مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور نصير حسن عاروري أستاذ العلاقات الدولية بجامعة «ماساشوستس» الأميركية وهو يقدم من خلال كتابه الجديد الذي نعرض له رؤية جريئة بشأن حقيقة وأبعاد الانحياز الأميركي لإسرائيل في صراعها مع الدول العربية في المنطقة الأمر الذي دمر كل فرص السلام. وحسبما قال أحد المحللين في تعليقه على الكتاب فإن القراء التواقين إلى معرفة أسباب فشل كل جهود السلام في فلسطين في ظل سلام الهيمنة الأميركية سيجدون في هذا الكتاب أجوبة واضحة لا لبس فيها حيث يكشف بوضوح عن التناقض بين حديثها عن السلام وبين واقع سياستها.
ويقدم لنا المؤلف تفاصيل مثيرة ومؤلمة لأحابيل عملية السلام وخباياها يلتقطها بصبر وحساسية مرهقة ثم يعيد نظمها وتحليلها لكي تعترف هي بما جنته يداها على السلام قبل أن تجنيه على فلسطين وأهلها. والكتاب كما يشير صاحبه تطوير واستكمال لكتاب سابق نشره بعنوان رئيسي هو «تعويق السلام» ويركز على العلاقة الشاذة بين الولايات المتحدة وطرفي النزاع المباشرين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهى علاقة شهدت على مدى العقود الأربعة الماضية كثير من التحولات «الحربائية» والتجارب والمحن التي يعرض لنا تفاصيلها بحنكة واقتدار.
ويقدم المؤلف مادة كتابه من خلال 13 فصلا مع ملحق بخرائط نادرة وآخر عن المستوطنات والمستوطنين في الضفة الغربية. من سياسة الولايات المتحدة تجاه فلسطين والعرب يبدأ استعراضه لموضوعه فيشير إلى أن من أبرز ملامح السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي منذ 1967 إصرار الولايات المتحدة على أن تكون رئيس المحكمين بل صانع السلام الأوحد علما بأنها فعليا متورطة في الجهود الحربية الإسرائيلية.
ويشير إلى أن هذه العلاقة الخاصة التي ظلت تقوى بدأب واستمرار بين إسرائيل والولايات المتحدة والتي تحولت سريعا الى حلف إستراتيجي حقيقي أيام الحرب الباردة وما بعدها تواكبت فعليا مع تعاظم دائب مماثل لهيمنة الدبلوماسية الأميركية.
ويقرر نصير عاروري أن الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لبسط هيمنتها على الشرق الأوسط والتي بدأت قبل حرب 67 كانت حثيثة ومضنية ولا شك أن الكلمات التي أضيفت الى المعجم الدبلوماسي الشرق أوسطي من مثل مدريد وواشنطن وأوسلو وطابا وكامب ديفيد وشرم الشيخ كلها ترمز الى منجزات دبلوماسية عجزت عن أن تقدم للمنطقة الاستقرار المنشود.
ثم يشير الى ما يعتبره أداة مساعدة للولايات المتحدة في هيمنتها على المنطقة مؤكدا أن الأنظمة العربية تعتبر واحدة من الأدوات الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط ويضرب المثل على ذلك بالهجوم المسلح الضاري الذي شنه الأردن على الفلسطينيين في سبتمبر 1970 ما أوقع بالقضية أضرارا بنيوية أدت الى تراجع النضال الفلسطيني على مدى العقود اللاحقة.
ثم يستعرض المؤلف تطور الاستراتيجية الدولية الأميركية في إطار ما يصفه بالمثابرة العنيدة. ويتطرق في هذا الخصوص الى أن الولايات المتحدة بدأت مع نهاية حرب 1973 تتصرف على أساس أنه ليس هناك في الشرق الأوسط سوى قوة عظمى وحيدة هي إسرائيل وكانت دبلوماسية كيسنجر المكوكية والجهود الأميركية المضنية لإحباط مؤتمر جنيف في نهاية تلك السنة قد دشنت حقبة دبلوماسية جديدة في الشرق الأوسط.
