عبد القادر ياسين، كاتب ومؤرخ فلسطيني، ولد في يافا في فلسطين عام 1937، عمل مديرا للأمانة العامة للاتحاد والكتاب والصحافيين الفلسطينيين، له العديد من الإسهامات الفكرية في الدراسات والبحوث والمقالات منها : فوائد وزارة أبو مازن، الفاشية الجديدة في أوروبا، ظاهرة الاقتتال الفلسطيني.

ومن مؤلفاته : كفاح الشعب الفلسطيني حتى عام 1948، الحركة الوطنية الفلسطينية 1970-1948، وشبهات حول الثورة الفلسطينية، الصراع الطبقي، تجربة الجبهة الوطنية في قطاع غزة، فكرة اليسار المصري وتصفية فلسطين، أزمة فتح وغيرها. في كتابه «فجر الانتصار» الذي يشارك فيه مجموعة من المؤلفين، وهم: د. عبد التواب مصطفي، لواء /صلاح الدين سليم، عبد العال الباقوري، خالد سعيد، محمود عبده، راندا أبوالدهب، أحمد جابر، حرص جميعهم على تسجيل وقائع هذه الحرب المجيدة، وتحليلها، مع رصد أصدائها، وتداعياتها، قبل استشراق المستقبل.

وفي الفصل الأول يؤكد المؤلف أن حزب الله أكتسب شرعيته المحلية، وشعبيته الإقليمية عن طريق مقاومته العسكرية للاحتلال الإسرائيلي في لبنان، عام 1982، ولاسيما بعد عام 1985، فخلال تلك السنوات خاض الحزب معارك سياسية وإعلامية عديدة، حتى قوي بنيانه التنظيمي وأعلن الحزب عن برنامجه السياسي، وان نظرته إلى شكل الحكم، تنطلق من الإرادة الشعبية، مع إبداء رغبته بأن تختار هذه الإرادة النظام الإسلامي، كما حدد الحزب الدولة الصهيونية بأنها شر مطلق وأن الولايات المتحدة أول جذور المنكر.

وأسقط الحزب من حساباته السياسية المرحلية والمستقبلية أي إمكانية، أو أي صيغة تعاون مع من يعتبرهم عملاء لإسرائيل أما عن علاقات حزب الله بسوريا فيقول د. عبد التواب : تميزت العلاقة بين حزب الله وسوريا بخصوصية واضحة، منذ أن اتخذت سوريا قراراً بالدخول إلى لبنان، لوضع حد للحرب الأهلية، وكذا، يرى حزب الله أن الوجود السوري في لبنان ضروري لكل من لبنان وسوريا في ظل التهديدات المستمرة للبلدين من جهة ، ولحفظ التوازن السياسي بين الطوائف اللبنانية.

ومما سبق ذكره يمكن تحديد العوامل الرئيسية التي عمقت العلاقة الاستراتيجية بين الجانبين في ثلاث نقاط، هي : رفض سوريا للشروط الأميركية والإسرائيلية، والبحث عن متنفس للتخفيف من الضغط السياسي عليها، وكان المتنفس هو حزب الله، وعدم رغبة سوريا في الاتكاء على طرف عربي، لارتباط هذه الأطراف بالقرار الأميركي، في الوقت الذي كان حزب الله ينظر فيه إلى أميركا باعتبارها أول المنكر الواجب إزالته، وآخر هذه العوامل كانت سوريا تبحث عن حليف استراتيجي لها، داخل لبنان، حتى إذا ما تغيرت الظروف، وجدت في حزب الله هذا الحليف.

ويذكر اللواء صلاح الدين تلك العملية التي قامت بها إسرائيل تحت أسم «أمطار الصيف» في فلسطين، اجتاحت فيها معظم أراضي غزة، رداً على عملية عسكرية، محدودة ومشروعة في عرف القانون الدولي ، ضد موقع عسكري إسرائيلي صغير، وفي ذاك الوقت اعتبر حسن نصر الله أن عليه أن يقف مع حماس في محنتها، فهما معاً أهم العناصر في خندق المقاومة الإسلامية والعربية للكيان الصهيوني.

ونفذ الحزب عملية «الوعد الصادق» ضد موقع إسرائيلي، جنوب الخط الأزرق وأسر اثنين من الجنود الإسرائيليين في عملية خاطفة، وكان تقدير حسن نصر الله أن رد الفعل الصهيوني الأرجح هو قصف جنوب لبنان، ومحاولة اختراق بعض مواقع حزب الله فيه، وحاول فور أسر الجنديين الإسرائيليين طلب التفاوض غير المباشر مع إسرائيل، لتبادل الأسرى اللبنانيين والإسرائيليين وأكد أنه لا يرغب في صدام عسكري مع الجيش الإسرائيلي.

