يعمل مؤلف هذا الكتاب رئيسا لمركز الدراسات الإستراتيجية في لندن ولمركز السياسات الأمنية في جنيف، وهو أيضا مستشار خاص لمؤسسة الأبحاث الإستراتيجية. خبير مشهود له على المستوى العالمي، سبق له وقدّم العديد من الكتب بينها: «نهاية الغرب» «أوروبا والشرق الأوسط» و«الإرهاب في فرنسا اليوم» و«أوروبا في مواجهة التحديات التكنولوجية والعسكرية الجديدة»، الخ.
العالم الذي نعيش فيه اليوم وغدا أكثر ازدحاما، هذا ما يقوله عنوان الكتاب، وهذا ما يحاول مؤلفه أن يشرحه على مدى صفحاته. هناك فكرة أساسية يبدأ منها المؤلف تحليلاته وتتمثل في القول إن العالم الذي نعيش فيه يزداد تعقيدا أكثر فأكثر بمقدار ما تتزايد القوى الفاعلة فيه وما يترتب على ذلك من «تداخلات» متعاظمة. لكنه يزداد تعقيدا أيضا بمقدار ما تتكاثر التحديات ذات السمة الكونية وفي مقدمتها تحديات الطاقة والثورات والتكنولوجيات وتعاظم تهديد الإرهاب بكل أشكاله ومشاربه.
وعلى قاعدة «توصيف» الوضع القائم في عالم اليوم، وباعتبار أن عملية «التوصيف» هذه تشكل خطوة أولى لا بد منها للفهم والتحليل واستقراء المستقبل، يطرح المؤلف العديد من الأسئلة حول هذا العالم الذي غدا «أكثر ازدحاما». فمن، أو ماذا، سيسيطر على السلطة فيه؟ وما هي الآليات التي سوف يتم اتخاذ القرارات على أساسها؟ وبالنظر إلى ماذا؟ وبعد صعود الولايات المتحدة الأميركية، هل سيأتي لا محالة عصر التفوّق الآسيوي.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين خمسة فصول يتحدث الأول منها عن ولادة العولمة ونضجها، ويحمل الثاني عنوان «نهاية القرن الأميركي»، ويشرح المؤلف في الثالث: «لماذا لن يكون القرن الجديد آسيويا بالضرورة»، ويرد في الفصل الرابع على مقولة الصحفي الأميركي المعروف «توماس فريدمان» التي شرحها في كتاب يحمل عنوان «الأرض مسطّحة» - الذي قدمته «البيان» في أحد ملاحقها السابقة للكتب-، ويحمل هذا الفصل الرابع عنوان: «الأرض ليست مسطّحة». أما الفصل الأخير فيقول عنوانه: «السلطة في عالم لا سيّد فيه».
يشرح المؤلف بداية أن تعبير «العولمة» ظهر في بداية عقد الستينات الماضي لكنه أخذ مكانة مركزية في النقاشات العامة اعتبارا من النصف الثاني من عقد التسعينات، وخاصة بعد قمة منظمة التجارة العالمية في «سياتل» بأميركا عام 1999. ويتحدث المؤلف أيضا عن ثلاثة «عصور» للعولمة الغربية. يخص العصر الأول انتشار على مختلف قارات العالم منذ ما يقارب 000 60 سنة عندما «خرج» من إفريقيا البشر «الحديثون» واستمر هذا العصر حتى نهاية الألف الأول بعد الميلاد.
ويعتبر المؤلف أن تلك العولمة إن لم تكن موجودة في الوعي، وعبر التبادل، فإنها كانت موجودة في الوقائع والسواد الأعظم من الأمكنة التي كان يسكنها البشر خلال تلك العولمة «الأولى» هي التي يسكنونها اليوم. أما العصر الثاني للعولمة فقد بدأ مع «الاكتشافات الأوروبية الكبرى» والتي برز معها هدف «الإحاطة بالعالم كله». ثم هناك عصر العولمة الذي نعيشه اليوم.
