مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والصحافي الأميركي كريس هيدجيز خريج جامعة هارفارد ومراسل صحيفة النيويورك تايمز. وقد قام مؤخراً بتحريات ميدانية واسعة عن اليمين المسيحي الأميركي الذي أصبح تيارا قويا في بلاد العم سام بعد ضربة 11 سبتمبر على وجه الخصوص.

ويرى هذا المؤلف أن المتطرفين المسيحيين أو الأصوليين البروتستانتيين يشكلون خطرا على أميركا ذاتها قبل غيرها. ويرى فيهم نوعا من الفاشيين الجدد المتحمسين جدا لعقائدهم وأفكارهم الضيقة. وهم يذكرونه بالفاشيين والنازيين الذين كانوا يشكلون تيارا عريضا في النصف الأول من القرن العشرين.

يقول المؤلف بما معناه: لشد ما تغيرت أميركا! ففي الماضي كانت علمانية، ليبرالية، تقدمية. في الستينات من القرن الماضي صرح الرئيس جون كنيدي قائلا: أريد أن تكون أميركا علمانية مئة بالمئة: أي أن تفصل الكنيسة عن الدولة. أريد أن يكون الرئيس علمانيا، أي أن تكون عقائده الدينية ذات طابع شخصي محض. في الواقع أن كنيدي ينتمي إلى الأقلية الكاثوليكية. وكان يريد طمأنة الأغلبية البروتستانتية التي خافت من انتخاب أول رئيس كاثوليكي لأميركا.

ولكن الرؤساء اللاحقين كانوا كلهم بروتستانتيين وملتزمين بالدين المسيحي التزاما قويا. نذكر من بينهم رولاند ريغان (1981-1989)، وجيمي كارتر (1977-1981)، وجورج دبليو بوش، الرئيس الحالي الذي لا يخفي مشاعره الدينية. وكلهم استخدموا إيمانهم الديني كمحاجة سياسية لدعم انتخابهم ولجذب التيار اليميني المسيحي القوي جدا في الولايات الجنوبية لأميركا. فالرئيس بوش أكثر من الإشارات إلى الدين والإيمان بالله بل واعتبر أعماله وقراراته وكأنها ممليّة عليه من قبل الإرادة الإلهية. وهكذا حصد الأصوات الانتخابية لملايين المسيحيين المتشددين.

ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن الرئيس الحالي لم يكن أول من أدخل الدين في السياسة. فالرواد الأوائل الذين أسسوا أميركا كانوا مفعمين بالأساطير التوراتية القديمة، وكانوا يعتقدون أنهم يلعبون نفس الدور الذي لعبه العبرانيون سابقا عندما اكتشفوا «أرضهم الموعودة».

ولكن مبدأ الفصل بين الدين والدولة فرض نفسه في دستور عام 1791 من أجل ضمان السلام الديني في المجتمع الأميركي المشكل من عدة أديان ومذاهب وأعراق وقوميات مهاجرة. ثم من أجل ضمان الازدهار الاقتصادي وتحاشي الحروب الأهلية التي فرقت القارة الأوروبية عندما انقسمت إلى كاثوليكيين وبروتستانتيين. ومعلوم أنهم تصارعوا مع بعضهم البعض في حروب ضارية طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر. بل واستمر الصراع حتى أواخر القرن العشرين فيما يخص ايرلندا الشمالية كما هو معلوم.

ولكن الشيء المؤكد على أي حال هو أن تأثير اليمين المسيحي على سياسة الرؤساء الأميركان لم يكن كبيرا كما هو عليه الحال اليوم. وسبب ذلك يعود إلى عوامل عديدة من بينها 11 سبتمبر. فالمسيحيون شعروا بحقد كبير على الإسلام والمسلمين بعد هذه الضربة التي أهانت أمريكا في عقر دارها وأدت إلى سقوط ثلاثة آلاف شخص دفعة واحدة. ولذلك أصبحوا متطرفين أكثر فأكثر. أو قل بأن التيار المتطرف لديهم استغل هذه المأساة لكي يحشد الأنصار حوله ولكي يؤلبهم على المسلمين والعرب أجمعين دون تمييز.

ولكن لا ينبغي الاعتقاد بأن كل الأميركان هم من اليمين المسيحي المتطرف. فالواقع أنهم يشكلون أقلية بالقياس إلى المسيحيين المعتدلين أو العلمانيين. إنهم لا يشكلون أكثر من عشرين بالمئة من الشعب الأميركي. أما البقية فمسيحيون ليبراليون أو مستنيرون أو علمانيون مؤمنون أو حتى ملاحدة لا علاقة لهم بالدين.