ولكن كل الشواهد التي أتت بعد ذلك تؤكد أن خطة الحرب، كانت معدة ومكتملة مسبقاً، ووافق البنتاغون على خطوطها الأساسية، باعتبارها مرحلة مهمة في الحرب الأميركية ضد الإرهاب، وجرى مشروع تدريبي لاختيار الخطة في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وشارك ضباط عمليات ورجال مخابرات أميركيون في تخطيط للضربات النيرانية ضد الأهداف اللبنانية المختارة وخلال أسبوعين، بعد بدء العدوان على لبنان.

ارتفع حجم القوات الإسرائيلية وأحكمت القوات الإسرائيلية عزل لبنان جواً ، وبحراً، وبراً، بقطع كافة طرق الاتصال بسوريا، واستهداف النازحين إليها، وبعد ذلك بدأ توسيع نطاق وامتداد عمق الهجوم الإسرائيلي إلى طاق نهر الليطاني ، وتمت مضاعفة حجم القوة المهاجمة، وتعددت محاور عملها.

ويري المؤلف أن أهم الدروس المستفادة في عملية «الوعد الصادق» في أن مقاومة الاحتلال بالكفاح المسلح لا تزال أداة فاعلة في مجالات الصراع العربي الإسرائيلي، وبخاصة إذا تحققت وحدة البندقية بين فصائل المقاومة.

وارتفع مستوى تسليح، وتدريب العناصر المقاتلة، وتوفرت لهم أبعاد الإيمان بالعقيدة الدينية، والانتماء الوطني، وكفاءة القيادة، والسيطرة، والاتصالات، والمخابرات والمراقبة والاستطلاع ونماذج القدوة الحسنة في المستويات القيادية، ومن الدروس المستفادة أيضاً هو ضرورة بناء عناصر القوة الشاملة للدولة وتطويرها، عاماً بعد آخر، وبخاصة القدرة العسكرية، فقد دفعت لبنان ثمناً غالياً لاعتماده على وعود الحماية الفرنسية، والرعاية الأميركية لأمنه، بل إن الرئيس الأميركي بوش، اعتبر العدوان الإسرائيلي البربري على لبنان «دفاعاً عن النفس».

أما أهم الدروس المستفادة أن الشعوب العربية لن تستطيع أن تؤثر على المواقف السياسية لحكوماتها، إلا إذا بدأ التحول الحقيقي والجاد لبناء الديمقراطية الحقة في الدول العربية الرئيسية في النظام الإقليمي.

وعن الأصداء الدولية في أعقاب عملية «الوعد الصادق» تشير المؤلفة راندا أبو الدهب إلى ردود الفعل الدولية، التي أدانت معظمها أسر الجنديين الإسرائيليين، وطالبت بالإفراج عنهما، فسجل الموقف الأميركي، كما المتوقع، الدعم المطلق لإسرائيل، بتأييد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ناهيك عن الموقف الكندي، الذي أدان عملية حزب الله معتبراً أنها زادت من حدة التوتر في المنطقة، وشجب ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان، جيربيدروسون، العملية بشدة، وأن ما قام به حزب الله أدى إلى تأزم الوضع المتوتر واتخذ أبعاداً خطرة، بما لا يخدم مصلحة لبنان.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد ندد من هلسنكي بالحصار الإسرائيلي، معتبراً أن العملية العسكرية التي تشنها إسرائيل غير مناسبة، وفي بيان لها عبرت الرئاسة الفنلندية للاتحاد عن قلقها الشديد إزاء لجوء إسرائيل غير المناسب إلى القوة في لبنان، رداً على هجمات حزب الله، كما اعتبرت روسيا أن العدوان لا يمكن تبريره تحت أي مسميات.

وفي الفصل السابع من الكتاب ينفي المؤلف أن هدف الحرب الوحشية التي شنتها إسرائيل ضد الشعب اللبناني هي مجرد استرجاع الجنديين الإسرائيليين، اللذين أسر هما حزب الله، لأن الملاحظ أن هذه الهجمة العسكرية الإسرائيلية وصلت إلى الحرب الشاملة، بل إنها تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وانتهكت أبسط قوانين الحرب، وثانياً فإن الغارات البرية، والجوية، والبحرية، التي شمل بها العدو الإسرائيلي معظم الأراضي اللبنانية، كان يمكن أن تقتل الأسيرين، بالصدفة.

أما عن أسباب هذه الحملة أو اللهجة على لبنان كان، ففي مقدمتها أن هذه الهجمة جاءت خدمة لمشروع السيد الأميركي في لبنان ، الذي استعصي تحقيقه بعد أن كان بدء في تنفيذه، منذ اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، حتى أن حلقات الحوار الوطني اللبناني عجزت عن تحقيق ذاك المشروع الأميركي، المتمثل في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559.

وأهم ما فيه سحب سلاح حزب الله وذلك لرغبة إسرائيل المحمومة في تأمين حدود إسرائيل الشمالية، ومن هنا كان إلحاح العدو الإسرائيلي المستهجن على ضرورة مرابطة الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل، فضلاً عن غرض إسرائيل والولايات المتحدة المشترك في تمزيق لبنان، بعد العراق، وقبل سوريا، ومصر، والسعودية، والحبل على الجرار، فضلاً عن هدف تفويض الاقتصاد اللبناني، والعمل على إزاحته من ميدان منافسة إسرائيل.

