القصائد العشر هي المعلقات التي قالها شعراء في عصر ما قبل الإسلام، وقد عرفت بالمعلقات السبع لكنّ شارح هذه القصائد «الخطيب التبريزي» قد أضاف عليها قصيدة «الأعشى» اللاّمية وقصيدة «النابغة الذبياني» الدّاليّة، وقصيدة «عبيد بن الأبرص» البائية، وينسب الشارح «الخطيب» هذه الإضافة إلى «أحمد بن محمد بن إسماعيل النحوي».
شارح القصائد «الخطيب التبريزي» هو«يحيى بن علي» الذي ولد في مدينة «تبريز» سنة 421 هـ حيث بدأ منذ شبابه بتتبع أثار الثقافة الإسلامية في علومها وآدابها حتى إذا اشتد عوده جذبته أصداء المجالس العلمية في المدن الأخرى حيث زار كلاً من بغداد ، البصرة، جرجان.
وفي العقد الثالث من عمره وقف على نسخة من كتاب «التهذيب في اللغة» «للأزهري» في عدة مجلدات وأراد تحقيق ما فيها فدلّ على أبي العلاء المعري فجعل الكتاب في مخلاة حملها على ظهره من تبريز إلى معرة النعمان وهناك في المعرة تلقاه «أبو العلاء» بالعناية والإكرام فأقرأه بالإضافة إلى كتاب التهذيب مؤلفاته كلها من شعر ونثر وكثيراً من أمهات الكتب الأدبية واللغوية إذ لازمه «التبريزي» أكثر من سنتين.
ثم يشد رحاله إلى «دمشق» فيدرس على علمائها ثم يمم نحو «مصر» وقد زود نفسه بذخيرة ثقافية ضخمة هيأته لأن يصبح شيخاً يقصده أرباب العلم ويأخذون عنه ثم نراه يغادر «مصر» عائداً إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية ليصبح مدرساً في المدرسة النظامية وقيّماً لخزانة كتبها. برع «الخطيب التبريزي» في علوم اللغة حتى نسبه العلماء إليها فقالوا عنه «اللغوي» وجعلوه إماماً في علم اللسان أو في اللغة والنحو وكذلك كان شأنه في علوم الأدب.
كان لطابع الشمول في الثقافة العربية في القرن الخامس أن جمع «الخطيب التبريزي» في دراسته بين علوم القرآن والحديث واللغة والأدب والتاريخ، حتى غدت مصنفاته ملتقى حافلا بثمار هذه العلوم ومراداً أساسياً لمن أراد الاطلاع على المصادر الأولى وبذلك ترك لنا موسوعة جغرافية كبيرة تجاوزت ستين كتاباً وظل مشغولاً بالتأليف إلى أن توفي سنة 502هـ في بغداد ودفن فيها.
يعرف هذا الكتاب «شرح القصائد العشر» كل طالب أراد أن يتعرف على هذه القصائد الرائعة وبخاصة طلاب الجامعة في قسم اللغة العربية وعندما راودت «التبريزي» فكرة تصنيف شرح لهذه القصائد كان قد ألقي حولها تراث ضخم ساهم في بنائه كبار العلماء كاللأصمعي والأزهري وأبي يزيد القرشي وأبي أسامة الأردي وغيرهم كثير.
وقد قام «الخطيب» بشرح ملخص لهذه القصائد دون أن يعرض لنا ما صنعه أسلافه، في الوقت الذي ينقل لنا كثيرا من المادة عمّا أخذه من أسلافه، فهو ينقل من «ابن الأنباري أنساب الشعراء والأخبار التاريخية وكثيرا من اللغة والمعاني وقليلاً من الإعراب والصرف، وينقل من «النحاس» بعض اللغة وأكثر المعاني الكلّية للأبيات والتفريعات الأعرابية والصرفية.
يبدأ الكتاب بالتعرف بالشاعر «امرئ القيس» وبنسبه والروايات المتعددة في ذلك ثم يبدأ بالقصيدة والتي مطلعها: قفا نبك، فيبدأ من وزنها الذي هو من البحر الطويل ثم يأخذ ألفاظها فمثلاً السقط: ما تساقط من الرمل وفيه ثلاث لغات سقْط، سقْط، سقْط ثم قوله قفا: فيه ثلاثة أقوال أحدهما أن يكون قد خاطب رفيقين له والثاني أن يكون خاطب رفيقاً واحداً وثنّى لأن العرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين ثم يستشهد بآيات من القرآن الكريم وبأشعار أخرى والقول الثالث قفن: بالنون، فأبدل الألف من النون وأجرى الوصل مجرى الوقف.
ثم يبدأ بالأعراب: نبك: مجزوم لأنه جواب الأمر «الطلب» ويأخذ «البتريزي» الآراء البصرية والكوفية في الأعراب ويعرضها ناسباً ما قالوه ثم الروايات المتعددة للبيت كما أن المؤلف لا ينسى الأبيات المنسوبة إلى القصائد أو التي هي من أصلها ولم يختلف فيه الرواة.
والشارح لا ينسى اختلاف اللهجات في القراءة ومن ثم ما يستتبع ذلك من اختلاف في التفسير والإعراب ويعرضها كما يعرض آراء اللغويين والنحويين في ذلك، ليكون كتابه هذا من أهم مراجع الأدب والنحو واللغة إضافة إلى التحقيق حيث قدم لنا هذه القصائد الرائعة والتي كانت أولى خطوات الشعر العربي بقالب جميل يجعلنا نرجع إليه باستمرار لنعرف كيف بدأ الشعر وكيف أنه مازال حيا.