ولكن اليمين المسيحي يشكل قوة سياسية محافظة بسبب حسن تنظيمه وقربه من الحزب الجمهوري الحاكم في أمريكا حاليا. فلهم كنائسهم، وفضائياتهم التلفزيونية التي تبث أفكارهم المتشددة على مدار الساعة. ولهم جرائدهم ومجلاتهم وندواتهم ومؤتمراتهم التي تجمع مئات الآلاف من البشر. وهم مضادون لنظرية التطور لداروين وللمساواة بين البيض والسود ولحقوق المرأة، الخ.

ثم يقول المؤلف بما معناه: ومن أهم قادة اليمين المسيحي في أمريكا يمكن أن نذكر جيري فالويل الذي مات هذا العام، ثم بات روبيرستون، الذي رشح نفسه لرئاسة الجمهورية عن الحزب الجمهوري عام 1987 ولكنهم رفضوه وفضلوا عليه جورج بوش الأب. وهو رجل معتدل وغير متدين كثيرا على عكس ابنه الحاكم لأميركا حالياً.

في الواقع أن تيار اليمين المسيحي لم يظهر على الساحة بقوة إلا بعد عام 1970. قبل ذلك كان التيار الليبرالي هو المسيطر. وكان يحتقر الأصوليين ويتهمهم بالجهل والتعصب والظلامية. وقد ظهر التيار الأصولي كرد فعل على النزعات التحررية الجنسية وغير الجنسية التي اكتسحت المجتمع الأميركي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. بل وظهر كرد فعل على الشذوذ الجنسي الذي أصبح على الموضة آنذاك كما يقال. ولكنه بالغ في رد الفعل هذا إلى حد أنه أصبح متعصبا وكارها لكل ما هو غير أميركي أو غير مسيحي أو حتى غير بروتستانتي.

ثم يقول المؤلف بما معناه: لقد استفاد اليمين المسيحي من ظهور نزعات الانحلال في المجتمع الأميركي لكي يدعو الناس إلى الارتباط بالأفكار التقليدية لأميركا. وقال بأنه هي وحدها التي تعصمنا من التفكك والانهيار النفسي والاجتماعي. وكان معه الحق إلى حد ما في ذلك. ولكنه بالغ في رد الفعل وأصبح متعصبا بدوره وبرفض أي مفكر آخر.

ولهذا السبب اصطدم بالتيار الليبرالي الذي أصبح يخشاه ويخشى أطروحاته المتزمتة. والواقع أن التيار الأصولي أصبح يشكل تهديدا لحرية الضمير والمعتقد في الولايات المتحدة الأميركية. وفي حرية مقدسة ولا يمكن التراجع عنها بأي حال من الأحوال بالنسبة للشعب الأميركي.

ولكن الأصوليين يعرفون كيف يضربون على وتر العصبيات الضيقة من طائفية وعرقية ومذهبية. ولذلك جمعوا حولهم أعدادا كبيرة من الناس. ثم جاءت ضربة 11 سبتمبر لكي تصب الزيت على النار وتعطيهم دفعا جديدا. وقد استغلوها أكبر استغلال لتأليب الشعب الأميركي على الإسلام والمسلمين. ونجحوا في ذلك إلى حد كبير نظرا لشعور معظم الأميركان بالإهانة والمرارة بعد كل تلك الضربة المؤلمة.

ولكنهم لم ينجحوا في تطبيق برنامجهم على المجتمع الأميركي. ولم يستطيعوا القضاء على العلمانية وتحويل المجتمع الأميركي إلى مجتمع مسيحي يخضع لإرادة رجال الدين. ولم يستطيعوا فرض الصلاة المسيحية على الطلاب داخل المدارس العامة الأميركية. بل ولم يستطيعوا منع تدريس نظرية التطور لشارل داروين كما كانوا يرغبون وفرض نظرية التوراة محلها. وهي النظرية اللاعلمية واللاتاريخية المستمدة من سفر التكوين.

ثم حصل تحالف بين اليمين المسيحي والمحافظين الجدد على الرغم من أن هؤلاء الأخيرين علمانيون بل وملاحدة في قسم كبير منهم. ولكن جمعتهم المصالح والأهداف. فهم يريدون محاربة الأصولية الإسلامية ودعم دولة إسرائيل بأي شكل. ويعتقد المتطرفون المسيحيون هناك بأن المسيح المخلّص لن يظهر من جديد في فلسطين إلى بعد جمع اليهود كلهم فيها ثم استئصالهم عن بكرة أبيهم.

*الكتاب:الفاشيون الأميركان - اليمين المسيحي والحرب على أميركا

*الناشر:فري بريس- نيويورك 2007

*الصفحات :272 صفحة من القطع المتوسط

American fascists

the christian right and the war on America

Chris Hedges

Free Press- New york

P.272