ويشير المؤلف إلى ما ستحققه الولايات المتحدة من فوائد أخرى، وأقل أهمية، فهذه الحرب مجال لاختبار الجديد من الأسلحة الأميركية، فيما تثبت إسرائيل للإدارة الأميركية مدي حسن أداء جيش الدفاع الإسرائيلي والخدمات الجليلة التي يمكن أن يقدمها هذا الجيش للسيد الأميركي.

أما عن هدف إسرائيل من هذه الحرب فهناك ثمة تطلع إسرائيلي إلى استئصال شأفة الإسلام المجاهد، واقتلاع فكرة القومية العربية، فضلاً عن هدف العدو الإسرائيلي المزمن في تعميق الإحساس بالهزيمة لدى قطاع من الأمة العربية، ومعظم حكامها، بالإضافة إلى حرمان الشعب الفلسطيني من السند القوي حزب الله، الذي طالما تناغم معاً في توجيه الضربات الموجهة إلى العدو الإسرائيلي.

ويتطرق المؤلف إلى الدور الكبير للدين في تعبئة الإنسان، ومعنوياته وإن لم يتواكل حزب الله على الدين، كما لم يخلطه بالسياسة بل عمد إلى توظيف العلم ، والتكنولوجيا، والعقل البشري، وظل الحزب على حذره، ويقظته واستمر يطور قدراته القتالية والسياسية والإعلامية، على حد سواء.

وكان عجز العدو الإسرائيلي عن تحقيق أي من أهداف حربه العدوانية ضد لبنان، فضلاً عن الضربات الساحقة التي تلقاها ذاك العدو على أيدي مقاتلي حزب الله وانتقال الحرب، لأول مرة في تاريخ إسرائيل إلى داخل أراضيها، ما كان لهذا كله إلا أن يزلزل الجسد الإسرائيلي، ويربكه، ويبشر بتحولات ذات شأن داخله، وفي المجالين العربي والدولي، مع تفاوت في الدرجة.

ففي لبنان توج النصر «حزب الله» وتجربته الجهادية على رأس الثورة العربية، حتى غدا الحزب مثلاً يحتذى، وأصبح أكثر منعة عنه قبل الحرب السادسة ما يجعلنا ننتظر محاولات للنسج على مئوال هذا الحرب في أقطار عربية، بعد أن كان انتظار ثورة أكتوبر 1917 البلشفية في روسيا جل من الحزب الشيوعي مثلاً يحتذى، حتى مطلع التسعينات القرن الماضي.

أما داخل إسرائيل فاحتدم الخلاف داخل الحياة السياسية الإسرائيلية، وإذ ستواجه حكومة أولمرت طعنات من أحزاب أقصي اليمين الصهيوني - الديني والعلماني على حد سواء - فضلاً عن هجمات اليسار الصهيوني، وخطاً بينهما، أما عن المستوى الإقليمي، فقد انقشع غبار الحرب العربية - الإسرائيلية السادسة عن حقيقة ساطعة مؤداها أن مواجهة العدو الإسرائيلي ليست واجبة فحسب، بل إن هزيمته ممكنة ومتاحة أيضاً، وبدأت ثقافة الاستسلام في إخلاء مواقعها طواعية لثقافة المقاومة، وبالتالي تعززت العلاقة العربية - الإسلامية، بما يبشر بتراجع مهاودة أعداد الأمة الأميركيين والإسرائيليين.

ويكمل المؤلف قائلاً عن المستوي الدولي : ستبدأ دول الغرب في وضع العامل العربي في اعتبارها، بعد أن كانت تلك الدول قد أسقطت هذا العامل من حسابها، منذ نحو أربعة عقود، تحت تأثير عجز حكام العرب حتى عن استخدام المصالح الغربية في أقطارهم في مجال المساومة.

وفي نهاية الكتاب يستعرض المؤلف كلمة ألقاها حسن نصر الله قائلاً : إلى الناس الطيبين الصامدين في قراهم ومدنهم، والنازحين قهراً عنها ، الصابرين المحتسبين للواثقين بالنصر، إلى من أدهشوا العالم بصبرهم وصمودهم وثقتهم وتماسكهم، الشيوخ الكبار والنساء والأطفال التي تفترش الأرض وتلتحف السماء دون أن ينال ذلك من إرادتها، ماذا أقول لكم ؟ وهل هناك قول يفيكم بعضاً حقكم ومقامكم ؟ أقول لكم أنا وإخواني فداؤكم، أرواحنا ودماؤنا، وأنفسنا فداء لدموعكم وجروحكم وصمودكم وشموخكم، أيها الأحبة ستعودن إلى الديار وهاماتكم مرفوعة.

أيمن رفعت

*الكتاب: فجر الانتصار

*الناشر:دار الكتاب العربي ـ القاهرة دمشق 2007

*الصفحات:380 صفحة من القطع الكبير