تنبع أهمية كتاب الحرب السادسة للعماد حسن توركماني وزير الدفاع السوري بشكل موسع ودقيق للحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو 2006، وذلك في المجالات الإستراتيجية والسياسية والعسكرية، بالإضافة إلى التداعيات التي أوجدها هذا العدوان في منطقة الشرق الأوسط.
العماد حسن توركماني من مواليد حلب عام 1935، رقي إلى مرتبة عماد سنة 1988، وعين نائباً للقائد العام للجيش والقوات المسلحة ثم وزيراً للدفاع منذ سنة 2004، وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب. من مؤلفاته كتاب «الدهاء في الحرب»، وكتاب «الصراع المعلوماتي السمة الأساسية لحروب المستقبل» و«الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين» و«الحرب وفن الحرب». وقف المؤلف أمام الخلفية التاريخية والسياسية للحرب التي بدأت مع محاولات إعادة تشكيل المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة وظهور نظام دولي جديد يحمل معه إستراتيجية عالمية جديدة يحمي ويعزز من خلالها مصالحه العالمية وذلك بأسلوب جديد، والذي يتمثل في الحرب الاستباقية والتي خاضتها عملياً في ثلاث حروب، الأولى في أفغانستان، والثانية في العراق، والثالثة في لبنان.
ويرى الكاتب أن الحرب في لبنان جاءت لخلق واقع استراتيجي جديد في الشرق الأوسط، بعد عجز الولايات المتحدة عن جعل العراق نقطة انطلاق لمشروعها ودفعها على خلق نقطة انطلاق جديدة في لبنان الذي كان يعيش تحولات سياسية أسهمت الإدارة الأميركية في النصيب الأكبر منها.
وفي السياق نفسه استعرض العماد توركماني المبررات الإسرائيلية لشن الحرب على لبنان والتي تمثلت في تغيير الصورة التي فرضت انسحابها عام 2000 من جنوب لبنان وإعادة الاعتبار إلى قوة الردع الإسرائيلية واستعادة معنويات الجيش الإسرائيلي والقضاء على ظاهرة حزب الله بوصفه نموذجاً ملهماً لانتشار ثقافة المقاومة، والإسهام في تنفيذ القرار 1559 بالقوة، الذي يشكل حزب الله العقبة الرئيسية أمام تنفيذه.
ويعتبر المؤلف مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت بولادته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية في مجرى العدوان على لبنان، جاء كحصيلة دبلوماسية أولى للحرب إلى تستهدف استعادة هيبة الردع الإسرائيلي، وتغيير موازين القوى (وربما الخرائط)، باعتبار الشرق الأوسط المنطقة الأساسية في تفكير وبرامج الدراسات الأميركية، لما تحويه هذه المنطقة من ثروات وأهمها النفط الذي يمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي ولما لهذه المنطقة من أهمية جيو سياسية.
وأشار الكاتب إلى الأسباب المباشرة لنشوب حرب يوليو والمتمثلة في اختطاف عناصر حزب الله لجنديين إسرائيليين في منطقة زرعين الحدودية صبيحة 12 يوليو 2006، والذي استغلته إسرائيل للبدء بعدوانها على لبنان الذي كان قد أعد له مسبقاً بتشجيع أميركي مكشوف وبدعم واضح وصريح.
وتطرق العماد توركماني إلى الأهداف السياسية للحرب التي وتمثلت في الهدف الإسرائيلي ـ الأميركي المشترك في العمل على تغيير موقف النظام اللبناني بموقف يستطيع من خلاله تنفيذ المطالب الأميركية ـ الإسرائيلية، والقضاء على القوى الممانعة لتحقيق هذا الهدف وتحديداً حزب الله.أما الأهداف الإسرائيلية المعلنة فتمثلت في تصفية حزب الله وتجريده من سلاحه، وإبعاد حزب الله عن الجنوب ونشر الجيش اللبناني فيه، وإعادة الأسرى بالقوة.
وعن الأهداف غير المعلنة فيعتبرها المؤلف تلك التي تخدم سياسة أميركا أساساً وتتجلى في استعادة قدرة الردع الإسرائيلية التي تآكلت بعد اندحار قواتها من لبنان في 25 ابريل 2000، وخلق الظروف المناسبة لأميركا لتطبيق مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي يشمل تطويع الإرادة السورية للقرار الأميركي، بعد القضاء على حزب الله وتمهيد الطريق للتحرش بسوريا وتوجيه ضربة إليها في مرحلة لاحقة.
والحد من دور إيران وتحجيمها وإلغاء ما يسمى بالأطراف الخارجية الإيرانية وإبعاد تهديدها لإسرائيل وإيقاف مشروعها النووي، وفرض واقع جديد للانتقال نحو إيران وإرسال رسالة لمعسكر الممانعة بأن عهد مقاومة القرار الأميركي قد انتهى.
