خليط هائل من مخلوقات تنغل، يزحف بعضها فوق بعض، تتكاثر، وتقتل وتفح.. ومصباح كروي يعمل بكل طاقته، يصدر ضوءا شاحبا، ويتدلى منه ثعبان مرقط راح يهزّ رأسه كرقاص الساعة. يبدو هذا مشهدا من مشاهد أفلام الرعب أو الخيال العلمي لكنها واقعة فجّرها الشعاع الأحمر الذي اكتشفه البروفيسور الستيني «بيرسكوف» المتخصص في علم الحيوان والعالم من الدرجة الأولى والذي ليس له مثيل في العالم إلا اثنين هما «وليم فيكل» من جامعة كامبردج وجياكو بيكاري من روما.
العالم بيرسكوف الغريب الأطوار، يبدي احتجاجه على مصادرة السلطات الشيوعية لغرف المخبر العلمي من أجل حل أزمة السكن فيعلن لمساعدته ماريا أنهم إذا لم يكفوا فإنه سيسافر إلى أميركا. جاء عام 1920 أسوأ من سابقه، غيّرت الثورة أسماء الشوارع ونفقت ثمانية عينات من أحد أصناف الضفادع، ولحقتها صراصير نادرة احتجاجا على «الشيوعية الحربية». بيرسكوف ساخط على الثورة ، يطرد أربعة وسبعين طالبا من الكلية التي يحاضر فيها لجهلهم ويعزو جهلهم وفشلهم إلى ماركسيتهم.
يسمي شعاعه الخارق شعاع الحياة، أو «غذاء الآلهة» وهو شعاع يزيد من نشاط البروتوبلازما ويضع تحته بيوض الضفادع فتفقس خلال يومين آلاف الشراغيف الشرهة والشريرة الزاحفة خارج المخبر، وتنتج بدورها آلافا أخرى من الأجيال الجديدة دون تعرضها للشعاع! ينتشر الخبر في الصحف الموسكوفية ذات الأسماء «الثورية» (النور الأحمر، الفليفلة الحمراء، الكشاف الأحمر، المجلة الحمراء، موسكو المسائية الحمراء..) وتموت دجاجات قرية ستكلوفسك (اسمها كان قبل الثورة تروتيسك) كأنما تعرضت لوباء تعزوه صحيفة «المناضل الأحمر» إلى جدري الدجاج.
الطبيب والأديب ميخائيل بولغاكوف صاحب رائعة المعلم ومارغريتا (1891-1940) والتي نشرت بعد ثلاثة عقود من وفاته، يستمر، في روايته المصاغة باكرا بصيغة سينمائية هوليودية اميركية فكرا وفنا، في السخرية من السلطات الشيوعية التي تعرض في الشوارع على رعاياها مكارم «القروض العمالية»، ويهزأ من أكاذيبها في القضاء على مرض الدجاج «قضاء مبرما».
وبدلا من الاحتفاء باكتشاف بيرسكوف العلمي وتوظيفه حضاريا، أو مواجهة مرض الدجاج تقوم السلطات بعرض مسرحيات تهريجية مثل «روح الدجاج» و«الصيصان».. ملامح التعقيم العقائدي كانت في أولها فهاهو ساعي بريد يتم عزله عن عمله بعد زعمه أن سبب المرض هو القوميساريات التعاونية، كما تقوم السلطات بإصلاح زجاج البريد الذي كسره الفلاحون الذين صودرت دجاجاتهم لإثبات أن «كل شيء هادئ على الجبهة الاشتراكية».
يجد بيرسكوف في أحد الأيام ضفدعا بحجم قطة فيهرب من المخبر ليصطدم بألكسندر روكك المسلح بمسدس على الخاصرة، إنه عضو اللجنة الزراعية، الذي جاء ليعلم الرفيق «بيرسكوف» بأنه معين من قبل الكرملين رئيسا لمخبره الذي سماه بسوفوخوز «الشعاع الأحمر».
ويبلغ العالم بأنه يفكر في إحياء الدجاج الميت بواسطة الشعاع الأحمر، ويصادر حجرتين من حجرات مخبره، فيبكي العالم بيرسكوف المحبوس في الحجرة الثالثة «مثل طفل فقد دميته».. خطأ الحرس بنسيان الباب مفتوحا، وتسرب صيصان روكك المعرضة للإشعاع يجعله يفقد صوابه، ويفكر بالاستحمام في المستنقع القريب، هناك يجد ثعبانا عملاقا يهجم على زوجته التي لحقت به لمشاركته الاستحمام فتصبح وجبة صغيرة له!
يلتجئ روكك إلى شوكين وبولايتس في الإدارة السياسية مذهولا، مذعورا بالخبر. تظن الإدارة أنه يهلوس، أو أن السيرك الجوال المخيم في المدينة فقد ثعبانا من نوع «البوا» أخاف بطلهم روكك. وللتأكد يركبان دراجة نارية ويقصدان القصر في غراتشفيك وهناك يصعقان بمشهد من مشاهد ما قبل التاريخ: طيور عملاقة، ثعابين خرافية الحجم، سرعان ما يصير بولايتس لقمة في فم تمساح، يحاول رفيقه شوكين الهرب لكن ثعبانا ضخما يلتف حول شوكين ويخنقه ثم يلتهمه.
المشهد التالي هو في مكتب محرري الأخبار في صحيفة «ازفستيا» الذين يسخرون من برقية تقول أن دجاجا في حجم الفيل ظهر في مدينة غراتشفيك، ويتجاهلون البرقية بشبهة كتابتها «في حالة سكر». تتوالى برقيات من مختلف المناطق وهي تنقل أخبارا مشابهة فيضطرون إلى الاعتراف بالوقائع، ثم ترد صور لثعابين مصورة بالطائرة.
يدرك بيرسكوف الخطأ بعد قراءة الجريدة، لقد عرض الغبي روكك (الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب) بيض النعام والثعابين والتماسيح للشعاع بدلا من بيض الدجاج! تتوالى الأخبار: الثعابين تزحف قطعانا وقوات الجيش تقف في وجهها. تمتلئ موسكو بالفارين من مقاطعة سمولينك الذين ينشرون فيها الفوضى والتحطيم. من جهة أخرى تقوم الطائرات بقصف المدن بناسها وحيواناتها للقضاء على حيوانات «الشيوعية». السكان الغاضبون يهجمون على المخبر ويقتلون العالم الضال والحارس والمساعدة ماريا، ويحرقون المعهد.
لولا موجة الصقيع التي ضربت البلاد صباح العشرين من اغسطس 1928 والتي استمرت يومين كاملين، وقضت على الزواحف العملاقة التي تراجع أمامها الجيش الأحمر لانتهت الدولة واجتاحت العالم. تستمر موجة الأسى الذي ضرب الجمهورية الناشئة عاما بعد النكبة. تنتهي الرواية بالقول أن صحف العالم كتبت كثيرا عن الشعاع الأحمر وكارثة 1928 وأن البروفيسور بيوتر ايفانوف الذي عين مكان بيرسكوف حاول كثيرا ترتيب المرايا وتنسيقها لتشكيل حزم ضوئية يتولد عنها شعاع أحمر، فلم يستطع، فالوحيد الذي كان يعرف الطريقة كان قد.. قتل.

