في رواية بات باركر الثانية عشرة بعنوان «درس الرسم الحي» تعود الروائية البريطانية إلى أرض الحرب العالمية الأولى التي طالما اجتازتها، والتي كانت مسرحاً لثلاثيتها الشهيرة «التجدد» والأمر يشبه على وجه التقريب أنه كان هناك عمل يتعين إنجازه، فعادت إلى هناك للقيام بذلك، ولكن الشخصيات المحورية هنا هي مجموعة من الطلاب الذين يدرسون الفن، والذين لا يتمثل دورهم في الحرب في خوض غمار القتال، وإنما هم متطوعون يكدحون ويعانون في مستشفيات خط الجبهة.
وفي الجزء الأول من الرواية فإن الحرب لا تعدو أن تكون ضجة تهدر في البعيد، التصاعد المنذر بالخطر الذي يحاول هؤلاء الشبان تجنبه، والذي لابد له بالفعل أن يحرف حياتهم عن مسارها. ساحة الأحداث المنتمية إلى صدر القرن العشرين هذه يتم استحضارها عبر كتابة قوية حافلة بالمشاعر، حيث تتبدى التفاصيل أمامنا كما لو كانت قد رسمت بضربات فرشاة سريعة، على نحو ما نرى في انطلاق سيارة أجرة عقب جلوس السائق في مقعده، وإطلالة الشخصيات الحقيقية، ومنها بروفسور تونكس الأستاذ بمدرسة سليد للفن، أوجستوس جون، أوتولاين موريل.
وتعليقات تونكس الانتقادية على أعمال البطل بول تارانت تثير رحلة بحث في قرار الروح. ترى هل قام بول بالاختيار الخاطئ بالذهاب إلى مدرسة الفن؟ ولكن الحرب على وشك أن تأخذ بخناقه، وتجاربه في ذلك المستشفى هي التي ستجعله يبدع أول أعماله الفنية الدالة.
ينتمي بول إلى خلفية عمالية، ومصاريف دراسته في مدرسة سليد للفن تدفعها جدته، وهي من الملاك العقاريين في حي الايست إند بلندن. والشخصان الأكثر أهمية بين زملائه في الدراسة هما كيت وإليانور اللذان ينتميان إلى الطبقة المتوسطة، حيث يتم الإيحاء بتآكل الحواجز الطبقية في بدايات القرن العشرين. وكيث شخصية مثيرة للغثيان تربطه علاقة حب، كراهية ببول، يفاقمها حبهما لإليانور، ولكن كيث هو الذي يسبق في التحول إلى فنان واعد، وفي النهاية إلى فنان الحرب البارز، الذي تتم الإشادة به في مقهى الكافيه رويال.
تواصل إليانور الدراسة في مدرسة سليد، حيث تتقلص أعداد الطلاب، وتهيمن الحرب، حيث تتشبع الرواية بالمشاهد الكئيبة، الرجال الجرحى على نحو رهيب، الرائحة الكريهة المنبعثة من الأطراف التي هيمنت عليها الغرغرينة، العذاب، والإعياء. وألفة هذا المشهد ترجع في المقام الأول إلى الفن الذي ولدته، الشعر، الرواية، اللوحات، التي تجعل اختيار باركر للموضوع مناسباً، والتي في الوقت نفسه يمكن أن تثير رد فعل غريباً لدى القارئ.
فأنت لا تملك إلا أن تعترف وتعجب بالطريقة التي استحضر بها الفن ذلك الاقتتال الوحشي، ولكن في الوقت نفسه هناك شيء غير مريح في ذلك الفاصل بين الواقع. أي هذه الشريحة الباعثة على الصدمة من التاريخ والناس الذين يتحملونها وأداة الرواية أو القصيدة أو اللوحة. واستحضار بات باركر للمستشفى الواقع على خط الجبهة هو استحضار متمكن وبالغ القوة في إمساكه بقبضة الاندفاع السردي وفي استخدامه للتفاصيل الدقيقة، على نحو ما نرى في الألم الراعف في طرف الجزء الباقي من ساق مبتورة، قصف المدافع الذي يرج الماء في زجاجة.