وحول طبيعة الدور السوري في حرب لبنان وذلك من خلال المنظور الأمريكي ـ الإسرائيلي يؤكد الكاتب على أن الولايات المتحدة ترى الإسهام الفعلي لسوريا في هذه الحرب بتزويدها للحزب بأعداد كبيرة من الصواريخ المتنوعة التي أسهمت إلى حد كبير في حسم المعركة لصالح لمقاومة الوطنية اللبنانية والمتمثلة في حزب الله، بالإضافة إلى صمود مقاتليها.
ويرى العماد توركماني أن هذه الصورة هي التي حملت القيادة العسكرية الإسرائيلية على التكرار طوال أيام الحرب أنها لن تضرب سوريا، وهي التي دفعت العديد من الأطراف الدولية للحديث عن دور سوري مرتقب، هذا الدور الذي شكل حرب الظلال السياسية التي أعادت حسابات كثيرة وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 1701.
وسلط الكاتب الضوء على يوميات الحرب طيلة أربعة وثلاثين يوماً، والتي عبرت عن مسار عسكري متصاعد إضافة لصورة سياسية بقيت مشوشة طوال أيام المعركة وقد تجاوز تأثير المعارك ونتائجها النطاق الجغرافي لها، قياماً لحكم الخسائر من الجانبين.
كما ارتبطت بأمرين الأول يتمثل في حجم العمليات العسكرية بالمقارنة مع الحروب العربية ـ الإسرائيلية كان محدوداً مع استثناء قصف المناطق المدنية لكن نتائجها كانت أبعد بكثير من مسرح العمليات الحربية لتشمل مساحة دولية. الثاني هو القصف الجوي الإسرائيلي المتكرر للمرافق الحيوية اللبنانية والمناطق المدنية لحزب الله، دون أن يحمل أية نتائج عسكرية واضحة.
وفي السياق نفسه استعرض العماد توركماني المجازر الوحشية التي استهدفت المدنيين ـ ضمن إطار سياسة إسرائيل المعهودة ـ وقد تم إحصاء 36 مجزرة نفذت خلال 31 يوماً بدءاً من 13 يوليو 2006، وقد توزعت المجازر على مختلف المناطق اللبنانية من الجنوب إلى الشمال مروراً بالبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، منها مجزرة الدوير، مروحين، خمس مجازر في يوم واحد وهي «صور، البرج الشمالي، عيترون، عبا، مفترق بلدة العباسية».
مجازر في قانا ويارون وبعلبك، ومجازر (القاع، الطيبة، عيتا الشعب) الأكثر دموية بعد مجزرة قانا 4 أغسطس، وأشار المؤلف إلى تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت وما يسمى بالمربع الأمني وجواره بشكل كامل، وقصف قناة المنار، كما تم تدمير شبه كامل بالقصف المدفعي والجوي بمختلف أنواع القذائف والصواريخ لحوالي 20 قرية وبلدة في الجنوب اللبناني.
وتطرق المؤلف إلى الخسائر البشرية التي تكبدها الطرفان خلال الحرب، فعلى الجانب الإسرائيلي 156 قتيلا ومفقودان، 1553 جريحا منهم 392 عسكريا، ومن الجانب اللبناني تشير الإحصاءات إلى 1103 شهداء من المدنيين و30 شهيداً من الجيش اللبناني و58 شهيداً من حزب الله، و7 شهداء من حركة أمل ومقاتل من الجبهة الشعبية بالإضافة إلى 4 مراقبين دوليين و3000 جريح.
ويعتبر الكاتب أن حرب «الوعد الصادق» يوليو 2006، محطة تاريخية مهمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وفي تاريخ المنطقة بشكل عام، وظهور بيئة إستراتيجية جديدة في منطقة الشرق الأوسط. وسلط العماد توركماني الضوء على المشهد السياسي بعد الحرب، وهو إخفاق التعامل مع الشرق الأوسط وفق المشاريع المعدة سلفاً، أو وفق نظرية «الفوضى البناءة»، عدم قدرة إسرائيل على إدارة الصراع بنجاح رغم التفوق العسكري والغطاء السياسي الدولي.
وظهور خيارات إستراتيجية جديدة، والتأسيس لإعادة الحياة للقرارات الدولية المتعلقة بحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، طبيعة الجبهة الداخلية الإسرائيلية وتآكل قدرة الردع، وتصاعد الانتقاد للسياسة الأميركية. الكتاب دراسة وتحليل الحرب السادسة وأسباب نشوبها ومدى ارتباط هذه الأسباب بالمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي المستهدف للمنطقة، والتطورات العسكرية الميدانية والسياسية المرافقة لها بالإضافة إلى نتائجها. حيث برزت أهمية المقاومة ونجاعتها في تحرير الجنوب المحتل وإفشالها لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به الولايات المتحدة لتجزئة المنطقة.
ناهد رضوان
*الكتاب: الحرب السادسة - بيئة استراتيجية جديدة
*الناشر: الأولى للنشر والتوزيع - دمشق 2007
*الصفحات:555 صفحة من القطع الكبير

