أضحت الديمقراطية، في أيامنا هذه، استحقاقاً لا يحتمل التأجيل، خصوصاً في الحالة العربية، حيث تتعاظم المساجلات والنقاشات حول ضرورة الشروع في تطبيقها وممارستها، بوصفها السبيل الأنجح للخلاص من حالات الاستبداد والانهيار والخراب، والهدف الذي تتوق إلى بلوغه شعوب بلداننا كي تنعم بالحكم الصالح وتخرج من نفق الاستبداد المظلم.

وفي هذا السياق يأتي كتاب الدكتور العربي صديقي «البحث عن ديمقراطية عربية ـ الخطاب والخطاب المقابل» كي يسهم في السجال الدائر حول الديمقراطية، من جهة تقديمه قراءة نقدية للخطاب الذي يحاول إلصاق الديمقراطية وممارستها بأسس ثابتة، معتبراً أنها تتمتع بقدرة هائلة على التطور والنمو والتغير، لذلك يتوخى في قراءته رسم خارطة للخطاب الغربي والخطاب العربي والإسلامي المقابل، ويحذوه النظر إلى الديمقراطية بوصفها غير ثابتة وغير أحادية، بل لها أقلمات ونماذج متعددة.

والدكتور العربي صديقي هو أكاديمي وباحث تونسي، يعلّم في جامعة «اكستر» ببريطانيا، متخصص بإشكالية الديمقراطية والتحول الديمقراطي في المنطقة العربية. صدر له العديد من المؤلفات، منها «خطاب الديمقراطية عند أربع من الحركات الإسلامية العربية: مصر، السودان، الأردن، تونس»، و«الصالونات الديمقراطية في العالم العربي».

وينطلق العربي صديقي في معالجته لقضية الديمقراطية، بوصفها قضية عويصة متناظر فيها في إطار عربي إسلامي، من نقطة تقوم على تحري الكيفية التي فهم وفقها العرب أنفسهم الديمقراطية، وكيف يتصورونها ويرونها، عارضاً وجهات نظر المفكرين والنخب الحاكمة والإسلاميين.

ويناقش الأسس الغربية للديمقراطية، محولاً العديد من بديهيات الاستشراق إلى إشكاليات، وطارحاً أسئلة حول الطبيعة الأوروبية المركزية لسلسلة من المفاهيم السياسية الأساسية، بما فيها الديمقراطية، والمنفعة الناتجة منها في دراسة سياسات العرب والمسلمين.

كما يراجع العديد من المصادر العربية التي تهملها الكتابات حول الديمقراطية، ويستفيد من مقابلات أجرها المؤلف بنفسه مع إسلاميين من أربع حركات إسلامية رئيسية في المنطقة العربية، وهي: جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وجبهة العمل الإسلامي التي تعد الذراع السياسية للإخوان المسلمين في الأردن، وحركة النهضة التونسية بقيادة راشد الغنوشي، والجبهة الإسلامية الوطنية في السودان التي يقودها حسن الترابي.

ويهدف الكتاب إلى الإحاطة بلحظة تاريخية مثيرة في المجتمعات العربية، يزداد فيها زخم تقدمه النخب العربية خارج الأنظمة السياسية الحاكمة وداخلها، ويتوجه إلى قادة هذه الأنظمة كي تتحول إلى أنظمة حكم سياسية أكثر انفتاحاً، في وقت تتزايد فيه الجاذبية التي يتمتع بها الحكم الديمقراطي بين أوساط مختلفة من الجماهير، العلمانية والدينية وسواها.

وبالتالي ينبغي البحث عن نقطة ينطلق منها العالم العربي نحو صياغة ديمقراطية عربية، وإيجاد صياغة لميكانيكية «حكم صالح» في بلداننا العربية، تأخذ بالاعتبار الواقع والإرث الحضاري للعالم العربي. وتكشف «مناظرة الديمقراطية» انشقاقات وتباينات حول الديمقراطية، مع أنها باتت تشغل بال الجميع في مختلف الأوساط، الأكاديمية والثقافية وحتى رجل الشارع العادي.

