اوتو دوهابسبورغ هو سليل مباشر لامبراطور النمسا شارل الأول. من مواليد شهر نوفمبر 1912، عرف طريق المنفى في عام 1919 أي عند نهاية الحرب العالمية الأولى التي عرفت تدمير الامبراطورية النمساوية ـ الهنغارية وكذلك الامبراطورية العثمانية.نال اوتو دوهابسبورغ الجنسية الألمانية عام 1978 حيث رشّح نفسه في الانتخابات الأوروبية وأصبح نائبا في البرلمان الأوروبي لمدة عقدين كاملين ما بين عام 1979 وعام 1999.

واليوم وبعد خمسين سنة من توقيع اتفاقية روما التي كّل الحالة الجنينية لما أصبحه الاتحاد الأوروبي اليوم، يقدم سليل الأباطرة النمساويين، الذي تحوّل إلى تبنّي النهج الديمقراطي بصورة كاملة رؤيته لمسيرة التوحيد الأوروبي. وكل المقدمات والمؤشرات تسمح بالقول انها «شهادة استثنائية» بناء على التجربة الفريدة التي يملكها هذا الرجل «الاستثنائي» حول «القارة القديمة» ومعرفته التاريخية والحميمة لرهاناتها المباشرة والدائمة في عالم اليوم.

ولا يتردد المؤلف في الإجابات التي يقدمها على تساؤلات جان بول بيكابير الذي عمل لسنوات طويلة مراسلا لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في ألمانيا وصاحب كتاب عن سيرة حياة المستشار الألماني الأسبق «هلموت كول»، في الحديث بصراحة عن ذاكرة سلالته، باعتباره «وريثها» الشرعي حتى اليوم، ويعود بالحديث عن تاريخها إلى الامبراطور «شارلكان» الكبير، الذي كان قد خصّه المؤلف بكتاب عن سيرة حياته، كما يتحدث عن مغامرته الشخصية حيث انه «اجتاز» القرن العشرين بأكمله تقريبا وعن منفاه الطويل وأيضا، وخاصة عن التزامه المستمر والقوي للعمل من أجل السلام بين الشعوب.

بالطبع تظل أوروبا، ومسيرة توحيدها التي كرّس لها العديد من دراساته وأعماله، هي مركز اهتمام موضوعات هذا الكتاب، ولاسيما فيما يتعلق بجميع الرهانات الجديدة التي تواجهها وفي مقدمتها الفشل الدستوري الذي واجهته «الاتفاقية الدستورية» التي كان قد أشرف على إعدادها وصياغتها الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان.

وذلك عندما قال الفرنسيون «لا» لهذا «الدستور» يوم 29 مايو من عام 2005 وتبعهم في ذلك الهولنديون بالقول «لا» أيضا بعد أيام قليلة. والمعروف أن فرنسا وهولندا من بين البلدان المؤسسة الستة التي كانت قد وقعت اتفاقية روما عام 1957.

ومن الرهانات الأساسية «الحاسمة» التي يتم التعرض لها في هذا الكتاب مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبية. ورهانات أخرى تتعلق باقتسام السلطة بين المؤسسات الأوروبية الموحدة، وعلى رأسها المفوضية الأوروبية المتهمة بأنها تمارس بيروقراطية متقدمة في تعاملها مع الدول، وبين الدول الأعضاء. في الأمر الذي يطرح ضمنا مسألة «السيادة الوطنية» للدول المعنية. تحظى روسيا بقيادة فلاديمير بوتين باهتمام اوتو دوهابسبورغ الذي لا يتردد في اعتبار أنها تشكل «وريثة» مهما أكدت على تعلقها بـ «الديمقراطية» حقيقية للنظام السوفييتي (السابق).

وفي البداية يطرح الصحافي جان بول بيكابير على اوتو دو هابسبورغ السؤال التالي: «سيد هابسبورغ، لقد فعلت كل ما تستطيع من أجل الانفصال عن التاريخ واستشراق المستقبل». وكان تعليق المعني فوريا ومباشرا: «لا تجعلوا مني رمزا روحيا فالماضي لم يعد ملك احد منا. إن ما يهمني هو التاريخ، ولكنه مهم بالمقدار الذي يكون فيه مفيدا من أجل برمجة السياسة. وأنا متمسك جدا بالجملة التي قالها الفيلسوف نيتشه وجاء فيها: إننا نريد أن نخدم التاريخ بمقدار ما يخدم حياتنا».

