يعمل مؤلف هذا الكتاب باحثا اجتماعيا ومستشارا لدى العديد من الشركات العاملة في حقل الصناعات البترولية، وكذلك لدى بعض الحكومات والمنظمات غير الحكومية. وتتركز استشاراته بشكل خاص على الآثار الاجتماعية لصناعة الطاقة على البلدان النامية ذات الاقتصاديات الضعيفة.

هذا الكتاب: «البترول والأرباح والسلام» هو حصيلة تجربة طويلة للمؤلف في ميدان اهتمامه. ويشير بداية إلى أن الشركات البترولية الكبرى المعروفة بـ «الأخوات السبع» التي تسيطر عمليا على السوق النفطي العالمي، اعتبرت حتى فترة وجيزة من الزمن أن ما تعرفه البلدان التي توجد الثروات النفطية والغازية فيها، من تفاعلات اجتماعية - اقتصادية وما يترتب على ذلك بالنسبة لسكانها، إنما هي أمور لا علاقة للشركات المعنية بها، بل وإنها «خارجة عن إرادتها «تماما» وبالتالي تقيم حساباتها على أساس الأسعار والأرباح، وكأنها مجرد أرقام لا علاقة لها بالواقع.

النتيجة المباشرة لمثل هذا التنصل من أية «مسؤولية» حيال الواقع الاجتماعي في البلدان النامية اكتسبت الشركات المعنية على مرور الزمن صورة «سوداء» بنظر أولئك المهتمين بشؤون حقوق الإنسان وأوسع من هذا بكل ما يتعلّق ببلدان العالم الثالث، كما شاعت التسمية للبلدان النامية في مواجهة البلدان الغنية.

لكن «عدم الاهتمام» الذي أظهرته الشركات البترولية الدولية لا يخفي واقع أن الصناعة النفطية أصبحت في قلب العديد من النزاعات الاجتماعية، بل والسياسية، في بلدان منتجة ونامية. ويقدم المؤلف ثلاث حالات يدرسها بعناية بهذا الشأن وتخص كلا من انغولا وأذربيجان والسودان. وكان المؤلف قد عمل لسنوات طويلة مستشارا للشركات البترولية الكبرى في هذه البلدان الثلاثة.

بالنسبة للحالة الانغولية لا يتردد المؤلف في القول إن «البترول» قد لعب دورا كبيرا في انتصار «جبهة تحرير انغولا» على جميع خصومها السياسيين وخاصة قوات «الاتحاد الوطني» وذلك بعد فترة من النزاعات والحرب الداخلية الطاحنة التي استمرت عدة سنوات وانتهت في عام 2002.

لكن الشركات البترولية الكبرى لم تفعل عمليا أي شيء يذكر من أجل المساهمة في تنمية البلاد الاقتصادية وأبقت نفسها بعيدة عن جميع البرامج التنموية حتى تلك التي كانت منظمة الأمم المتحدة تقوم برعايتها. كذلك تبيّن الصورة التي رسمها المؤلف لواقع انغولا على ضوء دور الشركات البترولية، إن هذه الأخيرة لم تفعل أي شيء من أجل تقوية مؤسسات المجتمع المدني، ولا حتى في التخفيف من حدة النزاعات الداخلية والتوترات القائمة في المناطق التي تتواجد فيه الثروات البترولية.

رغم أن هذه التوترات تهدد عمليا هذه الثروة الإستراتيجية بالنسبة للعالم كله. وتعتبر التحليلات المقدمة أن ظهور الصين على المسرح الإفريقي وما أبدته من اهتمام بمصادر الطاقة في هذه القارة، كما في غيرها من مناطق العالم، يمكن أن يشكل عاملا إيجابيا من حيث أنه يساعد على «استيقاظ» الشركات البترولية الغربية كي تأخذ دورها في المساهمة بتنمية البلدان التي تمارس فيها نشاطاتها وتحقق منها أرباحا طويلة والتي يكفي تخصيص نسبة منها لتحسين صورة الشركات البترولية «ذات السمعة السيئة».

وإذا كان من المشهور عن الصين أنها لا تولي أية أهمية تذكر لمسألة حقوق الإنسان، كما تشهد على ذلك ساحة تياننمن في بكين كما يشير المؤلف، فإنه من الأولى بالشركات الغربية أن تعطي صورة مغايرة. أما بالنسبة لأذربيجان ذات المسار التاريخي المأزوم بوقوعها بين قوتين كبيرتين تتنازعان حول النفوذ فيها، وأحيانا تتنازعان على أراضيها نفسها، هما إيران وروسيا وحيث كان ستالين قد قام باحتلال الجزء الاذربيجاني من إيران أثناء الحرب العالمية الثانية واضطر للتراجع عنه تحت ضغوط القوى الغربية، وعلى رأسها بريطانيا.

أذربيجان الحالية خسرت ما يعادل 14 بالمئة من أراضيها، حسب الإحصائيات التي يقدمها المؤلف ويحدد المناطق «الضائعة» في كاراباخ العليا والمناطق الواقعة بينها وبين الحدود الأرمينية. وفضلا عن استقطاع بعض مناطقها جغرافيا، وجدت اذربيجان نفسها مضطرة لتأمين إقامة ما يزيد عن مليون من المهجّرين الذين غادروا تلك المناطق للإقامة في «الوطن الأم» الذي يبلغ مجموع عدد سكانه ثماني ملايين نسمة.

