تعمل مارلين لارويل، باحثة في مركز دراسات العالم الروسي والقوقازي وأوروبا الوسطى في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية في باريس. لها عدة مؤلفات من بينها: «البحث عن هوية إمبريالية: النزعة الأوروبية - الآسيوية الجديدة في روسيا المعاصرة» و«الأحمر والأسود: اليمين المتطرف والنزعة القومية في روسيا».
وسيباستيان بيروز، المؤلف الثاني للكتاب، هو باحث في مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس. له عدة مؤلفات من بينها: «نظرات على المسألة الدينية في آسيا الوسطى السوفييتية وما بعد السوفييتية» و«روس كازاخستان». هويات وطنية ودول جديدة في المجال ما بعد السوفييتي»، هذا الكتاب بالاشتراك مع مارلين لارويل أيضا.
في الكتاب الجديد عن «آسيا الوسطى، الجنوج الاستبدادي»، يعالج الثنائي لارويل، بيروز الرهانات الجديدة التي تواجهها الجمهوريات الخمس في آسيا الوسطى، أي كازاخستان وقرغيزستان واوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان. ويتم التأكيد منذ بداية التحليل أن قادة هذه الجمهوريات الخمس والذين كانوا بأغلبيتهم القادة السابقين للحزب الشيوعي في مناطقهم عندما كانت ضمن إطار الاتحاد السوفييتي السابق، رددوا نفس النغمة عند سقوط الإمبراطورية الشيوعية حيث أظهروا حماسهم لنشر الديمقراطية والالتزام الكامل والشامل بقواعد اقتصاد السوق، أي التأكيد على «الابتعاد» سياسيا عن النهج السابق والاقتراب اقتصاديا من الليبرالية في إطار العولمة.
وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي يتم تطويرها في القول أن الجمهوريات المعنية عندما تركت (الخطاب الشيوعي) قامت بنفس الوقت بتطوير «خطاب قومي» يؤكد على الهويات السابقة للعهد السوفييتي وعلى ضرورة انتهاج سياسات تتماشى مع (الخصوصيات) التاريخية والثقافية والاثنية التي تتمتع بها كل جمهورية من الجمهوريات الخمس. ذلك على أساس أن مثل هذا النهج «الاستقلالي» يحظى ب«الشرعية» الكاملة الداعمة له.
ويقدم المؤلفان في البداية أيضا توصيفا كاملا ودقيقا للأوضاع التي عرفتها كل جمهورية من الجمهوريات الخمس عند مطلع عقد التسعينات الماضي، أي أثر انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. وتبيّن الصورة المقدّمة على أن الدول المعنية قد عرفت خلال السنوات التي أعقبت «استقلالها» ونيلها السيادة من جديد بعد انفراط عقد الإمبراطورية السوفييتية أوضاعا اقتصادية وسياسية متباينة.
ذلك أن طاجيكستان قد دخلت اعتبارا من عام 1992، أي بعد أشهر قليلة من سقوط النظام الشيوعي، حربا أهلية طاحنة انخرطت فيها عدة مجموعات «إقليمية» مثّلت النخب «الشيوعية» من «الخوجنت» في الشمال وال«الكولياب» في الجنوب، والتي كانت تتصارع فيما بينها لكنها تحالفت من أجل الإبقاء على سيطرتها في آلة الدولة وعلى الاقتصاد في البلاد بمواجهة مجموعات الـ «الغارم» والـ «بالير» التي تضم «الإسلاميين- الديمقراطيين» وتطالب بحقّها في اقتسام السلطة وأن تكون ممثلة على مختلف هيئات الدولة.
وانتهجت جمهوريتان في آسيا الوسطى آنذاك أسلوبا في الحكم قريبا من ذلك الذي كانت روسيا قد عرفته في السنوات الأولى لما بعد الشيوعية تحت قيادة بوريس يلتسين. هاتان الجمهوريتان هما كازاخستان وقرغيزستان اللتان عرفتا جرعة كبيرة من الديمقراطية في الحياة السياسية للبلاد وجرعة أكبر في «لبررة» اقتصاديهما.
أما اوزبكستان وتركمانستان فقد اتسمت السنوات الأولى لما بعد سقوط الشيوعية بكثير من التردد في ولوج طريق الديمقراطية على صعيد السياسية والليبرالية على صعيد الاقتصاد. بل استمرت إلى حد كبير ممارسات الحقبة الشيوعية، لاسيما على صعيد قمع أية معارضة سياسية في البلاد ومهما كان مصدرها وكذلك لم يتم اتخاذ أية إجراءات ترمي إلى إصلاح «الاقتصاد المخطط»، إلا بطريقة محدودة جدا وبحيث بدا أنه لم يتم أي تغيير حقيقي.
وبعد أن يؤكد المؤلفان على أن الجمهوريات الخمس في آسيا الوسطى قد عرفت أوضاعا متباينة سياسيا واقتصاديا في سنوات الانطلاق الأولى لما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فإنها قد عرفت عمليا اعتبارا من عام 1995 نوعا من النهج «الموحّد» في سياساتها إذ تمحورت كلها حول تبني خط أكثر تصلبا وتشددا في منظور تعزيز نقاط ارتكاز الأنظمة السياسية القائمة وتدعيم دور السلطة المركزية، هذا إذا لم يكن سلطة الرئيس الحاكم. وهذا ما يسميه المؤلفان بـ «الجنوح الاستبدادي».