ليس من قبيل الانتقاد لهذه الرواية أن القارئ يريد في أن الإمساك بقبضة التفاصيل المتعلقة بهنري تونكس الفنان والجراح ويوميات فيرا في بريطانيا، التي هي في جوهرها اعتراف بوجود هذا الفاصل بين الواقع والإبداع الذي يولده هذا الواقع. هناك فاصل آخر يتم التشديد عليه في الرواية، وهو الفاصل بين فظائع الخنادق وحياة من هم في الوطن عبر القناة الانجليزية، ومع ايغال الحرب في مسيرتها فإن بول يرى مجموعة سليد ونفسه على أنهم «صبية مدللون، أنانيون، منغمسون في ذواتهم».
وربما كان ذلك حكماً قاسياً، فقد كانوا يتصرفون مثل أي جيل من الطلاب، ولكنه ينعكس في الانقسام بين من نظروا إلى جحيم الحرب ومن لم يروا هذا الجحيم. وإليانور لم يقدر لها أن تراه، وتنظر إلى الحرب على أنها لا أهمية لها، بقدر ما يتعلق الأمر بالفن. وهي وأمثالها سيفزعون حيال الطابع الهائل للاستجابة الفنية للحرب، والتي تعد هذه الرواية مثالاً جديراً بالتقدير لها. وقد كان من الطبيعي أن تثير رواية باركر عاصفة من التعقيبات التي تعكس اهتماماً حقيقياً بهذا الانجاز الأدبي الكبير.
ها هي صحيفة «تايمز» اللندنية تقول عن هذه الرواية «عودة ظافرة إلى قالب ومرحلة تم استحضارهما على نحو رائع في ثلاثية (التجديد).. تظهر باركر تمكنها من خلال نثر قوي مفعم بالحضور». أما صحيفة «غارديان» فتقول عن هذه الرواية إنها: «إنجاز.. عمل مكتوب على نحو متألق ومبنى على نحو جميل». وبدورها تقول عنها صحيفة «صنداي تلغراف» إنها رواية: «عميقة وطموح وقوية».
وتذهب صحيفة «ديلي ميل» مدى أبعد في الإشادة بالرواية فتقول عنها إنها: «عمل متألق حول الورطات المشحونة بين الفن والعمل الجدير بانجازه والحب والحرب، والطريقة التي تؤثر بها في حياة الثلاثي الذي يتصدى للبطولة». وتقول صحيفة «إندبندنت» عنها إنها: «كتابة مترعة بالحيوية والقدرة على الاستحضار.. ووصف باركر للمستشفى الواقع على خط الجبهة يعكس اقتداراً ويأخذ الألباب في اندفاعه السردي وتوظيفه للتفاصيل».
وتظل هذه الرواية من الأعمال الروائية البريطانية القليلة الصادرة مؤخراً التي تستحق اهتماماً حقيقياً، وتناولها للحرب والتجربة الإنسانية المرتبطة بخوض غمارها يعد شيئاً فريداً وجديراً بقراءة على أكثر من مستوى.
في يوم دافئ
«كان يوماً دافئاً، ربما كان اليوم الأخير في صيف طويل حار. ولم يكن بالوسع أن يمتد أبعد من ذلك، فهم الآن في نوفمبر، وبدا الهواء ساكناً. وبدا أنها تلتقط النفس ذاته مراراً وتكرارا. ولم تكن الشموع مصدر عون. عندما بدأت الدمدمة، حدثت نفسها: رعد. طيب. لقد أحبت العواصف دائماً. وكانت تتخيلها راقدة في الفراش والستارة مفتوحة، وقد أنارت التماعات زرقاء جسديهما، ولم يكونا بحاجة إلى الحديث، وربما كان ذلك أمراً جيداً. ثم استبد بها عدم الارتياح. كان بول ولويس يحدق كل منهما في الآخر، من دون انزعاج، وإنما بحيرة فحسب.
قال لويس: «كانت تلك قريبة». ثم انطفأت الشموع، واهتزت الغرفة بكاملها، ومن النظرة المرتسمة على وجوه الناس أدركت أن ذلك لم يكن رعداً. كان الشحوب قد وصل ببول إلى حد الابيضاض. قال: «إنها قذيفة ابتعدت عن مسارها. ينبغي أن يكون الأمر كذلك».
مقتطف من رواية «درس الرسم الحي»
*الكتاب:درس الرسم الحي
*الناشر: هامش هاملتون، لندن، 2007
*الصفحات: 256 صفحة من القطع المتوسط
Life Class
Pat Parker
Hamish Hamilton, London,2007
P.256
