عمل هوبير فيدرين، مؤلف هذا الكتاب، وزيراً لخارجية فرنسا ما بين عامي 1997 و 2002 في إطار حكومة ليونيل جوسبان الاشتراكي. وكان فيدرين قد عمل اعتباراً منذ انتخاب فرانسوا ميتيران رئيساً للجمهورية الفرنسية عام 1981 ومستشاراً دبلوماسيا في قصر الإليزيه.

وأصبح ناطقا رسميا باسم الرئاسة عام 1988 ثم أمينا عاما لها عام 1991. افتتح منذ عام 2003 شركة للاستشارات في ميدان «الاستراتيجية الجيوسياسية». للمؤلف العديد من الكتب من بينها «فرانسوا ميتيران: مسيرة ومصير» و«أوراق فرنسا في زمن العولمة» و«في مواجهة القوة العظمى: نصوص وخطابات 1995-2003» و«العلاقات الفرنسية ـ الأميركية أمام امتحان الحرب في يوغسلافيا السابقة 1991-1995»، الخ. «التاريخ مستمر» كتاب يحلل فيه وزير خارجية فرنسا الأسبق الأوضاع العالمية بعد انهيار جدار برلين في خريف عام 1989. وهو يرى الغربيين قد استعجلوا كثيرا في الاعتقاد وأنهم قد انتصروا في «معركة التاريخ» وأن قيمهم سوف تفرض نفسها على المستوى الكوني.

وكان ذلك قد جرى على خلفية الأوهام التي عرفتها سنوات التسعينات. إذ تشبّع الأميركيون بروح القوة واعتقدوا أنهم قد أصبحوا قوة لا تُقهر. بينما اعترى الأوروبيون أيضا نفس الإحساس بالهيمنة وإنما كان ذلك بدافع السذاجة.

على خلفية مثل تلك الأوهام بـ «القوة» و«السيطرة» جرى تجاوز وتهميش «المجموعة الدولية» ممثلة بهيئاتها وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة. وكانت النتيجة هي قيام عالم غير مستقر ومثير للقلق، هذا في الوقت الذي يمكن فيه قيام «العالم متعدد الأقطاب» بعيدا عن الغرب كله. ذلك أن «العالم لم ينته» كما تصوّر لفترة من الزمن المعسكر الغربي.

ويشير «فيدرين» إلى أن التاريخ سرعان ما ذكّر أنه «لا يزال حيّا» وأن قوى جديدة ستلعب فيه دور المحرك. هنا تتم الإشارة إلى تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وإلى الحرب الأميركية في العراق وتزايد المجابهات في العديد من أنحاء العالم وتلكؤ المسيرة الأوروبية وتعاظم الأخطار على البيئة. والنتيجة هي أن «العالم الآتي يثير الخوف لدى الأمم القديمة التي فقدت نفوذها ومرجعياتها».

هذه الأمم «القديمة» التي كانت قد عانت من حوالي خمسة قرون من «الحرب الباردة» التي سادت العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومع نهاية تلك الحرب اعتقدت أنها تستطيع أن تسيطر على العالم كله وتفرض عليه إرادتها. وبدت الصورة آنذاك وكأن العالم هو على أبواب أن يصبح ديمقراطيا، على الطريقة الغربية، وبدا أن السوق وقواعده في ظل العولمة سوف ينقذ مئات الملايين من حالة الفقر التي يعيشون فيها منذ عقود طويلة.

باختصار ساد لدى الغربيين الاعتقاد أن العولمة سوف تكون «سعيدة» وأنها سوف تشهد قيام «مجتمع مدني عالمي» يتجاوز الدول نفسها. لكن وزير خارجية فرنسا الأسبق يقوم في هذا الكتاب بعملية نقد شديد ضد مفهوم ذلك «المجتمع المدني العالمي» ولا يعترف بشرعيتها ولا بفائدتها.

ويكرّس المؤلف عدة صفحات للحديث عن «المنظمات غير الحكومية» التي يجد بها «فكرة مثالية وبالتالي خاطئة» عن الوضع الحقيقي للعالم القائم، وذلك مهما كانت درجة الإجماع حولها باسم «حقوق الإنسان». لكن مشكلتها الحقيقية تكمن في كون أنها تتميز بقدر كبير من «السذاجة» ومن «جهل موازين القوى» في العالم، وأيضا «تجاهل» القوى العميقة التي تحرّك الشعوب والدول والثقافات والقارّات.

وإذا كان هوبير فيدرين يؤكد أن «الدول هي المسؤولة الرئيسية عن خرق حقوق الإنسان» في العالم، فإنه يطالب المنظمات غير الحكومية بضرورة عدم نسيان أن «أسوأ الأوضاع يتمثّل في غياب الدولة». وهكذا يبدو أن المنظّمات «غير الحكومية» ستكون هي نفسها في أفق عشر سنوات قادمة «آخر المدافعين عن الدولة» في مواجهة العولمة والبحث المشبوب عن القوة الشاملة في مختلف الميادين الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

مع ذلك يتم التأكيد على ضرورة عدم الخلط بين «عشرات الآلاف من المنظمات غير الحكومية» الكبيرة والصغيرة، وتلك التي تتدخل في حالات الطوارئ والكوارث المستجدة هنا وهناك وأخرى جعلت مهمتها الأساسية هي التنمية على المدى الطويل وثالثة حدوث نشاطها في العمل على ضرورة احترام حقوق الإنسان دون الاهتمام بأية مشاريع ميدانية.

