انطوني جيدنس عالم اجتماع بريطاني، ساهم منذ أواسط عقد التسعينات الماضي بدفع بلاده نحو «نقلة نوعية» تحت عنوان «الطريق الثالث» الذي تبنّاه توني بلير كـ «نهج» في الحكم بعد أن جرى تحويل حزب العمال القديم إلى «حزب العمال الجديد» ذلك بعد تخلصه من إيديولوجيته اليسارية واستلهامه من «النموذج الليبرالي» الأميركي بعض توجهاته.

هكذا أطلقوا على انطوني جيدنس لقب «أب مبدأ حزب العمال الجديد». هو من مواليد عام 1938. بدأ حياته المهنية كأستاذ في جامعة كمبردج. قدّم العديد من الكتب التي نالت شهرة كبيرة من أولها «نتائج الحداثة» المنشور عام 1991 وله أيضاً: «أوروبا في عصر العولمة» و«الدولة ـ الأمة والعنف». ومن أشهر أعماله «الطريق الثالث» المنشور عام 1998 أي بعد عام من تعيينه مستشاراً لدى رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير ومن إدارته لمدرسة لندن الشهيرة للاقتصاد.

«جاء دورك، سيد براون» كتاب يقدّم فيه مؤلفه رؤيته للوضع البريطاني ومستقبله في ظل رئيس الوزراء الجديد غوردون براون. هكذا إذن بعد عشر سنوات من مساهمته الحقيقية والفعالة في مساعدة توني بلير على تجديد حزب العمال عبر التوليف بين النموذجين الأميركي «الديمقراطي» على طريقة كلينتون والاجتماعي ـ الديمقراطي الاسكندينافي بشكل رئيسي، يحاول أن يقدم في هذا العمل الجديد بعض «المفاتيح الأساسية» للمحافظة على حزب العمال الجديد في قلب اللعبة السياسية البريطانية.

إن «غوردون براون» لم يرث شخصاً وإنما ورث في الواقع حقبة ونهجاً في الحكم. هذا لاسيما وأنه هو نفسه «المهندس» الحقيقي، من موقعه كوزير للاقتصاد خلال سنوات طويلة، لهيكلية حزب العمال الجديد، بل لا يتردد «جيدنس» في التأكيد أن مساهمته كانت أكبر من مساهمة بلير نفسه، وقد كانت تقع على كاهله مسؤولية رسم «الاستراتيجية الاقتصادية» التي استطاعت أن تمحي من أذهان البريطانيين فكرة أن حزب العمال يميل بطبيعته إلى «الإنفاق الكبير» وإلى فرض الضرائب.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن براون «أكثر يسارية» من بلير الذي كان شخصية «براغماتية» تهمها المردودية والنتائج بعيداً عن أية مواقف إيديولوجية. يقدم انطوني جيدنس محصلة «إيجابية» إجمالاً لفترة حكم توني بلير. ذلك اعتماداً على المقارنة بين ما حققته بريطانيا خلال السنوات العشر المنصرمة وما حققته الحكومات «اليسارية» الأخرى وفي مقدمتها إدارة بيل كلينتون في الولايات المتحدة الأميركية وحكومة ليونيل جوسبان الاشتراكية في فرنسا وحكومة رومانو برودي في إيطاليا.

ويعتبر جيدنس أن «الطريق الثالث» هو عبارة عن «تجديد الديمقراطية الاجتماعية» و«الاعتراف أن العدالة الاجتماعية هي بمثل أهمية النجاح الاقتصادي، وأنه يمكن التوفيق بين المطلبين». ويؤكد انطوني جيدنس أن المبادئ الأساسية لـ «الطريق الثالث» كما تمّ التعبير عنها عام 1998 لا تزال صالحة. والمبدأ الأول هو تركيز الانتباه على الاقتصاد قبل أي شيء آخر، ذلك أن تحقيق معدل نمو اقتصادي كبير هو السبيل الوحيد من أجل انتهاج سياسة اجتماعية فعّالة.

