يقدم هذا الكتاب (تركيا: البحث عن مستقبل) للباحث ياسر أحمد حسن رصداً واقعياً للوضع الراهن لتركيا وأحوالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية بدءا من أزمة تركيا وبحثها المستمر عن بوصلة أوروبية وحيرتها قبل أكثر من ثمانين عاماً بين العلمانية من جهة والإسلامية من جهة أخرى وانتهاء بالأزمة التي احتدمت بين المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية على منصب رئيس الجمهورية.
ويؤكد أن تركيا تحتل أهمية كبيرة للشرق والغرب على حد سواء، وهي تقع جغرافياً وحضارياً على حافة مناطق تحفل بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، لأسباب تاريخية توجد تركيا ويوجد الأتراك في قلبها، ورثت الجمهورية السلطنة العثمانية تلك الإمبراطورية العظيمة ذات المكانة الخاصة في تاريخ الشرق والغرب والعالم.
وإذا كانت الوراثة ثابتة للجميع في معانيها القانونية بأكثر من المعاني الأخرى السياسية والثقافية، فإن المسار الذي اتخذته الجمهورية، ربما منذ لحظتها الأولى، واعتبره كثيرون يختلف عن سيرة السلطنة، كان يحمل داخله تجليات واضحة عن ارتباط وثيق في الدولتين، ويشير إلى أن المجتمع والسياسة في تركيا بعد ثمانين عاماً من الجمهورية، لا يزالان يفتقران إلى حسم هوية البلاد وانتمائها بين اليمين واليسار، وبين الشرق والغرب، وبين المدنية والعسكرية.
والكتاب بحسب المؤلف ليس دراسة أكاديمية عن تركيا وإنما تسجيل وتحليل لأحدث ووقائع شاهدها المؤلف عن قرب وعايش تطوراتها وعلم خلفياتها ومبرراتها ومقاصدها، عمقها بالرؤية التاريخية والتحليل السياسي والحوار والنقاش مع مفكرين وكتاب ودبلوماسيين وشخصيات حزبية وأعضاء بالبرلمان التركي.
وينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب تحاول جميعها البحث في أسباب الأزمة التركية وحيرتها طوال القرن الماضي بعد قيام مصطفي كمال أتاتورك بالإطاحة بالخلافة الإسلامية وتأسيس الجمهورية العلمانية بعد الحرب العالمية الأولى.
ويقول المؤلف في مقدمة الكتاب إن سبب اهتمامه بتركيا والذهاب إليها وقضاء أربع سنوات بها يعود لأهمية تركيا الكبيرة للشرق والغرب على حد سواء فهي جغرافياً وحضارياً تقع على حافة مناطق تحفل بعدم استقرار سياسي واجتماعي لأسباب تاريخية وبالرغم من ان تركيا الحديثة ورثت السلطنة العثمانية أو الإمبراطورية العظيمة ذات المكانة الخاصة في تاريخ الشرق والغرب.
إلا أن المسار الذي اتخذته مع علو نجم مصطفي كمال أتاتورك بالتحولات الجذرية التي فعلها واستطاع ان ينتزع وطناً من تحت أنقاض إمبراطورية منهارة لا يزال مصدر خلاف إلى اليوم سواء من جانب المؤمنين بفلسفة أتاتورك وأهميتها لتركيا أو من جانب المعادين لها والذين يرون أن هذه الكمالية لم تعد صالحة لها اليوم والظاهر والكلام لمؤلف الكتاب فإن معضلة دور الجيش في الحياة السياسية التركية تظل سؤالاً تصعب الإجابة عنه الآن.
فلا يزال من المبكر لأوانه مع كل التطورات التي عرفها المجتمع التركي، تناول المسألة بهدف حلها نهائيا نحو إزالة أو إبعاد هذا الدور، فقد نشأت الجمهورية للأتراك انتزاعا من الآخرين بتضحيات الدم، وحملت بين جنباتها آخرين من غير الأتراك وعهد بحمايتها إلى الجيش الذي يرى، ويبدو أن لديه الأسانيد في ذلك، أن الجمهورية لا تزال تواجه الأخطار الكثيرة ومن ثم يتعين اليقظة والتحسب لها، ومن هنا لا يزال دوره حارساً للعلمانية ورقيباً على السياسيين الأتراك حتى اليوم وهو الدور الذي يمثل أزمة.
يخصص الكتاب البابين الأول والثاني للحديث عن السلطنة العثمانية وانهيارها ووصول الوضع إلى الجمهورية التركية الحديثة ودور أتاتورك في التغيير الجذري الذي لحق بتركيا والصراع بين العلمانية والدين، أما الأبواب الخمسة الباقية فتتوقف أمام عقد التسعينات حيث اليمين التركي يتقدم صفوف الساحة السياسية.
ثم علو نجم حزب الرفاه الإسلامي أو سيد السياسة في التسعينات حسبما اسماه المؤلف بعدها يتوقف أمام حكومات ما بعد الرفاه، عهد العدالة والتنمية ثم قصة صعود رجب طيب اردوغان أو الرجل الأزمة الآن في تركيا الذي ولد عام 1954 لعائلة بسيطة تعيش في حي بيوغلو في اسطنبول والذي دخل منذ الصبا في العمل السياسي ثم برز لأول مرة في سماء التيار الذي قاده نجم الدين اربكان خلال المؤتمر العام لحزب الخلاص الوطني عام 1978 عندما طرح اسمه ضمن قائمة اقترحها أحد القيادات المقربة من أربكان لعضوية اللجنة المركزية بالحزب.