ثم ينتقل بنا الى تناول العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والحلف الإستراتيجي أيام الحرب الباردة وبعدها فيذكر أن السنوات الاثنتي عشرة التي تولى فيها الجمهوريون الحكم (1980 ـ 1992) شهدت ولايتين متتابعتين لرونالد ريغان أعقبتها ولاية لجورج بوش الأول شهدت تعزيزا وتوسيعا ملحوظا لآفاق العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ثم إن بيل كلينتون رعى تلك العلاقة وحولها الى حلف استراتيجي وطورها وكان أول رئيس يستعين باللوبي الإسرائيلي في صناعة سياسته الشرق أوسطية.
ولكن هذا الأمر تفاقم وازداد وضوحا في زمن بوش الثاني بل إنه تعزز وترسخ في هذه الولاية حتى صار الخلاف ما بين الدولتين لا يفسد للود قضية. وهنا يوضح عاروري الثمن الذي تدفعه الولايات المتحدة لقاء علاقتها الخاصة وتحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل وهو المساعدات العسكرية والاقتصادية الهائلة التي ظلت تقدمها للدولة العبرية منذ تأسيسها قبل حوالي نصف قرن ولطالما كانت هذه المساعدات تعبيرا واضحا عن الدعم الأميركي للسياسات الإسرائيلية التي يتعارض معظمها مع الإجماع الدولي.
من هذا الجانب ينقلنا المؤلف الى بعد آخر في السياسة الأميركية يتعلق بما يسميه تعويق السلام فيذكر أنه على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية شهدنا رؤيتين مختلفتين لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي أولاهما تسوية شاملة برعاية دولية والثانية إجراءات تعرف بعملية السلام التي تمسك الولايات المتحدة بخناقها.
لقد ظلت هاتان الرؤيتان حسبه منذ حرب 67 برزخين لا يلتقيان لا من حيث الجوهر ولا من حيث المنهج. كما ظلت هذه الهوة العميقة بين الرؤيتين من دون تجسير حتى نهاية حرب الخليج الأولى. ويقرر المؤلف أن الانتصار الذي حققته الولايات المتحدة وحلفاؤها في تلك الحرب دق المسمار الأخير في نعش المؤتمر الدولي الذي نادى به قرار الأمم المتحدة رقم 338 بعد حرب أكتوبر 73 ووضع قياد التسوية في يد الدبلوماسية الأميركية وحدها.
وبعقد ذلك المؤتمر ضرب وزير الخارجية جيمس بيكر عصفورين بحجر واحد فلم يكتف بالاستعاضة عن ذلك المؤتمر الدولي بمؤتمر إقليمي لا وظيفة له سوى إضفاء الشرعية على المباحثات الثنائية بين العرب والإسرائيليين بل إنه أيضا استدرج السوفييت والسوريين ليصبحا شاهدي زور على هذا الانقلاب.
ثم يشير المؤلف في الفصل الخامس الى أن تهميش القضية الفلسطينية كان نتيجة طبيعية لاختلال ميزان القوة لصالح التفرد الأميركي الذي سد كل السبل في وجه الحل الدولي، أما اتفاقيات كامب ديفيد التي زعمت أنها ستأتي بالتسوية الشاملة فإنها كانت بكل بساطة قناعا لسلام انعزالي بين نظام مصر وإسرائيل أطلق يد هذه الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وبالطبع كان لا بد لتلك الصفقة من إعادة تفسير ضمني لقرار مجلس الأمن رقم 242 لم يكن بالإمكان تجاهل القرار دبلوماسيا وإبعاده عن مسرح المفاوضات طالما أن هناك إجماعا على اعتباره أساسا للتسوية.