هذا ما يشرحه المؤلف على ضوء تجربة السنوات العشر لفترة توني بلير، مؤكداً أنه في كل مرة حقق فيها «الطريق الثالث نجاحاً» إنما تمّ الأمر عبر الجمع بين «قدرة المنافسة والتضامن». ومثل هذا الجمع يحدده في الواقع فيما عرفته البلدان الاسكندينافية وحققت من خلاله نجاحات كبيرة مشهود بها.

المبدأ الثاني الذي يؤكد عليه انطوني جيدنس هو الاحتفاظ بـ «موقع وسط» في حقل النشاط السياسي، ذلك أنه لا يمكن برأيه الفوز في الانتخابات عبر الاعتماد على طبقة اجتماعية واحدة. وهذا الرأي يمثل بحد ذاته تطوراً في تفكير اليسار البريطاني إذ يدعو إلى «تجاوز» اليمين واليسار بصيغتهما التقليدية على أساس أن الفعل السياسي يتم بالأحرى «على صعيد الوسط».

المبدأ الثالث في أولويات انطوني جيدنس للمرحلة المقبلة، كما كان الأمر بالنسبة للمرحلة السابقة، هو ضرورة الاستثمار في ميادين الخدمات العامة، وعلى رأسها التربية والصحة، ذلك إلى جانب إصلاحهما بنفس الوقت. ويشرح المؤلف كيف أن مثل هذه «الوصفة» قد نجحت إلى حد كبير في عهد حكومة بلير التي استثمرت عشرات المليارات في ميدان الخدمات العامة بسبب حالة التخلف الكبير الذي كانت تعاني منه.

وكانت ورقتها الرابحة هي في الربط بين الاستثمار والإصلاح مع البحث عن مصادر تمويل بديلة. ويتم التأكيد في هذا السياق أن الخطر الأكبر في آلية عمل الدول يتمثل في البيروقراطية، ذلك أنه يمكن مثلاً لـ «مؤسسات تجارية» أن تقوم بتقديم «أفضل الخدمات» وبما لا يقل كفاءة عن الدولة.

ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين للحديث عن ظاهرة الشيخوخة في البلدان الصناعية المتقدمة. ولا يتردد في اعتبار أن مثل هذا «التعبير» ليس ملائماً تماماً. فإذا كان من الصحيح القول ان متوسط عمر السكان قد ازداد كثيراً خلال العقود الأخيرة مما ترتب عليه زيادة أيضاً في عدد الطاعنين بالسن، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن «أسلوب» حياة هؤلاء الكبار في السن يقترب أكثر فأكثر من «أسلوب» الشباب.

ومثل هذا الواقع الجديد يطرح مسألة «سن التقاعد»، ويرى المؤلف أنه ينبغي القيام بعملية إعادة النظر جدياً بهذه المسألة وعدم ربط نهاية الخدمة بين الشخص وإنما بقدرته البدنية والنفسية على القيام بالعمل الموكل له. ترجمة مثل هذا القول تعني وجود أعداد أكبر من الأشخاص «الطاعنين في السن» على رؤوس عملهم لفترة أطول من الحدود التي تنص عليها القوانين النافذة حالياً في بريطانيا، وغيرها من البلدان المتقدمة. تجدر الإشارة إلى أن نسبة العاملين لمن تتراوح أعمارهم بين 55 سنة و64 سنة في بريطانيا كانت 4,57 بالمئة في بريطانيا مقابل 6,37 بالمئة في فرنسا.

ويؤكد انطوني جيدنس في تحليلاته لما ينبغي أن تكون عليه الأمور للمرحلة المقبلة على ضرورة أن تخوض الحكومة في كل المواضيع المطروحة للنقاش لدى الشارع البريطاني وعدم ترك هامش مكرّس للمعارضة وحدها.