أما مظاهر هذا «الجنوح» فيتم تحديدها في قمع كل أشكال المعارضة ووضع حد نهائي لحرية الصحافة والإعلام، بل وتمجيد سلطة الفرد الحاكم حيث يشير المؤلفان إلى أن مثل هذه الممارسة قد وصلت في اوزبكستان وتركمانستان إلى حد «تعظيم» شخصيتي رئيسي البلدين في المناهج المدرسية نفسها. كذلك تتم الإشارة إلى خرق حقوق الإنسان في الجمهوريات المعنية الخمس وتحديد إجراءات السفر والخروج من البلاد. إلى آخر ما هناك من قائمة مظاهر الحد من الحريّات وصولا إلى بروز نوع من «كوريا شمالية ثانية»، حسب التعبير المستخدم بالنسبة لتركمانستان.
ويشير المؤلفان إلى أن نفس الفترة، أي انطلاقا من عام 1995 «جنح» البلدان الأكثر لبرالية بين جمهوريات آسيا الوسطى، أي تركمانستان وقرغيزستان نحو تقليص هامش الحريات الكبير الذي كان قد جرى منحه خلال السنوات الأولى من الحقبة ما بعد الشيوعية.
وقد بدت مظاهر «التقليص» تلك في الحقوق الممنوحة للأحزاب السياسية المعارضة في الجمهوريتين، وفي الحد من حرية الصحافة والإعلام وقمع متزايد للصحافيين وللمدافعين عن حقوق الإنسان. وكانت جمهورية طاجيكستان قد عرفت هي الأخرى بعد حرب أهلية استمرت خمس سنوات كاملة ما بين 1992 و1997 نزوعا نحو «تقليص المجال» الممنوح للمعارضة كي تمارس نشاطاتها. ومهما تكن طبيعة تلك المعارضة، إسلامية برزت على الساحة في مواجهة الحكومة طيلة السنوات الخمس، أو علمانية من قبل بعض القوى السياسية «الليبرالية» بنفس الوقت جرى توظيف جميع بنى الدولة كي تصب في خدمة السلطة المركزية عامة، والرئيس خاصة.
ومثل هذا التوجه لم يقتصر على طاجيكستان، كما يؤكد المؤلفان، وإنما عرفته أيضا الجمهوريات الأخرى حيث تكذّست المسؤوليات بين أيدي «المقرّبين» من مركز القرار بقصد السيطرة على السلطة السياسية ولكن أيضا وأساسا على الثروات الاقتصادية للبلاد. ويرى المؤلفان أن ذلك «الجنوح الاستبدادي» استمر في الجمهوريات الخمس لآسيا الوسطى بهذا القدر أو ذاك، اعتبارا من عام 1995 وحتى عام 2005. ذلك أن تلك السنة شهدت «منعطفا» في تاريخ البلدان المعنية، إذ بدأت عدة مؤشرات على كسر «الجمود» الذي ساد خلال عقد كامل من الزمن.
وتتم في هذا الإطار الإشارة إلى حدثين كبيرين عرفتهما المنطقة المدروسة. يتمثل الحدث الأول في «ثورة الزنابق» التي عرفتها قرغيزستان خلال شهري فبراير ومارس من تلك السنة 2005 والتي جاءت كصورة «مكررة» لما كانت قد عرفته اوكرانيا عام 2004 و«ثورتها البرتقالية». لقد قام القرغيزيون بمظاهرات شعبية سلمية أطاحت بحكم عسكر اكاييف بعد تربعه على السلطة مدة 15 عاما.
ويتمثل الحدث الكبير الثاني في مظاهرات الاحتجاج الاجتماعية التي شهدتها مدينة انديجان في اوزبكستان يوم 13 مايو 2005 من أجل المطالبة بإصلاح النظام القضائي ولكن عن «مضايقة» التجار الصغار. جوبهت تلك المظاهرات بقمع دموي. وكان ذلك الحدث وراء إطلاق نقاش واسع على مستوى البلاد حول طبيعة النظام القائم. وقد كان رد الفعل مشابها تقريبا لدى سلطات الجمهوريات الخمس وهو تقليص أكبر لمجال حرية التعبير ورفع درجة الحذر في العلاقات مع الدول الغربية المشتبه بدعمها لـ «الثورات» السلمية في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
إن مؤلّفي هذا الكتاب يحاولان شرح واقع أن الجمهوريات الخمس في آسيا الوسطى لم تكن مهيأة لاستغلال «اللحظة التاريخية» التي مثلتها القطيعة مع عقود طويلة من الوصاية القيصرية ثم السوفييتية. لقد بدا بوضوح أن «سلطة معززة» قادرة وحدها على إدارة فترة ما بعد القطيعة مع موسكو ومهما نجم عن ذلك من تهميش للمسار الديمقراطي.
كذلك يتم التأكيد على أن السلطات المحلية رأت، بعد 11 سبتمبر 2001، إن تدعيم «نزعة استبدادية علمانية» تشكل الطريق الأمثل أمام صعود الحركات المتطرفة للإسلام السياسي. في المحصلة يرى المؤلفان أن عام 2005، ورغم «الجنوح الاستبدادي» للسلطات القائمة قد يمثل منعطفا نحو الخروج من الحقبة ما بعد السوفييتية.
*الكتاب:آسيا الوسطى، الجنوح الاستبدادي
*الناشر:اوترومون ـ باريس 2006
*الصفحات: 135 صفحة من القطع المتوسط
Asie Centrale
la dérive autoritaire
Marlène Laruelle, Sébastien Peyrouse
Autrement- Paris 2006
p.135