وعلى قاعدة المسار التاريخي والواقع الاقتصادي والمعاشي القائم، تقوم اذربيجان، حسب التحليلات المقدّمة، باستخدام قسم مهم من الريع البترولي من أجل إعادة تسليح نفسها وربما في منظور «الثأر» ذات يوم. وبحيث يمكن أن تكون «أرمينيا» هي المستهدفة قبل غيرها من أجل استعادة «الأجزاء السليبة». وهنا يؤكد المؤلف أيضا أن الشركات البترولية الدولية، التي يحدد عددها ب13 شركة، تمتلك أدوات ضغط كبيرة من أجل منع بروز أفق الحرب والنزاعات الإقليمية التي قد تنطلق شرارتها الأولى من أذربيجان.

وتشارك بالتالي في «صناعة السلام» بهذه المنطقة الحساسة من العالم، والتي تشكل، بعد منطقة الخليج، إحدى المناطق الإستراتيجية على صعيد موارد الطاقة. ويشير المؤلف في هذا السياق بالأرقام إلى النسبة الكبيرة التي تمتصّها الميزانية الدفاعية في أذربيجان والتي بلغت في عام 2005 أكثر من ربع الميزانية العامة، يضاف إلى هذا نقطة ضعف أخرى كبيرة تعاني منها البلاد، ويحددها المؤلف بتفشي حالة من الفساد المعمم على المستوى الإداري على قاعدة المحسوبية والعلاقات القائمة على أساس المصلحة و«الزبائن» في مختلف مصالح الدولة.

وبعد أن يشير المؤلف إلى تجربته الطويلة في مجال الاستشارات «الاجتماعية» لدى الشركات البترولية الكبرى في كل من انغولا وأذربيجان، يؤكد أن الصورة تتكرر تماما بالسودان فيما يخص الدور الاجتماعي والتنموي للشركات المعنية، ويقارن بين الدولة القوقازية (أذربيجان) والسودان من حيث أنهما منتجان متواضعان حتى الآن للبترول حيث تنتج أذربيجان 4,22 مليون طن من البترول وتنتج السودان 7,18 مليون طن، وفي الحالتين حسب الإحصائيات المقدّمة لعام 2005.

ولكن الاحتياطات التي تمتلكها الأولى تقدر بمليار طن والثانية، أي السودان، ب900 مليون طن. بالمقارنة مع هذين البلدين، يحدد المؤلف القول أن ما تنتجه انغولا، البلد الثالث موضع الاهتمام في هذا الكتاب، لم يزل أدنى من مستوى إنتاج بلدان مثل الجزائر ونيجيريا وليبيا ومصر، لكن هذا لا يمنع واقع أنها قد دخلت في إطار «فئة» البلدان الإفريقية ذات الإنتاج المتوسط من هذه المادة الإستراتيجية بواقع إنتاج 2,61 مليون طن في عام 2005 وبحيث أنه من المرتقب أن تصل عتبة إنتاجها في أفق عام 2008 إلى ما يقارب مئة مليون طن.

في المحصلة، يقرّ مؤلف هذا الكتاب بواقع وجود فكرة سلبية حيال دور الشركات البترولية الدولية الكبرى في البلدان النامية التي كانت مصدر ثروتها الهائلة، وهي فكرة سلبية خاصة فيما يخص المساهمة بالبرامج التنموية المختلفة. لكنه بالمقابل لم يذهب في اتجاه «الجوقة العامة» لأنصار العالم الثالث ويشجب هذه «الوحوش الكاسرة» التي تمثلها الشركات البترولية الدولية، وإنما يتوجه في واقع الأمر إلى «الجمهور المعني» وإلى «الشركات المعنية»، وتحديدا إلى المسؤولين فيها باعتبارها قوى اقتصادية فاعلة حيثما تواجدت. وهو يقترح «حلا» من أجل «تحسين صورتها».

الحل المقترح يمكن أن تعتبر عن الجملة التالية التي يوجهها المؤلف للمسؤولين المعنيين: «عليكم أن تبدّلوا ممارسة القرود الثلاثة الشهيرة المتمثلة في الدلالة على: لم أر شيئا ولم أسمع شيئا ولم أنطق بشيء». عليكم أن تتدخلوا وكونوا كرماء، وليس فقط مع أصحاب الأسهم في شركاتكم. وهذا كله على خلفية دراسة صناعة البترول والغاز في العالم بجميع مظاهرها من إنتاج واستهلاك وخدمات وتمويل وإطار قانوني، وخاصة العلاقة بين البترول والنزاعات الإقليمية والمحلية.

أما الرسالة الأساسية التي يريد المؤلف تقديمها تتمثل في قوله بضرورة أن تعمل الشركات الدولية على الحد من الإضرار بالبيئة كهدف عام مع المساهمة بتنمية البلدان التي تمارس نشاطاتها فيها، وذلك لفائدة زيادة «الأرباح» وتدعيم «السلام».

*الكتاب:البترول والأرباح والسلام - هل يمكن للأعمال أن تلعب دوراً في صناعة السلام؟

*الناشر:المعهد الأميركي للسلام - واشنطن 2006

*الصفحات: 235 صفحة من القطع المتوسط

Oil, profits, and peace : does business have a role in peacemaking

Jill Shankleman

United States Institute of Peace- Washington- 2006

p. 235