ويفتح المؤلف هنا قوسين للحديث عمّا يسميه بـ «الحرب الأهلية العالمية» التي شهدتها فترة 1914-1989، أي منذ بداية الحرب العالمية الأولى حتى انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد عرفت هذه الفترة «تجزئة» منظومة العالم و«إعادة توزيع» العولمة المعاصرة. لكن الحروب نفسها، خاصة الحربين الكونيتين الأولى والثانية، هي كانت وراء «ولادة» بعض الدوافع ذات التطلع العالمي.
ولا يتردد المؤلف في القول إن للعولمة المعاصرة مصدرين أساسيين، إنّما من طبيعتين مختلفتين جدا، وهما مؤسسات «بريتون وود»، أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من جهة، والثورة في ميدان الإعلام والمعلومات من جهة أخرى. وبكل الحالات كانت الولايات المتحدة خلال القرن العشرين، الذي اتسم أنه كان بنفس الوقت بعمليات تخريب وتدمير هائلة وبنهوض اقتصادي كبير، في صلب اللعبة. لكن الرهان هو معرفة عمّا إذا كانت أميركا ستبقى «روح» العولمة.
تحت عنوان «نهاية القرن الأمريكي» يشرح المؤلف أن هذا القرن قد بدأ مع الحرب ضد اسبانيا عام 1898 حيث بدت الولايات المتحدة كقوة تدخل عالمية. وشهدت حرب 1914-1918 تدخل أميركا للمرة الأولى في الشؤون الأوروبية حيث سرّعت بهزيمة ألمانيا.
وإذا كانت فرنسا قد قامت بمحاولات عديدة للهيمنة في ظل لويس الرابع عشر أو نابليون بونابرت وأقام البريطانيون إمبراطورية شاسعة أرادوا لها أن تكون ذات بعد كوني، ونال الألمان حظّهم في التوسع خلال القرن العشرين، فإن هذه المشاريع كلها كانت متواضعة بالقياس إلى استمرارية التفوق الأميركي الحالي. ثم إن الهيمنة الأميركية شاملة، عالية.
وما يميّز هذه الهيمنة في القرن العشرين عن أشكال سابقة من الهيمنة، مثل الاسبانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر والانجليزية في الثامن عشر والتاسع عشر، هي أنها لا سابق لها من حيث أنها تطال ميادين الإستراتيجيات والقوة العسكرية وإنما أيضا على صعيد الاقتصاد والثقافة.
وبعد أن يشرح المؤلف «مصادر القوة الأميركية وطبيعتها» يشير إلى أن العالم يتجه نحو نهاية حقبة «أحادية القطب» الدولي، وذلك إثر نهاية حقبة «ما بعد الحرب الباردة»؟ ويعتبر أن إدارة جورج دبليو بوش سوف ينظر لها التاريخ على أنها كانت بنفس الوقت إدارة القطيعة وحيدة الطرف وإدارة الفشل في العراق وحيث إن هذا الفشل «قد يشكل التقهقر الإستراتيجي المشهود أكثر منذ حرب عام 1812 مع انجلترا»، حسب تعبير المؤلف.
وتجسد هذه الإدارة، بصيغة ما، اللقاء بين «فريق سياسي- إيديولوجي وصل إلى السلطة في ظل ظروف غريبة خلال شهري نوفمبر-ديسمبر 2000» وبين «الصدمة التاريخية لهجوم 11 سبتمبر 2001». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الأميركيين أنفسهم، وفيما هو أبعد من إدارة بوش، واجهوا تفجيرات 11 سبتمبر برد فعل اختلط فيه الغضب والاستنكار مع الإحساس بالتفوق.
وبدت لهم تلك التفجيرات أخطر وأكثر اتساعا من جميع الهجومات السابقة التي تعرّضت لها أميركا، بما في ذلك تدمير البيت الأبيض أثناء حرب 1812 والهجوم المباغت الذي قام به اليابانيون ضد قاعدة «بيرل هاربور» عام 1941.