إن مثل هذا الرأي يوضح بجلاء مدى حرص وريث شارل الأول، آخر أباطرة الامبراطورية النمساوية، على الانسلاخ عن ماضيه وعدم البقاء أسيرا له، والدخول في التاريخ عبر الحاضر وما يفرزه من وقائع وأحداث وتحديات ورهانات. ولا شك أن الآراء المقدّمة في هذا الكتاب تشكل في أحد جوانبها نوعا من «السيرة الذاتية» لصاحبها.

فهو يتحدث عن أمور عاينها وشاهدها وعاشها عن قرب، ولعل من الكشوفات المهمة التي يتحدث عنها إفصاحه عن أنه يتحدث العديد من اللغات الأوروبية التي ليس أقلها شأنا الألمانية والهنغارية، وأيضا اللغة الفرنسية، لغة والدته الامبراطورة زيتا، واللغات الانجليزية والاسبانية والإيطالية والكرواتية. إنه يشكل ما يجسد أوروبا الموحدة «لغويا»، هذا فضلا عن إتقانه اللغة اللاتينية التي كان يتفاهم بها أحيانا مع بعض النواب «الإيطاليين» في البرلمان الأوروبي بفعل «قربهم» من الفاتيكان.

إنه يقدّم نفسه كمزيج من التاريخ الماضي والمسار الحاضر، من العصور الوسطى والحداثة. يقول: «إذا قيل عني انني رجل من القرون الوسطى فهذا لا يضيرني بشيء. فتلك الحقبة قد جرى التقليل من شأنها كثيرا ولم تُعط حق يثمنها. لقد جرى اعتبارها كفترة ظلامية بينما كانت قد عرفت في الحقيقة فترة مسيحية كبيرة على المستوى الحضاري حيث كان البشر يعيشون في إطارها بحالة انسجام كامل مع مجتمعهم ومع ثقافتهم».

ومثل هذا الصوت هو واحد بين العديد من الأصوات التي ظهرت مؤخّرا لمؤرخين أرادوا إعادة الاعتبار للعصور الوسطى، في بعض جوانبها، وليس الاكتفاء باعتبار أنها عصور ظلامية لم تعرف سوى الاستبداد والجهل وجذور محاكم التفتيش. إذا كان اوتو دو هامبسبورغ يعترف صراحة أنه قد «انفصل» عن التاريخ، فإنه يطالب بنفس الوقت بضرورة معرفته عن قرب. إنه يؤكد بطريقة ما المقولة السائدة التي مفادها أنه من لا تاريخ ولا ماض له لا مستقبل له أيضا.

وهو يؤكد في هذا السياق على «قراءة» أحداث القرن العشرين هكذا يتعرّف القارئ على بعض اللحظات الحاسمة التي عرفتها فرنسا كشهادة شخصية من قبل المؤلف، مثلما حصل في يوم 6 فبراير 1934 عندما اجتمع النواب «ممثلو الشعب» أمام الجمعية الوطنية الفرنسية «قصر البوربون» على شاطئ نهر السين والخوف يخامرهم من خطر إلقائهم في مياه النهر ذات البرودة الشديدة.

ولا يتردد في هذا السياق عن إعلان إعجابه الشديد بـ «ليون بلوم» الاشتراكي، الذي ترأس آنذاك حكومة «الجبهة الشعبية» التي أعلنت مواقف معادية للنازية. ومن الآراء التي يصدرها اوتو دو هابسبورغ رأي سلبي جدا حيال هتلر وستالين إذ يقول: لا يمكن لإنسان طبيعي أن يراهن على هذين الرجلين. ويكشف عن اضطراره عند وصول هتلر إلى منصب المستشارية إلى مغادرة ألمانيا.

نقرأ: لم أعرف سوى في مطلع سنوات التسعينات الماضية سبب ملاحقة البوليس النازي لي. كان ذلك بسبب رفضي القاطع القيام بأي اتصال مع هتلر.وإذا كان الوريث «الشرعي» لعرش الإمبراطورية النمساوية يتحدث طويلا عن تجربته، فإنه يضع ذلك كله في إطار السياق التاريخي الراهن للقارة الأوروبية.

