أجرت روزي بلاو، المحررة الثقافية بصحيفة «فاينانشال تايمز» هذه المقابلة مع الروائية البريطانية بات باركر، بمناسبة صدور روايتها الجديدة «درس الرسم الحي» التي تدور في أجواء الحرب العالمية الأولى، التي طالما كتبت باركر عنها، حيث تلقي الضوء على عالمها الروائي، وما تعنيه لها الكتابة عن أجواء الحرب، والسر في رفضها مجاراة التيار الراهن في كتابة الروايات الطويلة.

حيث تؤثر ألا تتجاوز أي رواية لها ثلاثمئة صفحة على أقصى تقدير، وهي تحرص في الوقت نفسه على أن توظف في رواياتها من تسميهم بالناس الحقيقيين، حيث تدرس بعمق تأثير تجربة الحرب على حياتهم، خاصة وأنها لا تكتب عن تجربة القتال بقدر ما نكتب عن تأثير الحرب على مجرى حياتهم، وبخاصة بعد أن تضع أوزارها. وفيما يلي نص المقابلة:

تستهل الروائية البريطانية بات باركر الحوار معها بالإشارة إلى أن الفترة التي تسبق إصدار كتاب لها والتي تليها هي فترة غريبة، وهي تجد أن من الصعب أن تكتب بينما شخصيات العمل السابق لاتزال تثرثر في رأسها، فعندما تتحدث عن كتاب ما تبعث فيه الحياة، وهي تقول: «يكاد الأمر يشبه عدم قطع الحبل السري الذي يربط المؤلف بالكتاب، حيث يظل الكتاب جزءاً مني إلى أن يتم إصداره بالفعل».

أما روايتها الجديدة «درس الرسم الحي» فهي قصة مثلث حب بين ثلاثة فنانين من مدرسة سليد للفن، وعندما تندلع الحرب العالمية الأولى، فإن بول تارانت يتطوع للالتحاق بصفوف الصليب الأحمر، وهو يكتب إلى الجميلة إليانور في الوطن، والتي تواصل الرسم في لندن، وتحاول تفسير الحياة الجديدة. ولكن مع تباين تجربتهما فإن هوة تمتد بينهما، ولا تزداد إلا اتساعاً من خلال رفض إليانور وضع نهاية للصداقة التي تربطها بكيت نيفل، الذي يرى فيه بول منافساً له في كل من الحياة والفن.

وكانت باركر قد كتبت في روايتها السابقة «الرؤية المزدوجة» عن مراسل حربي كانت صديقته، وهي مصورة، قد ماتت. وهي تقول: في هذا الصدد: «بدأت التفكير في قضية كيف نمثل العنف».. وهذا موضوع أصبحت مفتونة به في غمار اشتغالها على رواية «درس الرسم الحي» كيف أن لوحات الطبيعة المدمرة تعد بمثابة رمز لتشويه الجسم البشري، كيف أن رسم جثة مشوهة يعكس تمزيق الطبيعة والمجتمع، الذي تجلبه الحرب معها.

وهي تقر بأنه كان بوسعها أن تعالج هذه القضايا من خلال الكتابة عن الحرب العالمية الثانية أو حرب العراق. وهي تضحك قائلة: «أمامي عدد محدد من السنوات لأعيشه، ولست أرغب في القيام بأبحاث مفصلة. تلك هي الحقيقة». ويتمثل تيار متكرر في عالم باركر الروائي في توظيفها للناس «الحقيقيين»، ومن هؤلاء نجد في «درس الرسم الحي» هنري تونكس، أستاذ الفن في مدرسة سليد للفن والجراح السابق الذي يلعب دوراً مهماً وإن كان على هامش الأحداث.

