مؤلف هذا الكتاب هو الناقد السعودي سعد البازعي أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة الملك سعود بالرياض، من أعماله: دليل النقد الأدبي 2002، استقبال الآخر 2004، شرفات للرؤية 2005. حيث يسعى عبر كتابه الجديد «المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية» إلى إبراز الدور الذي لعبه اليهود في تاريخ الحضارة الغربية.

ابتداء من القرن السابع عشر وحتى اليوم، ويبز الكتاب ضمن هذا الإطار التأثير المتعاظم لدور الجماعات اليهودية في مختلف مناطق أوروبا وأميركا الشمالية على مستويات ثقافية مختلفة، متناولاً أعمال عدد من المفكرين والعلماء والمبدعين الذين تركوا أثراً بالغاً في تطور الحضارة الغربية حتى صار جزءاً من نسيجها في الوقت الذي عبرت أعمالهم عن هموم وتطلعات الجماعات اليهودية التي ينتمون إليها.

للمكوّن اليهودي في الحضارة الغربية بعداه الديني والدنيوي وقد جوبه طوال تاريخه بالكثير من الكراهية والرفض، إذا كان اليهود قد اتهموا بكل شرور الأرض وتعرضوا لصنوف العزل والتشريد والتعذيب، فإن المسيحية لم تستطع أبداً أن تنكر حضورهم الأساسي في التكوين الديني لأوروبا.

وحين دخل اليهود بكل قوّة إلى الثقافات الأوروبية في مرحلة ما بعد التنوير، فقد كان الشعور العام لدى مثقفي أوروبا هو الترحيب بهم أو الإعجاب بما قدموا على النحو الذي نلمس من الموقف تجاه فلاسفة يهود، مثل سبينوزا ومندلسون، ثم مبدعين من أمثال : الشاعر هاينه والروائي دزرائيلي.

أما في العصر الحديث فإن الحضور اليهودي ظل محورياً وبالغ التأثير، سواء كان المؤثر كارل ماركس أو سيغموند فرويد أو كافكا أو مارسيل بروست، أو ممن اختصروا ذلك الشعور العام بالترحيب والإعجاب بنيتشه. اليهود لم يأتوا بالتنوير ولكنهم ساعدوا على انتشاره، حين تضافرت جهودهم بجهود غيرهم في أوروبا في المسعى أو التوجه العلماني المتزايد للحضارة الغربية.

الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام، يتناول أولها الأبعاد التاريخية والنظرية، وينقسم إلى ثلاثة فصول الأول منها يرتكز على معلومات تاريخية تأسيسية للتعرف على الحضور اليهودي، ويثير الثاني مسائل نظرية خلافية.

أما الفصل الثالث فيواصل ما يطرحه الفصل الثاني بالانتقال إلى السمات الفكرية التي تشكلت بفعل عاملين، أولهما الشعور اليهودي بالاختلاف، وثانيهما الموقف أو الفعل الاستراتيجي الثقافي والفكري تجاه ثقافة الآخر الغربي/المسيحي.

وهو موقف اختار له عبارة المفكر الفرنسي جاك دريدا «التقويض» بوصفه موقفاً أقلويا يتواتر عند عدد كبير من المفكرين والكتاب اليهود، وقد قرن الكاتب التقويض بالاختلاف، وشرح فهمه لذلك الاقتران في ذلك الفصل، كما في الفصل الذي يتناول دريدا نفسه في نهاية الكتاب.

نجد الفصل الثالث من القسم الأول له طابع شمولي، إذ يتناول عدداً كبيراً من الكتاب الذين لم يفرد لهم فصولاً خاصة، فالمفكرون والكتاب المتناولون هنا بالغو الأهمية، مثل : كارل ماركس وكارل بوبر، وواضح أنه تناولهم هنا لسببين : أحدهم ما اتضح من حضور جزئي للمكوّن اليهودي في أعمال معظمهم، وهو نتيجة حتمية تؤكد أن المكوّن المشار إليه ليس حضوراً حتميا ومتساوياً في أعمال كل من يحمل خلفية يهودية، أما السبب الثاني، فقد قرر المؤلف الاختصار، لاسيما ممن تتضاءل السمات اليهودية في أعمالهم.

في القسم الثاني من الكتاب، المعنون «من التنوير إلى الخلاص»، يجري تناول أربعة من أهم الشخصيات التي أفرزها المكوّن اليهودي، وأسهمت بدورها وبشكل فاعل في صنعه، فسبينوزا ومندلسون أهم مفكرين صنعا المكوّن اليهودي في بداية تشكله في الحضارة الغربية، فسبينوزا مهم لإيضاح طبيعة المكوّن اليهودي بعد اندماج اليهود في السياق الحضاري الغربي، بوصفه أوّل اليهود الكبار في تاريخ الحضارة الغربية.

وهذا ما يميزه عن ابن ميمون الذي تجمع الآراء على أنه الفيلسوف اليهودي الأول والأهم، لكن في حقبة تاريخية غير غربية، فبقدر ما كان سبينوزا مندمجاً في الحضارة الغربية، كان ابن ميمون مندمجاً في الحقبة العربية الإسلامية، لقد فكر بالعربية حين طرح قضايا كانت الشاغل الأساسي لكثير من مفكري المسلمين.