ومع كسوف التضامن العربي وحرب الخليج الأولى سعت إسرائيل الى تدمير كل ما أنجزته الانتفاضة بين 1988 و1991 على الصعيد الدبلوماسي والاقتصادي وفي مجال الصحة والتنظيم الاجتماعي. لقد كانت الحرب على العراق، حسب المؤلف، فرصة انتهزتها إسرائيل لتدمير البنية التحتية الفتية للفلسطينيين التي نالت قبل ذلك نصيبا وافيا من الدمار في لبنان ثم في عملية تدمير ثالثة بين عام 2000 و2002.
والمشكلة كما يشير عاروري أن هذه الجهود لتهميش القضية تواصلت ولكن من خلال طرفها الرئيسي الفلسطينيين الأمر الذي يتناوله المؤلف تحت عنوان: الإمعان في تهميش القضية الفلسطينية: ما بعد أوسلو. ويرى الكاتب أن هذه الاتفاقيات أعدت في سياق الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط التي تسارعت وتعاظمت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والتدمير الهائل الذي ألحقتها الولايات المتحدة بالعراق في حرب الخليج. لقد كان عرفات ومنظمة التحرير، وهما في وضع ضعيف لا يحسدان عليه، يواجهان إدارة جديدة باركت ودعمت الحصار الخانق الذي فرضته إسرائيل على الأراضي المحتلة.
وهنا يوصف المؤلف موقف عرفات في قبوله بالانخراط في هذه المفاوضات قائلا إنه كان أمامه إما أن يخوض عملية السلام وإما أن يخاطر بأن يتجاوزه القطار ويمضي من دونه. كان الطريق الى أوسلو يتضمن دورا واعترافا شكليا وليس جوهريا بمنظمة التحرير ومع ذلك فإن عرفات الذي بدا أنه تخلف عن حافلة بيكر ـ من خلال مؤتمر مدريد ـ لم يشأ أن يتركه قطار كلينتون على الرصيف.
ويتطرق المؤلف بعد ذلك الى ما يعتبره مكاسب إسرائيل من عملية السلام فيشير الى أن الولايات المتحدة أطلقت يدها ومكنتها من كل ما يلزمها لكي تصادر الأراضي العربية وتبني المستوطنات وتوسع القدس وترهب اللبنانيين وتفقر الفلسطينيين وتمتص ضرع دافع الضريبة الأميركي وتحصن بالفيتو الأميركي في مجلس الأمن فضلا عن تهافت أعضاء الكونغرس على خطب ودها وكسب رضاها.
وفي هذا السياق وفيما بعد أوسلو يشير عاروري الى أن مذكرة تفاهم واي ريفر حصيلة مناورات إسرائيلية مدروسة بعناية لتحقيق مصالح خاصة بها، لكن المذكرة تجاوزت ما سبقها في مجالين على الأقل الأول أنها ألزمت السلطة الفلسطينية بحزمة من الالتزامات الأمنية يعني تنفيذها تحويل عقود طويلة من النضال الوطني الفلسطيني الى عنف عشوائي وبكاء على الأطلال.
والثاني أنها ألزمت الولايات المتحدة بأن تمول مشروعات استيطانية وصفت لاحقا بأنها عامل معسر لعملية السلام بعد أن كانت توصف بأنها عقبة أمام السلام بل غير شرعية أيضا. إضافة الى ذلك كان هناك تفاهم يلزم الولايات المتحدة بتعزيز قدرات إسرائيل الدفاعية والردعية وتطوير الحلف الإستراتيجي بين البلدين.
ثم يتطرق الى طبيعة العلاقات التي ربطت الولايات المتحدة بإسرائيل فيما بعد أحداث سبتمبر مشيرا الى أن هذه الأحداث منحت بوش فرصة نادرة لتمرير سياسته الخارجية ولم تمض ساعات على الهجوم على نيويورك وواشنطن حتى أعلن الرئيس الأميركي بوش حربا على الإرهاب لا تختلف عن حروب إسرائيل الاستعمارية على مدى نصف القرن الماضي .
مصطفى عبد الرازق
*الكتاب:أمريكا الخصم والحكم
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007
*الصفحات: 414 صفحة من القطع الكبير