وعن الحرب تقول بات باركر: «أحسب أن الحرب هي تجربة ذكورية بصورة جوهرية، أو أن القتال هو كذلك». ولا تكتب باركر عن القتال بقدر ما تكتب عن التأثير الذي تتركه الحرب على حياتنا، أو ما تسميه بـ «التأثير طويل المدى». وهي تحرص على سرد الطرائف والوقائع التي: «لا يجدها المرء أبداً من كتب التاريخ»، أي الحقيقة التي يمكن للرواية وحدها أن تسردها.

وبالنسبة لها فإن الحرب هي رمز لحياتنا بأسرها، ليس في عصر معين أو في مرحلة بذاتها، كيف تتعامل مع الأزمة، كيف نمثلها، الحياة الشخصية عقب الأحداث التي تشكل التاريخ. في الحرب يضطر الأفراد للقيام بخيارات صريحة. وهي تقول في هذا الصدد: «الروائيون هم نوع من النسور. أليسوا كذلك؟ وهم لا يميلون إلى التركيز على حيوات متناغمة». يذهب الكثير من المؤرخين إلى القول إن الحرب هي محرك للتغيير الاجتماعي، ولكن بات باركر تختلف معهم، وهي تقول إن فواصل الطبقة والجنس والجيل ازدادت جميعها عمقاً في الحرب العالمية الأولى.

وكتاباتها لا تدعو إلى المساواة أو التغيير. وبدلاً من ذلك فإن كل رواياتها تتناول مسألة كيفية تحقيق التواصل بين حياتنا بعضنا مع البعض الآخر عبر هذه الفواصل. وفي أعمالها الأولى فإن هذا الجانب قد دار حول الطبقة والنوع. وفي «الرؤية المزدوجة» دار الأمر حول السن، وهي في هذه الرواية تتأمل مجدداً كيف أن الصراع يمزق العلاقات «العادية».

وهناك لحظة مؤلمة في رواية «درس العمر» عندما يعود بول من الجبهة ويناضل من أجل التأقلم مع حياة إليانور، التي تقول: «دعنا لا نتحدث عن الحرب، يابول، لطفاً؟ فهي تتسلل إلى كل شيء. ويرد بول قائلاً: «حسناً، نعم، إنها تفعل ذلك». وتقول باركر: «أعتقد أن ذلك شيء حدث بصورة مؤلمة للغاية للكثيرين». كيف يتعامل الناس مع هذا الواقع. تقول باركر: «يتعين عليك المضي قدماً في محاولة التغلب على تلك الاختلافات في التجربة. لابد لك من ذلك، فتلك هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تكون لك بها حياة متحضرة».

وهي تقول: «إن التركيز على الموت العنيف، الذي يبرز بشدة في اللحظة الراهنة، وبصفة خاصة على شاشات التلفزيون، هو شيء يجرد الحياة من معناها». ومعظم الناس ليسوا منغمسين في نوع من الأعمال العنيفة، وليس لهم احتكاك واقعي بالموت، ولذا فإننا ربما نتوق إلى هذه الأمور في قالب روائي لنعوض غيابها عن حياتنا اليومية، وهو أمر جيد بالنسبة للروائيين الراغبين في الكتابة عن الحرب، بالطبع، ذلك على الرغم من أن عالم باركر الروائي ليس غارقاً في الدم.

وفي مفارقة لهذا الجانب، فإنه عندما يتعلق الأمر بالعاطفة فإن روايات باركر السابقة كانت حافلة بالمشاهد الحميمية. وليس من قبيل المصادفة أن روايتها «درس الرسم الحي» قد تم تناولها عبر عدة حلقات في برنامج «ساعة المرأة» على القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني. وتقول باركر في هذا الصدد: «كل روائي يحب أن يضع الحواجز أمام الجنس في عمله، غير أنه لم يعد هناك الآن مثل هذه الحواجز. والتحلل لا ينتج إلا أدباً رديئاً. أما العاطفة فإنها تقدم أدباً عظيماً. والاثنان لا يتعايشان معاً في الغالب. تلك هي الحقيقة الفظيعة».