لكن المستجدات الدولية، وفي مقدمتها الصعود القوي للصين التي ستصبح كما تدل عدة مؤشرات خلال فترة تتراوح بين 10 سنوات و20 سنة قوة عظمى، ستؤدي حتما إلى تغيير موازين القوى على المسرح الدولي. وبالتالي سوف تعرف «فترة الأحادية القطبية الدولية» التي تمتعت بها الولايات المتحدة بعد انهيار جدار برلين وبعد حرب الخليج الأولى لعام 1991، نهايتها أيضا.
هذا ما يخلص منه المؤلف إلى القول: «قد يمكن الكتابة دون خطر كبير باقتراف الخطأ أن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرنا أميركيا جديدا كما أعلنه البيان المحافظ الجديد لعام 1997». ثم يضيف السؤال التالي: «هل هذا يعني أن دور آسيا، وخاصة الصين، قد جاء»؟
الإجابة على هذا السؤال تجد محاولة إجابة المؤلف عليها في الفصل الذي يحمل عنوان: «لماذا لن يكون القرن الجديد آسيويا بالضرورة» وبعد أن يقدم نبذة تاريخية عن مسيرة الصين التاريخية وما عرفته من فترات «عظمة» و«إذلال» يتحدث عن «الصعود السلمي للصين». لكن سيكون على الصين أن تواجه «ازدحام العالم» وبالتالي مع قبول فكرة بلوغ الصين إلى مصاف قوة عظمى في إطار آسيا بلغت نفسها مرتبة المنطقة الأكثر أهمية اقتصاديا وإستراتيجيا في العالم، فإن هذا لا يعني أنها ضمنت الهيمنة. ذلك أنها ليست وحيدة في منطقتها فهناك الهند واليابان.
ثم إن الولايات المتحدة الأميركية نفسها متواجدة «عسكريا» في المنطقة. ولا يزال من غير المعروف بدقة النهج الذي ستختاره الولايات المتحدة والصين، وهل سيكون نهج التعاون أو التعارض، هذا إذا لم تكن المواجهة. بكل الحالات يتم القول إن «الخطر الأصغر» لن يستطيع بسط هيمنته على العالم كله.
لكن هذا لا يعني أن الصين ستعرف مسارا مشابها لذلك الذي عرفته اليابان، أي تصعد ثم تخبو. فاليابان لن تصبح أبدا «قوة عظمى» بسبب عدم استقلالها الذاتي «إستراتيجيا». أما الصين فكل الدلائل تشير إلى أنها ستصبح قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة... وإنما ليست القوة الجديدة المهيمنة.
ويردد المؤلف في الفصل الرابع من الكتاب على أطروحة الصحفي الأميركي توماس فريدمان القائلة إن «الأرض مسطّحة». ويرى فريدمان أن العولمة الحالية ستؤدي إلى قيام كيان بشري عالمي يمكن مقارنته، من حيث قدرته على «التنظيم الجماعي للأفراد»، بالدول ـ الأمم التي ظهرت خلال القرون الأخيرة. أي بتعبير آخر قيام «عالم موحّد» بفعل العولمة.
كما يرى أن نزاعات العالم تعود منذ الآن إلى الفرق في إيقاعات الوصول إلى مكاسب العولمة إلى عدم المساواة في توزيع هذه المكاسب. الديمقراطية واللبرالية وحدهما ستخفقان تدريجيا من هذه اللامساواة. من هنا كان فريدمان قد أيّد بحماس الحرب الأميركية في العراق على أساس أنها سوف تفتح البلاد أمام قوى التقدم.
لكن مثل هذا التحليل لا يصمد أمام التحديات الكونية المطروحة، وليس تحدي الطاقة وسخونة الأرض أقلها تعقيدا. ومثل هذا الوضع يؤدي إلى قيام «عالم لا سيد فيه».. وهذا ما يشرحه المؤلف في الصفحات الأخيرة من الكتاب.
*الكتاب:ازدحام العالم
*الناشر: ستوك ـ باريس 2007
*الصفحات:238 صفحة من القطع المتوسط
L'épaisseur du monde
François Heisbourg
Stock- Paris- 2007
832 p.