وصار الكل يتساءل: ما الديمقراطية؟ وأي ديمقراطية نريد؟ وديمقراطية من؟ وهناك من يقول بأن المجتمعات العربية تحتاج إلى ثلاثة أشياء هي: الديمقراطية، والعقلانية، والشرعية، وثمة دراسات استشراقية تعتبر الديمقراطية غير مناسبة للوطن العربي.

كما أن هناك العديد من المؤثرات التي ساهمت في النموذج الغربي الحديث للديمقراطية، وما أفرزته تلك المؤثرات من توسيع وتعديل عن المفهوم الإغريقي القديم للديمقراطية. لكن ثمة جدلا كبيرا حول مدى ديمقراطية الديمقراطية الغربية، من حيث اعترافها بالآخر، وأهمية أن تكون الديمقراطية «حساسة» حضارياً وثقافياً، أي ألا تبقى مفهوماً متصلباً حتى تحقق ديمقراطيتها.

ويبرز العربي صديقي الفرق بين زاويتي النظر عند تناوله العالم العربي والديمقراطية، معتبراً أن الاستغراب والخطاب الإسلامي في رؤيته للغرب وموقفه من الديمقراطية يجب أن ينظر إليه كمكمل للخطاب الاستشراقي وليس بمعزل عنه.

لكن ما يثير حفيظة العربي صديقي هو تلك النزعة الأساسية التي تزعم بأن الديمقراطية جملة ثابتة، تحدها قواعد ثابتة، لذلك يتمحور مسعاه في نزع الأساسية عن الديمقراطية وعن الإسلام والمحيط العربي الإسلامي، من جهة أن الإسلام أظهر قدرة لا مثيل لها على التجدد على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن بالرغم من نزعات الجمود والركود، وأن التجديد في الإسلام يعتمد دائماً على قدرة المسلمين على التفكير من جديد، ومواصلة التفكير وإعادة التفكير، وعدم التخلي من التفكير.

ويسجل الخطاب الإسلامي، أو الاستغرابي، في تناوله لمسألة الديمقراطية اعتراضاً واضحاً حيال ميل خطاب الديمقراطية نحو العولمة، وعدم أخذه بالاعتبار الخصوصية الحضارية التي ينبغي أن تسهم في بناء الممارسات السياسية التي تعكس بالأساس الطابع المحلي للسياق الذي تطبق فيه.

ومع ذلك فإن المفارق في الأمر هو أن موقف الإسلاميين من الغرب والديمقراطية مستقى في معظمه من الغرب نفسه وما يقدمه لغير الغرب من أدبيات، ولا ينطلق في أساسه من خطاب إسلامي يبني ويشكل الغرب بنفس الطريقة التي ينتج فيها الاستشراق الشرق. وهنالك تفاوت في نظرة الإسلاميين تجاه الغرب والديمقراطية.

إلا أن ثمة قواسم مشتركة بينهم جميعاً، تتمثل في تأكيدهم على البعد الأخلاقي والقيمي في تناولهم للسياسة والمجتمع والاقتصاد. حيث يميل الإسلاميون إلى التشديد على النهج الأخلاقي لنظام الحكم السياسي والمجتمع والاقتصاد، والتشديد على مناسبة الإسلام، والنصوص الإسلامية، ووجهات نظرهما الدنيوية الأخرى لا إلى تفسير رؤية عالية بديلة للمسلمين وغير المسلمين فحسب، وإنما أيضاً إلى تطوير كلي لفهم الأبعاد المادية والروحية للوجود الإنساني.

كما يميل الإسلاميون إلى اعتقاد بصلاح برنامجهم لنظام سياسي واجتماعي واقتصادي قائم على الإسلام وامتلاكه الأجوبة عن كل علل الثقافة العلمانية، لذلك يرفضون تخصيص الدين وعلمنة المعرفة والحياة والنسبية الأخلاقية، ويدعون إلى الالتزام القوي بالمساعدة في تنفيذ فهمهم للإسلام السياسي. ولا يستطيع الإسلاميون فصل الديمقراطية عن ماضي الغرب الاستعماري، بل يرون أن الاستعمار والتوسع منافيان للأخلاق وأنهما جزء من مرض الفردية والتزاحم على شهوات العالم الظاهرة.