وفيما يتعلق بطقوس الكتابة عند بات باركر، فإن الأمر قد يستغرق منها سنوات عدة لإنجاز رواية، ولكنها لا تطلع أحداً عليها بمن في ذلك زوجها وابنيها، إلى أن تعتقد أنها قد فرغت منها تماماً، وهي عندما تعتقد ذلك فعادة يكون العمل قد شق طريقه إلى الإصدار.

غير أن الدافع إلى الكتابة يتقدم في أعماقها. وكانت في طفولتها تتوق بشدة إلى تعلم القراءة، وذلك على الرغم من أن الكتاب الوحيد الموجود في الدار كان أحد مجلدات الموسوعة البريطانية، وكان عتيقاً للغاية بحيث أنه بدا كما لو كان يمثل صياغة مختلفة تماماً للتاريخ. وقد أنقذتها المكتبة العامة، وفي عامها الثاني عشر كتبت روايتها الأولى التي تقول عنها: «لقد ألقيتها بعد ستة أشهر من الفراغ من كتابتها، وكم أود لو أنني لم أفعل ذلك».

وتشرد بعيداً، قبل أن تقول: «إنني أحب قناع الرواية. ولست أدري ما إذا كان ذلك يتضمن إبقاء العالم على مبعدة. ولست أظن أن الأمر كذلك، بل اعتقد أن تلك طريقة خاصة في الاقتراب منه». ربما تحب بات باركر الاقتراب من العالم، ولكن المرء لا يكون على يقين أبداً من أنها تحب أن يرد لها نظرتها المحدقة، وقد ذكرت أنها حتى في عالمها الروائي لم تكتب إلا في مناسبة أو مناسبتين بضمير المتكلم. وتضيف: «على الرغم من أنني أحب في بعض الأحيان أن أكتب بصوتي بطريقة أكثر اقتراباً، إلا أنني أشك كثيراً في أنني سأقوم بذلك أبداً».

وعلى الرغم من الشهرة والرواج الكبيرين اللذين تتمتع بهما بات باركر، إلا أنها ترفض التيار الرائج حالياً والمتمثل في تأليف كتب متزايدة الطول، حيث أن جميع رواياتها تصدر الواحدة منها في حدود ثلاثمئة صفحة. وهي تقول في هذا الصدد: «أحسب أنني أتوقف في التوقيت ذاته. وأعتقد أن الكتاب يتعين أن ينتهي عندما تكون قد قلت ما يتعين عليك قوله، وعندئذ يتعين عليك أن تلزم الصمت».

محطات في مسيرة باركر

* ولدت الروائية البريطانية بات باركر في 8 مايو 1943 في ثورنابي أو تيز في يوركشاير بانجلترا. وتلقت تعليمها في كلية الاقتصاد اللندنية وجامعة دورهام، وعملت بتدريس التاريخ والعلوم السياسية حتى عام 1982. وبدأت الكتابة في منتصف العشرينات من عمرها وشجعتها الروائية انجيلا كارتر على مواصلة الكتابة.

* تناولت رواياتها الأولى الحياة الخشنة لنساء الطبقة العاملة في شمالي انجلترا، وصدرت أول رواية لها وهي «يونيون ستريت» عام 1982 وفازت بجائزة كتاب جمعية فاوست، وحولت روايتها الثانية «إنسف دارك!» إلى مسرحية عام 1994.

* أصدرت حتى الآن اثنتي عشرة رواية أبرزها ثلاثية «التجدد» وفازت الرواية الثانية في هذه الثلاثية وهي «العين في الباب» الصادرة عام 1993 بجائزة صحيفة «غارديان» للرواية، وفازت بالجائزة الأدبية الأرقى في انجلترا، وهي جائزة بوكر، الرواية الثالثة وهي بعنوان «طريق الأشباح» الصادرة عام 1995. وصدرت لها مؤخراً روايتها درس الرسم الحي» التي عادت فيها إلى أجواء الحرب العالمية الأولى المألوفة في عالمها الإبداعي.

منى مدكور