أما مندلسون فكان أكثر اندماجاً وأكثر دلالة على حجم الاندماج اليهودي، على أنّ كلا الفيلسوفين يقدمان أنموذجاً مهماً لإشكاليات الهوية وطبيعة التفاعل مع السياق الغربي التي نجدها فيما تلا من عصور. أما الشخصيتان الأخريان، هاينه ودزرائيلي، فيأخذاننا إلى عالم الأدب، الشعر لهاينه والرواية لدزرائيلي، كتب الأول بالألمانية وكتب الثاني بالإنجليزية، على أن المهم هو القدرة التمثيلية لدى كل منهما في الإشارة إلى تنوع الحضور الثقافي اليهودي وتداخله في الوقت ذاته.

الفصلان الأخيران من هذا القسم يقدمان صورتين بانوراميتين للحضور اليهودي وهو يرتقي سلّم تأثيره الغربي الواسع إبان القرن التاسع عشر، ففي الفصل الثامن ترد مناقشة للكيفية التي نظر بها أعلام اليهود الأوروبيين في القرن التاسع عشر لحضورهم في الثقافة الأوروبية وما دار بين مفكري اليهود ومؤرخيهم من جدل حول الطرق الأنجع لتجاوز ما ينطوي عليه الحضور اليهودي من أزمات.

وفي هذا السياق يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات: اتجاه إصلاحي يريد دعم التوجيهات التي تسهل الحضور اليهودي وتدعم اندماج اليهود في محيطهم المسيحي الأوروبي، واتجاه صهيوني يرى تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين لتأسيس وطن قومي بوصف ذلك حلاً لمشكلة الحضور اليهودي في الغرب واتجاه ثالث يقترح حلولاً تتوسط بين هذا وذاك.

في الفصل التاسع يتركز النقاش على الحضور اليهودي نفسه ولكن من الزاوية الأوروبية، كيف نظر عدد من مفكري أوروبا ومؤرخيها وكتابها من غير اليهود إلى الحضور اليهودي وكيفية التعامل معه. القسم الثالث يشتمل على ثلاثة فصول، يتناول كل منها جانباً بارزاً من المكوّن اليهودي من خلال شخصية أو عدة شخصيات، ففي الفصل العاشر يأتي فرويد بوصفه حضوراً هائلاً في المكون اليهودي، كما في المعرفة الإنسانية والغربية. وفي هذا السياق يبرز النقاش الصلة الوثيقة بين التحليل النفسي لدى فرويد وخلفيته اليهودية وواقعه بوصفه فرداً يعيش الانتماء الأقلوي إلى جماعة تشعر باضطهادها.

يصدق الحال على مدرسة فرانكفورت التي تركت أثراً عميقاً ومهماً في تطور الفكر الاجتماعي والنفسي والثقافي. ويبرز النقاش في الفصل الحادي عشر بتفصيل أكثر طبيعة النقد الذي وجهه بعض أعضاء المدرسة إلى التنوير الأوروبي، بوصفه صادراً عن إحساس بالانتماء اليهودي وما يواجهه من ضغوط. ثم ينتقل النقاش إلى أعمال المفكر تيودور أدورنو ليبرز علاقته بسمات التفكير والتناول الذي طغى على المكوّن اليهودي المعاصر، كما يتضح في مفهوم مثل الرؤية التقويضية والمتشظية لدى ذلك المفكر.

في الفصل الثاني عشر من الكتاب يأتي جاك دريدا بوصفه حاملاً لـ «جينات» المكوّن اليهودي مشيعاً لها بقوة وشراسة غير مسبوقة. فقد نبعت هذه الجينات من موقف يهودي أقلوي تتضح معالمه من أوجه الشبه بين التقويض بتقنياته واستراتيجياته التحليلية للنصوص من ناحية، وتوجيهات فكرية سابقة في المكوّن اليهودي نفسه، من ناحية أخرى، مثلما تتضح من مقولات دريدا نفسه وآراء مفكرين ونقاد آخرين إزاء أعماله وفيهم من ينتمي إلى الخلفية الثقافية والفكرية ذاتها.

الفصل الأخير يتوقف عند بعض أعمال الناقد الأميركي هارولد بلوم الذي يعد في طليعة النقاد الغربيين المعاصرين والذي يأتي تناوله من زاوية اتكائه على موروثه اليهودي متمثلاً بالقبالة، أو الموروث الصوفي الذي طوره المفسرون اليهود عبر قرون وسعى بلوم إلى إبرازه والاتكاء عليه في نظريته النقدية. وسعى بلوم إلى الإفادة من فرويد كي يكرس النزعة الفئوية لدى بعض مثقفي اليهود، تلك النزعة التي نجدها لدى بعض من النقاد الغربيين في القرن العشرين الذين يأتي بلوم بوصفه نموذجاً لهم سواء في تلك النزعة أم في غيرها.

هذه الأقسام بفصولها وبما تضم من أعلام وأفكار ومناهج تفكير هي ما يشكل المكوّن اليهودي الذي يتناوله الكتاب. وهذا في مجموعه يشكل الشواهد الدالة على وجد المكوّن ويؤكد أهمية وضرورة دارسته والتعرف عليه. لقد سبق لبنجامين دزرائيلي، أول يهودي يصل إلى رئاسة الوزراء في دولة غربية، ان قال: «إن اليهود مستعدون للتحالف حتى مع أعدائهم للانتقام من المسيحية».

فيصل خرتش

*الكتاب:المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية

*الناشر:المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء 2007

*الصفحات:424 صفحة من القطع المتوسط