صورة العنف في السينما لا تشبه صورة العنف في نشرة الأخبار، فالصورتان تعتمدان على ابتكار خوف من الدرجة الأولى، خوف من الدم وخوف الموت. ولكنهما تختلفان في لغة الخوف، فالأولى لغتها محترفة فيها تقنية عالية لإقناع المتفرج بأهمية العنف، ولكنها غير قابلة للتصديق، والثانية لغتها ضحلة وارتجالية وسريعة ومفككة ومليئة بالبؤس وغير واضحة المعالم ولكنها رغم كل ذلك هي حقيقية وتؤثر فينا أكثر، وتجعلنا نتلمس أطرافنا لنتأكد أن التفجير لم يطلنا بضرر.

في نشرة الأخبار لا يحتاج المشاهد إلى لغة ليفهم العنف لأن الصورة المرتبكة تعوض غياب الأبجدية، ويكفي مذيع أنيق وابتسامة بلاستيكية لبث الرعب في أعتى النفوس عبر صورة تنثر الأشلاء. وغالباً ما تكون الصورة مشوشة مليئة بالأخطاء الفنية ولكنها بكل أسف صورة واقعية.

لغة السينما لغة مهذبة يظهر فيها الموت مشغولاً بعناية اجتهد مئات الأشخاص لتقديمه كوجبة إقناعية لمشاهد يسترخي على مقعد وثير يقضم «البوب كورن» غير مبال بالدمار الذي تبثه الصورة وغير مشترك وجدانياً مع الذين تؤثر فيهم الصورة، ولا يعنيه ما يحدث على بعد خطوات من حدود بيته. لأن ثقافة اللامبالاة نمت داخله نمواً سلبياً وحولته إلى كائن منعزل إنسانياً يتواصل مع العالم حسب الصورة، فإذا كانت عنيفة فالعالم عنيف وإذا كانت عاطفية فالعالم يسكنه العشاق!

لكن عنف الأخبار يتفوق وهو لا يحتاج إلى بوب كورن ومقعد وثير لإقناع المشاهد أن الصورة حقيقية، ولا تحتاج نشرة الأخبار إلى استعداد مسبق للاستماع إليها أو إلى مشاهدتها، يمكن لعابر السبيل أن يلتقط الصورة ويرى فيها رعباً يجعله فرداً في جوقة المشاهدين المتأثرين والمنخرطين وجدانياً بالفاجعة والمتحسرين على أوطانهم، والذين يقفون فاغرين أفواههم أمام أشلاء تبعثرت في الصورة، أشلاء لم تقو عليها مخيلة هوليوود ولم تجارها سيناريوهات حرب الكواكب أو النجوم.

الصورة في حياتنا طقس مباشر نتواصل معه عنفاً وعاطفة، فإذا كنا نستورد لقطات العنف الهوليوودي بملايين الدولارات، فإننا في المقابل ننتج العنف الإخباري ونصدره مجاناً لمشاهد لا يهتم ولا تعنيه الجغرافيا خارج حدود منزله. هذا هو الفرق بين صورتين: كاذبة نستوردها، وصادقة نصدرها.

hussain@albayan.ae