أين هو المثقف وسط كل هذه الفوضى، وماذا يفعل لينأى بوطنه عن الدمار، ولماذا غاب دوره كلياً بينما تظهر في الجوار ثقافة جديدة تقوم على حز الرقاب و كره الآخر وقتله لاختلاف دينه أو طائفته، أو لأن اسمه يدل على انتماء معين؟

ثقافة جاءت من عالم الجهل والفقر والتخلف، ونمت في ظل حياة غاب عنها المثقف الحقيقي المدافع عن قيم الفضيلة، الداعي إلى نشر العدل والمساواة، لذلك كثرت الافتاءات الهادرة للدم، وقلت الاجتهادات الداعية إلى تحرير العقل والانطلاق به إلى حياة معاصرة تتوافق مع ثورة العلوم و التقدم. منذ سنوات طويلة والمثقف العربي راكن إلى عزلته، خائف، منسحب، متقوقع، مبرر سلوكه بالرفض والاحتجاج في زمن تعلو فيه أصوات جاهلة وتلعلع أبواقهم إعلامياً ليكرسوا من أنفسهم بدائل وطنية وسياسية ومعرفية. ويفرزون شعارات تشجع على القتل والكراهية ويصورونها لأجيال جديدة باعتبارها ثقافة العقائد والأفضلية.

لم يكن مطلوباً من المثقف أن يكون رافضاً أو محتجاً صامتاً، فهذا الأسلوب لن يجدي نفعاً في ظل عدم التفرقة بين الجيد و الرديء ثقافياً، ومع مرور الوقت لن يعرف أحد في مكان ما أن المثقف منعزل لأنه يشمئز مما آلت إليه الأحوال، وفي أحسنها لن يتذكره أحد، لذلك تبدو طريقة الفعل الثقافي أجدى للتصدي وللمواجهة، وعندما يكون المثقف فاعلاً وحاضراً في الحياة العامة ومساهماً في حياة الأجيال الجديدة، يستطيع أن يؤثر أكثر من بقائه صامتاً ومنسحباً ومحتجاً.

لقد تركت الساحة لسنوات طويلة في عهدة جهلاء عاثوا رعباً وفوضى في حياة الناس، وحولوا أوطاناً من حال إلى حال، وأدى ذلك إلى أمراض اجتماعية تحتاج إلى مصلحين ثوريين لمعالجتها، وإلى متنورين لتبصير الناس بالحقائق وتخليصهم من أوهام عاشوا فيها لسنوات. والمثقف الحقيقي مصلح ومتنور وثوري ومخلص يساعد الناس على تخطي حالة اليأس والفقر، وهذا لا يجيء من العزلة والصمت، بل من المشاركة بفاعلية قولاً وعملاً فلربما كان ذلك بداية لتلمس الطريق الصحيح نحو مستقبل خال من الأمراض والأوهام، أو على الأقل لربما ساهم في إيقاف التدهور الحاصل في وطنه، وذلك أضعف الإيمان.

hussain@albayan.ae