ذلك أن المواطنين، أي الناخبين، ينتظرون تقديم إجابات كافية ووافية لهم حول مسائل تثير الكثير من اهتمامهم وفي مقدمتها الجريمة المنظمة، بما في ذلك وربما خاصة الإرهاب الذي تعرّضت له بريطانيا في الفترة الأخيرة والهجرة. ويطالب جيدنس بضرورة اتخاذ موقف حازم حيال الجريمة وضرورة «محاربة أسبابها» بنفس الوقت، إلى جانب التأكيد على اتخاذ إجراءات «اجتماعية» باتجاه أوسع الشرائح مثل الحد الأدنى للأجور.

في المحصلة يرى انطوني جيدنس أن غوردون براون ينطلق من وضع «أفضل» مقارنة مع عام 1997، أي مع بداية فترة حكم توني بلير. فاليوم هناك تناقص مهم في نسبة المواطنين البريطانيين الذين يعيشون في مستوى دون عتبة الفقر، وخدمات عامة أفضل مما كانت عليه قبل عشر سنوات ومرونة أكبر في سوق العمل وكم كبير من الإصلاحات الدستورية. ثم هناك إحلال السلام في ايرلندا الشمالية، الأمر الذي كان بعيداً عن التفكير تماماً عام 1997.

ويُبدي انطوني جيدنس قناعته بإمكانية أن يفوز حزب العمال الجديد لفترة حكم رابعة، على التوالي، عام 2009 أو عام 2010. وهو يقدّم «النصيحة»، بطريقة ما، لرئيس الوزراء البريطاني الجديد غوردون براون للذهاب أبعد في مسيرة الإصلاحات، إذ «لا ينبغي ترك الأغنياء ينعمون بالهدوء غير آبهين لشيء، إذ عليهم مسؤولية، وواجب مساعدة الفقراء».

ويتم التأكيد في هذا السياق على ضرورة تحديد أهداف واضحة ودقيقة «لعملية توزيع الثروة». ويكمن أحد الحلول المقترحة بفرض ضريبة على الثروة لا يصب مردودها في صناديق الدولة وإنما يتم توجيهه مباشرة نحو مشاريع خاصة مثل محاربة فقر الأطفال. يقول المؤلف: «إنني أدعو لنوع من المساواة الجديدة كشرط أساسي للنمو الاقتصادي على المدى الطويل. وينبغي لمثل هذا البرنامج أن يتمفصل حول سياسات تجديدية. وليس حول رفع تقليدي للضرائب. هذا هو السبيل الوحيد لتقليص أشكال عدم المساواة التي لا تزال موجودة بقوة في بريطانيا».

ويرى جيدنس أن «المرحلة الثانية» للطريق الثالث تتمثل بوجود مجتمع أكثر مساواة وأكثر اقتراباً من النموذج الاسكندينافي مع أمل أن يكون «أكثر سعادة». ولكن من المطلوب أولاً أن تكفّ الدولة عن اتخاذ القرارات بدلاً من المواطنين وتحلّ محلهم. وأن تعطيهم إمكانيات أن يأخذوا مصيرهم بيدهم. وهذا هو السبيل الوحيد برأي المؤلف، من أجل مواجهة العولمة.

«العولمة» هي أيضاً إحدى نقاط الاهتمام الأساسية في تحليلات انطوني جيدنس، ذلك أنها «قلبت» الكثير من المعطيات خلال السنوات العشر الأخيرة. وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة البشر. بالتالي لا ينبغي قبولها فحسب وإنما أيضاً الاستفادة منها. وفي المحصلة وجدت جميع اقتصادات العالم نفسها في «عالم واحد». والمؤلف يرفض الخطاب «المناهض للعولمة» كي يطالب بالتأقلم مع هذا التطور، لاسيما أن المنافسة قد لا تطال قطاع الصناعة والمنتوجات وإنما الخدمات أيضاً.

*الكتاب:جاء دورك سيد براون

كيف يمكن لحزب العمال أن يفوز أيضاً

*الناشر: بوليتي برس ـ لندن 2007

*الصفحات:256 صفحة من القطع المتوسط

Over to you, Mr Brown : how labour can win again

Anthony Giddens

Polity Press- London- 2007

p.256