بكل الحالات قد تقتضي «المصداقية» الجمع بين عدة أهداف إذ يمثّل شرط النشاط في الميدان عامل دعم كبير من أجل الفعالية في مجال شجب خرق حقوق الإنسان. وإذا كان من الصحيح القول أن العديد من المنظمات غير الحكومية ليست سوى ستار تختبئ وراءه سلطات الدول و أنها ناطقة باسم مجموعات مصالح، فإنه لا يمكن لأحد أن ينفي الدور الرائد الذي لعبته في الميدان الإنساني بعد الحرب العالمية الثانية.

ومن المفاهيم التي يتعرّض لها هوبير فيدرين بالدراسة والتحليل مفهوم «المجموعة الدولية». إنه يشرح من موقع العارف الخبير كم هو «هش» ما يقال وما يردد عن «الدور الفاعل» لهذه المجموعة. ذلك أنه وبعيدا عن «التصريحات العامة» لم يتم التوصل إلى «ضبط إيقاع» حركة العالم وإنما تكاثرت المجابهات على خلفية واقع أشكال متعاظمة من اللامساواة، ووجود شرخ عميق بين أبناء ال30 بلدا المحميّة والمؤمنة الأكثر غنى في العالم وبين ال175 مليون إنسان (3 بالمائة من مجموع سكان العالم) المحكوم عليهم بالهجرة.

ووجود مشاكل خطيرة تتعلق بالبيئة. يضاف إلى هذا كله واقع الصدام بين الثقافات والحضارات. تلك هي بعض الإشكاليات الرئيسية التي يواجهها العالم اليوم في القائمة «الطويلة» التي يتعرّض لها هوبير فيدرين. ويؤكد هوبير فيدرين أن العالم الجديد «متعدد الأقطاب» الذي يحيط بالغربيين قد أفقدهم بعض قدرتهم في التأثير بمسيرة التاريخ. هذا على عكس ما كان قد بدا للكثيرين في بداية مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ثم إن هذا العالم الجديد وعلى الرغم من فعاليته الاقتصادية اللبرالية في ظل العولمة ولعبة السوق فإنه لا يحسن السيطرة على نتائج هذه الفعالية على صعيد البيئة والصعيد الاجتماعي بشكل خاص. بكل الحالات يؤكد فيدرين هنا أيضا على أن مسألة ضرورة الوصول إلى نوع من الضبط والتنظيم يمكن للمؤسسات الدولية أن تشارك بهما. لكن المسؤولية الأساسية سوف تبقى على عاتق الدول باعتبارها القادرة «إذا اقتضت الضرورة» على اتخاذ قرارات هامة.

فكيف يمكن الوصول إلى عالم أفضل؟ إن وزير خارجية فرنسا الأسبق يقوم بعملية نقد صريحة وواضحة، مستخدما ما عرفته السنوات الأخيرة من تطورات، للأطروحات التي يقدمها «اللبراليون المتزمتون» كي يحددوا الطريق اللبرالي للوصول إلى عالم أفضل. وينتقد ضمن نفس السياق أيضا أطروحات «أنصار العالم ثالثية» من مناهضي العولمة. إنه يجد ما يسميه بـ «الطريق الثالث»، ولكن ليس على طريقة رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير، الذي تقوم له الدول بدور رئيسي و«ذكي».

إنه «طريق ضيّق» يتميّز بالقيام بعدة اقتراحات مستقاة من الواقع. ومن بين هذه الاقتراحات المقدمة زيادة أعضاء مجلس الأمن القومي وتحديد ضوابط لاستخدام حق النقض «الفيتو» والوصول إلى توقيع اتفاقية جديدة لمنع انتشار الأسلحة النووية، واتفاقية أخرى تنوب عن «اتفاقية كيوتو» التي لم توقع عليها حتى الآن الولايات المتحدة الأميركية بخصوص ضبط انتشار الغازات المؤذية الصادرة عن المصانع، وإصلاح نظام المساعدات الغذائية على الصعيد العالمي، الخ.

ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن مستقبل مسيرة التوحيد الأوروبي، وهو يؤكد على ضرورة توضيح العديد من النقاط الخاصة بالحدود، فهذه مسألة جوهرية بالنسبة لانضمام، أو عدم انضمام، تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتقاسم السلطات بحيث يتم تحديد واضح وصريح لصلاحيات المفوضية الأوروبية. ويقدم هوبير فدرين قائمة من عشرة بلدان تتطلع للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من بينها بلدان منطقة غرب البلقان وسويسرا والنرويج وايسلندا - إذا رغبت ذلك - ، لكنه يترك جانبا أوكرانيا وبلاد القوقاز.

ويؤكد المؤلف في نفس الإطار أنه من الملحّ والضروري فتح نقاش حول مكانة أوروبا في العالم. فالنغمة الأوروبية النشاذ يجدها مرادفا للعجز. أما الفكرة الرئيسية التي يؤكد عليها فهي تشجيع مشاريع ملموسة والنجاح في تحقيقها مما سوف يعطي من جديد «الرغبة في إحياء أوروبا».

في الصفحات الأخيرة من الكتاب يتحدث المؤلف عن فرنسا، ويؤكد أنه عليها متابعة الدفاع عن مصالحها الحيوية وعن الاستقلال الذاتي في مجال اتخاذ قراراتها ولا ينسى أن يؤكد أيضا أنه «لا ينبغي على فرنسا أن تشعر بالخجل من ماضيها ومن قيمها»، وعليها أن تبقى وفية لمبادئها والتزاماتها. لكن فرنسا «لم تعد تستطيع أن تفعل أي شيء وحدها»، كما يقول ثم يضيف بحتمية «الطريق الأوروبي».

*الكتاب:التاريخ مستمر

*الناشر: فايار ـ باريس 2007

*الصفحات:150 صفحة من القطع المتوسط

Continuer l'histoire

Hubert Vedrine

Fayard- Paris- 2007

p.150