ولا يتردد في الإعلان عن «هواه الأوروبي» مؤكدا أن مصير الأوروبيين أنفسهم مرتبط إلى حد كبير بما يستطيعون تحقيقه من توحيد صوتهم بحيث يكون لهذه القارة موقعها على رقعة الشطرنج العالمية، كحليف للولايات المتحدة وإنما أيضا بنفس الوقت كـ «ثقل مقابل» لها في العالم «متعدد الأقطاب» الذي برز بعد نهاية فترة الهيمنة الأميركية التي أعقبت سقوط القوة السوفييتية العظمى (السابقة).

لكن أوروبا، كما يراها، لا تلقى ما تستحق من الحب من قبل أبنائها. وهو يتحدث، في هذا الإطار، بشكل مسهب عن رفض الفرنسيين، لمشروع الاتفاقية الدستورية الأوروبية «الدستور الأوروبي» في استفتاء شعبي بتاريخ 29 مايو 2005، ثم تبعهم الهولنديون بالرفض.

ويقول بهذا الصدد إن نتيجة الاستفتاءين لم تكن «مفاجأة»، بل إنها كانت «متوقعة» وهو يحمّل مسؤولية ذلك للحكومات الأوروبية نفسها التي «عرقلت» عمل الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان عندما شكّلت لمساعدته لجنة مؤلفة من 106 أشخاص. والنتيجة هي أنه «عندما يتزاحم مئة طباخ في نفس المطبخ لا يمكن أن يحضّروا سوى وجبة شديدة السوء»، حسب تعبير اوتو دو هابسبورغ.

والحل؟ إنه وكما يراه الانطلاق من جديد من نقطة الصفر، وتصور إمكانية صياغة مشروع اتفاقية دستورية جديد يكون أكثر بساطة وأكثر قابلية لفهم المواطنين الأوروبيين المعنيين به لمحتواه (وهذا ما حدث عندما تبنّى القادة الأوروبيون بتاريخ 27 يونيو 2007 في بروكسل بمعاهدة مبسّطة بناء على اقتراح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي).

وينقل المؤلف في هذا السياق عن الإمبراطوة ماري تيريز قولها: «كانت الإمبراطورة ماري تيريز تقول أن أي قانون لا يصبح مشروعا إلا إذا فهمه أبسط حرّاس حظيرة الحيوانات». ويولي اوتو دو هابسبورغ برأي صريح ضد دمج تركيا في إطار الاتحاد الأوروبي، وذلك على أساس أن تطلعها الجوهري لا يكمن في الانضمام للقارة القديمة وإنما لخدمة مصالحها الذاتية. لكنه يؤكد على ضرورة إجراء حوار حقيقي بين المسيحية والإسلام في منظور «مكافحة الإرهاب».

ويرفع في هذا الإطار شعار «الحق الأوروبي» كدليل مرشد في ترسيم الحدود الأوروبية. وهو يبارك في هذا الإطار انضمام هنغاريا (المجر) الشريك السابق في الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية وأيضا انضمام رومانيا، لكنه يرى أنه لم تتم معاملة «كرواتيا» المعاملة التي تستحقها. ويتخذ أيضا موقفا مناوئا بشدة لـ «روسيا» في ظل حكم فلاديمير بوتين. بل إنه يحذر بوضوح من «التهديدات» والتي تمثلها على التوازن والسلام في القارة الأوروبية، لاسيما من حيث طبيعتها الشمولية. بل ولا يتردد في اعتبار روسيا الراهنة كآخر امبراطورية استعمارية في العالم اليوم.

وفي الكلمات الأخيرة من الكتاب نقرأ على لسان اوتو دو هابسبورغ وهو في الخامسة والتسعين من عمره: أنا على قناعة أن اليوم الأخير من حياة إنسان هو الأكثر أهمية. بتعبير آخر، هو يوم الحساب أمام العلي القدير. ويضيف أن المهم في ذلك اليوم ليس أن يكون المرء منتصرا ومهزوما، وإنما أن يكون قد تصرّف دائما من وحي ضميره ومما يعتبره واجبه. فمثل هذه الرؤية للمستقبل تهب الإنسان استقلالية كبيرة.

*الكتاب:التحدي الأوروبي الجديد

*الناشر: فايار ـ باريس2007

*الصفحات: 560 صفحة من القطع المتوسط

Le nouveau défi européen

Otto de Habsbourg, Jean-Paul Picaper

Fayard- Paris- 2007

p.560