قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور غي بيرفيلي أستاذ العلوم السياسية في جامعة تولوز بجنوب فرنسا. وهو مختص بالشؤون الاستعمارية للإمبراطورية الفرنسية. كما أنه مختص بدراسة حركات التحرر الوطني التي أدت إلى القضاء على الاستعمار ونيل هذه الشعوب لحرياتها وفي طليعتها الشعب الجزائري الذي خاض حربا طويلة ومريرة ضد القوى الاستعمارية الفرنسية من أجل نيل استقلاله. وكان قد نشر سابقا كتابا بعنوان: أطلس عام لحرب الجزائر، من الفتح الاستعماري إلى الاستقلال (2003). ثم كتابا آخر بعنوان: من أجل تاريخ حقيقي لحرب الجزائر (2002).

وفي هذا الكتاب الجديد يعود المؤلف إلى الموضوع من جديد ويقول بما معناه: لقد لزم علينا أكثر من ثلاثين سنة لكي تعترف فرنسا بحقيقة ما جرى في الجزائر من عام 1954 إلى عام 1962. ففي السابق كانت تتحدث عن حصول أعمال شغب وخروج على النظام. ولم تكن تعترف بثورة شعب بأكمله من أجل نيل استقلاله. لم تكن تعترف بحصول حرب استعمارية هناك، بل وحرب ضارية، بشعة، استخدمت فيها كافة أنواع الأسلحة من مشروعة وغير مشروعة وبخاصة من قبل المستعمر الفرنسي.

كانت السلطات الفرنسية آنذاك تتحدث عن حصول أعمال «إرهابية» تقوم بها الجماعات المتمردة الجزائرية. ولم تكن تعترف بوجود مقاومة مشروعة للمحتل. وبالتالي فالسؤال المطروح على فرنسا هو التالي: هل كان تمردها على المحتل النازي أثناء الحرب العالمية الثانية إرهابا أم مقاومة؟ بالطبع فهي تدعوه مقاومة، بل وتفتخر بها. ولكنها ترفض أن تطبق نفس المصطلح النبيل على الشعب الجزائري وانتفاضته المباركة التي أدت إلى الاستقلال.

وهنا توجد معايير مزدوجة لا تليق ببلد حضاري كفرنسا: أي بلد يزعم بأنه المهد الأول للثورة الفرنسية والتنوير وحقوق الإنسان. ولذا فإن المؤلف يحاول إعادة الأمور إلى نصابها بعد مرور أربعين سنة أو أكثر على اتفاقيات «ايفيان» الشهيرة التي أدت إلى نيل الشعب الجزائري لاستقلاله وسيادته على أرضه الوطنية المغتصبة على مدار مئة واثنين وثلاثين عاما.

يتألف الكتاب في هيكليته العريضة من تسعة فصول مع مقدمة عامة وفهرس بالمراجع. وفي المقدمة العامة يقول المؤلف ما معناه: كانت كلمة حرب قد استخدمت منذ البداية من قبل الطرف الجزائري للدلالة على الانتفاضة المسلحة التي اندلعت في جبال الأوراس ضد المحتل الناصب. وكانت الثورة الجزائرية قد دعتها منذ البداية بحرب التحرير الوطنية الجزائرية وقد حصل ذلك في الأول من نوفمبر عام 1954.

وقد أدت هذه الانتفاضة المباركة إلى زعزعة المستعمر الفرنسي أولا ثم إخراجه ثانيا من البلاد وبعد أن حمل مليون مستوطن أو أكثر حقائبهم وعادوا إلى فرنسا. وهكذا أصبحت البلاد ملكا لأصحابها الشرعيين بعد إجلاء آخر جندي ومستوطن استعماري فرنسي عن أراضيها. ولكن السلطات الجزائرية تدعو هذه الحرب أحيانا بالثورة الجزائرية أو حتى بالجهاد المبارك من أجل القضية المقدسة.

وبالتالي فهناك تسميات عديدة من طرف الجزائريين لما حصل من أحداث جسام بين عامي 1954-1962. ولكن هذه التسميات ظلت مرفوضة من قبل فرنسا حتى عام 1999 أي طيلة أكثر من أربعين عاما. كانت المراجع الفرنسية تتحدث كما قلنا عن عمليات شغب إرهابية، أو خروج على النظام، أو أي شيء من هذا القبيل. وهذا يمثل أكبر احتقار لحقائق التاريخ ويدل على أن فرنسا تجد صعوبة كبيرة في الاعتراف بماضيها الاستعماري أو مواجهة الحقيقة وجها لوجه. والواقع أنه ينبغي عليها أن تعتذر للشعب الجزائري يوما ما.

الفصل الأول من الكتاب يحمل العنوان التالي: الجزائر الكولونيالية: أي كيف استعمرت فرنسا الجزائر. وفيه يقول المؤلف ما معناه: في الرابع عشر من شهر يونيو عام 1830 صدر قرار عن الملك الفرنسي شارل العاشر يقول ما يلي: في هذا اليوم المجيد قررت فرنسا الاستيلاء على الجزائر عن طريق حملة عسكرية كبرى قادها الجنرال بورمون.