أما إذا استحضرنا الديمقراطية كخطاب استشراقي، فإنه ستحضر معها مفهوم مركزية العقل، حيث توجد تفاعلات بين مركزية العقل والمركزية الأثينية، واستشراق الاستعمار الحديث، وحيث التمثيلات الاستشراقية للشرق تتسم بالمركزية العقلية والمركزية الأثينية على السواء، التي أنتجت الخطاب المتعالي الذي يسم أفكار بعض الكتاب الغربيين حول الديمقراطية والحداثة والموجه نحو الشرقيين.

لكن المستشرقين ليسوا هم على الدوام غربيين، فهناك ما يعرف بـ «استشراق الشرق»، وبالتالي تبرز هنا ضرورة تيقظ الأكاديميين والإعلاميين للبحث الجاد عن ملامح أساسية وجوهرية للمجتمعات العربية أو المسلمة أو بلدان الشرق أوسط العربية.

وعندما يتتبع بدايات الخطاب العربي الإسلامي حول «الحكم الصالح» و«الديمقراطية الصحيحة»، يبيّن العربي صديقي أن البحث «عن الحكومة الصالحة» بدأ منذ الفارابي مرورا بالكواكبي والأفغاني ومحمد أمين ولم ينته حتى وقتنا الحاضر، وبُذل جهد مستمر لإيجاد تناغم بين التجديد والتقليد، العقلانية والإلهي، والموروث الثقافي والحداثة، والفرد والمجتمع، والوطني والعربي.

وهناك أربع نقاط هامة، وذات صلة بقضايا الحرية، والعدالة، والديمقراطية. أولها: البعث الإسلامي من مكة والمدينة، الذي يمثل في الضمير المسلم ثورة إنسانية، من خلال ثورته على الجاهلية والأبوية السياسية في جزيرة العرب، ومناداته بالمساواة بين البشر، ومحاربته للعبودية وعادة وأد البنات وسواها. وثانيها تعود للقرن التاسع عشر الميلادي، أو ما يعرف بعصر النهضة أو «عصر تحرر الفكر العربي» الذي يمتد على مدى 140 سنة، ويبدأ منذ احتلال نابليون مصر عام 1798 وصولاً إلى بدايات الحرب العالمية الثانية.

وكانت هذه النهضة عبارة عن صحوة وبحث في الذات، وأنتجت العديد من التطورات، تجسدت في التجارب المبكرة للحكومة الدستورية التمثيلية، والإضافة والابتداع في المصطلحات السياسية، والزخم في الأفكار الوطنية. وجاءت النقطة التاريخية الثالثة بعيد فترة الاستقلال، في الستينات من القرن الماضي، حيث عقدت آمال كثيرة على الأنظمة السياسية الوطنية لتحقيق سيادة وطنية حقيقية.

إلا أن أداءها السياسي جاء مخيباً للآمال، خاصة في مجال الحريات السياسية والمدنية. والنقطة التاريخية الرابعة والأخيرة تتعلق بالإصلاحات التي شهدتها ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، وكانت في معظمها تركز على التحرر السياسي والآفاق الديمقراطية التي حركتها جملة من العوامل والتطورات الخارجية والداخلية.

وأنتج تفاعل وتراكم تلك المحطات التاريخية الهامة خطاباً راهناً، أفضى إلى حالة من البحث عن رؤى متنافسة للديمقراطية الصحيحة، ومن شأنه أن يزيد من الانقسام والاستقطاب بين المنظرين الإسلاميين والعلمانيين، وبالتالي التحدي الأهم الذي يواجه الديمقراطيين العرب يتجسد في إيجاد مساحات وفسحات تكون فيها السلطة غير محددة أو أحادية من أجل الوصول بالمشروع الديمقراطي العربي نحو مرحلة النضج والإزهار.

وهنا تبرز فكرة المناظرات كسبيل لإنضاج فكرة الديمقراطية العربية، بدلاً من الحوار حولها، لأنها تفسح المجال أمام التداول المستمر والتبادل والتفاعل والتشعب غير المنتهي، إضافة إلى أنها، أي المناظرات، تبقي على الزخم في الحياة الثقافية والممارسة المعرفية.

عمر كوش

*الكتاب:البحث عن ديمقراطية عربية

الخطاب والخطاب المقابل

*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت2007

*الصفحات:504 صفحات من القطع الكبير