اما على المستوى الفكري فيقول رفاق رجب طيب اردوغان انه من المنحازين للمبادئ على عكس آخرين بالحزب اعتمدوا البراجماتية أسلوباً في العمل السياسي وفي المناقشات داخل الحزب وأمام الأنصار والمؤيدين كان يعلي صوته بقوة لتبرير آرائه قائلاً إن الإسلام مرجعه فيما يقول وهي الكلمة التي بدا لها مفعولاً كبيراً في بلد لم يعرف للدين وجوداً في الحياة العامة.
ولم يقدر أحد على التفوه بمفرداته دون خشية العقاب من الدولة وهو الذي نال بالفعل بعد خطبة ألقاها عام 1995 بمدينة سييرت ردد فيها أبياتاً من الشعر تقول ان مآذن المساجد حرابنا وقباب المساجد دروعنا وجموع المسلمين جيوشنا فدخل السجن بتهمة استخدام الدين لأغراض سياسية وقضى بالفعل تسعة أشهر في السجن.
ويتوقف الكتاب أيضاً أمام العلاقة بين أميركا وتركيا وأزمة العراق الآن والانضمام للاتحاد الأوروبي الذي يعد حلم الجميع هناك، وتبقى علاقة الأتراك بالدين علاقة جدلية فالإسلام في تركيا لا يزال قائماً بصرف النظر عن علاقة الدولة به أو موقفها منه وطبقاً لإحصاء أجري عام 2000 فإن ثمة 46% من الأتراك يؤدون الصلوات الخمس يومياً بانتظام، وثمة 84% منهم يواظبون على أداء صلاة الجمعة في المسجد، 91% يصومون شهر رمضان، 60% يؤدون الزكاة، 71% يريدون أداء فريضة الحج.
ويرى الباحث في خاتمة كتابه أن قدر الأتراك يبدو الحياة في تحولات مستمرة دون توقف، من السلطة العثمانية إلى الجمهورية التركية، ومن حكم الحزب الواحد في العهد الأول للجمهورية إلى التعددية السياسية في عام 1945، ومن علمانية حزب الشعب الجمهوري المتشددة إلى التصالح مع الدين على يد مندريس في عقد الخمسينات، ومن سيطرة الدولة على كل شيء إلى انفتاح أوزال في كل شيء، ومن الرفاه إلى العدالة والتنمية، ومن هذا الأخير إلى مرسى جديد... وربما.
ومثلما قال أحد السياسيين المخضرمين الأتراك، عاشت تركيا طيلة عمرها كعربة تسير على طريق وعرة مليئة بالمنحنيات والأهوال، في مناخ ملبد بالغيوم، أمامها كتلة من الحجر كان عليها تفاديها طلبا للسلامة، واعتمدت طيلة مسيرها على مهارة سائق العربة. اليوم وربما منذ فترة لم يعد لتركيا أي سائقين مهرة ويتعين عليها تعبيد الطريق الذي تسير عليه.
ويضيف: يبدو الجيش التركي كقائد عربة اتخذ قرارا بتحديد وجهتها دون استشارة ركابها وجلس بجوار سائقها لإجباره على المضي نحو هذه الواجهة، وقام خلال مسيرتها بتبديل السائقين لضمان سلامة الرحلة وفق ما رآه صالحا لركابها، وعندما خالفه أحدهم، لم يتردد عن إيقاف الرحلة ليقذف به إلى خارج العربة أو إلى مؤخرتها، اليوم وحيث قاربت الرحلة على الانتهاء فإن الأحوال والمواقع قد تغيرت، هناك من بين الركاب من يريد أن يقذف بقائد العربة إلى خارجها.
وهناك ممن يجلس في صفوفها الخلفية من يريد الإبقاء عليه لمساعدته في يوم ما على العودة لمقودها، فيما هذا القائد لا يزال يتمسك بموقعه، لكن الأهم هو أن من في خارج العربة ينتظرها في نهاية الرحلة، لا يقبل بأن تحضر إليه بهذا القائد في مقعده وعليه إما أن ينزل عنها، أو في أحسن الأحوال الجلوس صامتا في مؤخرتها، أو المضي بها في طريق آخر.
في تركيا اليوم ثمة فورة في التطلعات، لا ترتبط بالماضي في أي شيء، لم يعد الجيل الجديد ينظر لخطر تقسيم البلاد أو للعقدة المعروفة باسم عقدة سيفر، مثلما نظر الجيل القديم قبله، الذي أتاح تكوينه النفسي تقدم الدولة الكمالية لتفرض كثيرا من مقدساتها، ومحرماتها على الجميع. لم تعد الوحدة الوطنية تفهم بالطريقة ذاتها التي كانت، بل لم تعد تحظى بمرتبة تفوق الاهتمام بالمبادئ الديمقراطية في ثقافة الأجيال الجديدة وثقافة الدولة بل وثقافة عسكر ونخبة جمهورية لوزان.
محمد الحمامصي
*الكتاب: تركيا: البحث عن مستقبل
*الناشر:الدار المصرية اللبنانية القاهرة 2006
*الصفحات: 356 صفحة من القطع المتوسط