وفي عام 1930، أي بعد مئة سنة من استعمار الجزائر، أقامت فرنسا الإمبراطورية نصبا تذكاريا تقول فيه: إن الجزائر مدينة لفرنسا بالكثير لأنها استعمرتها وأدخلتها في الحضارة وأخرجتها من الهمجية والبربرية. هكذا كان يفكر الاستعماريون عام 1930. ولم يكن يدور في خلدهم أن الجزائر سوف تستقل وتنفصل عن فرنسا يوما ما. كانوا يعتقدون أنه أصبحت جزءً لا يتجزأ من الأمة الفرنسية، أو الوطن الأم كما كانوا يقولون آنذاك.

وبالتالي فالكتب المدرسية كانت تقدم آنذاك صورة مشرقة عن استعمار فرنسا للجزائر. وكانت تعمم هذه البرامج على مختلف الطلاب سواء في المدارس الفرنسية أو الجزائرية. كانت تحاول أن تقنعهم بأن فرنسا تقوم هناك بعمل نبيل من أجل تطوير الشعب الجزائري. ولكن الحقيقة كانت شيئا آخر. فالواقع أنها أقامت هناك نظاما استعماريا استيطانيا من أبشع أنواع الاستعمار. فقد دفعت بمئات الآلاف من فرنسيين وأوروبيين إلى مواكبة الجيش الكولونيالي والاستيلاء على بلد بأكمله يدعى «الجزائر».

وعندئذ راح المستوطنون البيض يستولون على أفضل الأراضي الخصبة للوطن الجديد ولا يتركون للسكان الأصليين إلا الفتات. هذه هي الحقيقة. راحوا يقيمون نظاما استعماريا عنصريا يفرق بين الأوروبي والجزائري في كافة الحقوق والواجبات. فالأول له كل الحقوق والثاني ليس له إلا حق الطاعة وتنفيذ إرادة الأول.

وقد اعترف بهذه الحقيقة الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر عندما أدان الاستغلال غير الشريف للأراضي الجزائرية من قبل المستوطنين الفرنسيين أو الأوروبيين بشكل عام. وقال بأن الثروة الجزائرية كانت في يد المستعمرين في معظمها ولم يترك للسكان الأصليين منها إلا الشيء اليسير. إنه لعار على الاستعمار الفرنسي البغيض أن يكون قد تخلى عن المبادئ الحضارية لفرنسا وضرب بها عرض الحائط. ففرنسا هي بلد التنوير والثورة الفرنسية وحقوق الإنسان وما كان يليق بها أن تتنكر لكل ذلك. نعم لقد خانت مبادئها الأساسية.

والآن ماذا عن موازين القوى بين المستعمرين والسكان الأصليين؟ كم كان عدد هؤلاء وأولئك؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: في عام 1856 كان عدد المستوطنين الفرنسيين والأوروبيين في الجزائر لا يتجاوز المئة ألف شخص. هذا في حين أن عدد المسلمين الجزائريين كان يتجاوز الثلاثة ملايين شخص. وبالتالي فعلى الرغم من كل الجهود التي بذلتها الإدارة الاستعمارية لإرسال الأوروبيين إلى هناك إلا أن موازين القوى الديمغرافية أو السكانية ظلت لصالح الجزائريين المسلمين من عرب وبربر.

ولكن ينبغي الاعتراف بأن المجازر التي ارتكبت هناك أثناء إخضاع الجزائر أدت إلى نقصان عدد السكان الأصليين فنزل إلى مليون شخص فقط عام 1872. وهذا أكبر دليل على مدى وحشية الاستعمار وضراوته. ينبغي العلم بأن فرنسا الإمبراطورية لم ترسل إلى هناك فقط الفرنسيين وإنما أرسلت أيضا الأوروبيين وبأعداد كبيرة من اسبانيا، وإيطاليا، ومالطا، بل وحتى سويسرا وألمانيا. وقد كانت هناك سياسة متعمدة تهدف إلى إنقاص عدد السكان العرب أو المسلمين البربر وزيادة عدد السكان من أصل أوروبي. ولكن هذه السياسة فشلت في نهاية المطاف فظلت الجزائر جزائرية، عربية، إسلامية أمازيغية.

وظل المستوطنون أقلية في معظم أنحاء البلاد ما عدا بعض المدن الكبرى كوهران والجزائر العاصمة وسواهما. ولكن حتى هنا فإنهم أصبحوا أقلية بعد فترة من الزمن نظرا لهجرة الأرياف إلى المدن في النصف الأول من القرن العشرين. وهكذا خسرت فرنسا معركة الديمغرافيا. وكانت هذه الخسارة تمهيدا للهزيمة النهائية التي أدت كما قلنا إلى رحيل المستعمرين عن أرض الجزائر الحرة. مليون شخص حملوا حقائبهم يوما ما وعادوا إلى فرنسا بعد أن عرفوا أن هذه البلاد ليست لهم وإنما لأصحابها الشرعيين.

*الكتاب:حرب الجزائر

*الناشر:المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس2007

*الصفحات :128 صفحة من القطع الصغير

La guerre d'Algérie

Guy Pervillé

P.U.F - Paris

p. 128