً لنهج من البحث يؤسس لرؤية جديدة تسعى لإحداث قطيعة معرفية مع الفهم الكلاسيكي والتقليدي الشائع الذي يرى الأساطير على أنها أباطيل وخرافات.

وبذلك، وعلى حدّ تعبيره، فإن القمني يختطّ خطاً موازياً ومقارباً للفهم الجديد الذي يطمح إلى إعادة الاعتبار للأسطوري والعجائبي، وإلى ذلك أيضاً، فإن القمني يتعامل مع الأسطورة كحفرية حيّة تسعى لتسجيل الوعي الإنساني واللاوعي في آن واحد، ولكنه لم يستطع الاندفاع إلى الأمام بسبب من احتمائه بالمادية التاريخية كمنهج علمي، فقيّد نفسه بذلك.

وفي تناوله لكتاب «المتن والهامش» لحسن قبيسي سوف يشير أيضاً إلى تأثّره بالمادية التاريخية، وإلى ذلك فإنه لدى مناقشته كتاب فاضل الربيعي: «الشيطان والعرش، رحلة النبي سليمان إلى اليمن» سوف يرى ان هذا الكتاب يأتي كمحاولة لفض الاشتباك ما بين الحدث التاريخي والحدث الأسطوري، ليكّد من ثمّ ان الربيعي في كتابه هذا يجازف في الدخول إلى عالم «الميثولوجيا الإسلامية» أو إلى الحقل المسيّج بالألغام بتعبير محمّد أركون، تحدوه الرغبة في إعادة الاعتبار للتاريخ الحقيقيّ القديم، وللأسطورة معاً، الأسطورة التي تظلّ مضمرة بالترايخ الحقيقي المغطّى بركام هائل من الحرتقات الأسطورية.

ويبدو لنا أن محاكمة الفكر الأسطوري العربي التي عقدها المؤلّف لإدانة التوجّهات الإيديولوجية في قراءة التراث الأسطوري، لم تخل بدورها من أيديولوجيا صدّرت أحكاماً قاسية لمؤلّفات كتبت في مراحل زمنية مختلفة، تأطّرت على هذا النحو أو ذاك بثقافة العالم في تلك الأيام، وإلى ذلك فإنها اجتهادات قدّمها أصحابها، والبعض منهم تراجع عنها في ظلّ التطورات السياسية الحالية، وفي ضوء المناهج البحثية الحديثة.. إنه العالم على كلّ حال.

عزت عمر

*الكتاب:الأرض اليباب محاكمة الفكر الأسطوري العربي

*الناشر:رياض الريّس للكتب والنشر ـ بيروت 2007

*الصفحات:230 صفحة من القطع المتوسط