قام بتأليف هذا الكتاب كل من السيدة جاكلين مونسينييه وادوارد ميكس. والأولى هي كاتبة مشهورة ترجمت كتبها إلى اثنتين وعشرين لغة. ومن أشعر رواياتها: بيانكا المتمردة، والبيت الأحمر. وأما الثاني فهو زوجها في الواقع، ومعروف أنه نجم سينمائي مرموق وقد لعب أدوارا مهمة في عدة مسلسلات تلفزيونية وسينمائية. وكان قد نشر مع زوجته كتابا بعنوان: حكاية هوليوود. وقد لفت الانتباه لأنه درس تاريخ أشهر مكان لإنتاج السينما العالمية.

وهنا يقدم المؤلفان قصة مهرجان مدينة «كان» الفرنسية الذي يعتبر أشهر مهرجان للسينما في العالم. ومنذ البداية يقولان ما معناه: في عام 2007 احتفلت مدينة «كان» عروس البحر البيض المتوسط بالذكرى الستين لتأسيس مهرجانها الشهير. فالواقع أن هذا المهرجان الذي يجمع كل سنة نخبة السينما العالمية من ممثلين ومخرجين وشخصيات كان قد دشن لأول مرة عام 1947، أي بعد الحرب العالمية الثانية بقليل. وقد دشنه الفرنسيون لكي ينافس مهرجان البندقية الذي يسيطر عليه الفاشيون في إيطاليا. ولكن من يتذكر الآن مهرجان البندقية؟ لا أحد تقريبا. كل الشهرة أصبحت لمهرجان كان السينمائي العالمي. ولكن ينبغي العلم بأن مهرجان «كان» ابتدأ عام 1939 وليس عام 1947 كما ذكرنا.

ولهذا السبب قلنا بأنه دشن لمنافسة مهرجان البندقية الذي يسيطر عليه موسوليني والفاشيون الإيطاليون. ولكن مهرجان «كان» اضطر للتوقف بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية وهجوم هتلر على فرنسا واحتلاله لها. وهكذا مات مهرجان كان ما إن ولد، أو قل ولد ميتا. ولم يبتدئ حقيقة إلا عام 1946 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة الفاشية والنازية. ولهذا السبب قلنا بأن الفرنسيين احتفلوا بمرور ستين عاما على تأسيسه هذه السنة 2007.

ثم يستعرض المؤلفان تاريخ المهرجان سنة بعد سنة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم. إن الكتاب يروي بالفعل قصة هذا المهرجان الشهير منذ البداية وحتى النهاية أو قل حتى الوقت الحاضر لأنه لم ينته بعد، ولا يبدو أنه سينتهي عما قريب. فلا يوجد أي مهرجان سينمائي في العالم قادر على منافسته حتى هذه اللحظة.

ويتوقف المؤلفان قليلا عند مهرجان سنة 1948، أي قبل ستين سنة تقريبا ويقولان: في ذلك الوقت كان الآغاخان زعيم الطائفة الإسماعيلية قد تزوج للمرة الرابعة ملكة جمال فرنسا «ايفيت لابروس» التي أصبحت تلقب بالبيفوم بعد زواجها منه. وقد اتخذت اسما إسلاميا بالطبع لكي تتلاءم مع الوضع الجديد.

وفي ذلك الوقت كان الآغاخان وزوجته يمتلكان أجمل «فيلا» مطلة على مدينة كان والبحر من الهضاب المرتفعة. ومعلوم أن مدينة كان محاطة بالهضاب من كل الجهات ما عدا البحر. وراحا يستقبلان في صالوناتهما الرائعة كل النخبة الراقية المشاركة في المهرجان من ممثلين وممثلات رائعات. وكان كرم الآغاخان بلا حدود.

ثم يردف المؤلفان قائلين: ومعلوم أن الآغا خان كان مولعا آنذاك بزوجته الحسناء الشابة ملكة جمال فرنسا سابقا. وكان يغمرها بالهدايا والجواهر الثمينة التي لا مثيل لها. وكانت تظهرها بكل افتخار على عنقها وصدرها. وهذا ما لفت اهتمام بعضهم يوما ما. وبالتالي فقد حصل ما لم تحمد عقباه قبل افتتاح المهرجان ببضعة أيام. فقد كانا يسيران في سيارتهما الرولز رويس الفخمة بين مدينة نيس ومدينة «كان» اللتين لا تبتعدان عن بعضهما البعض كثيرا. وفي أثناء الطريق حصلت زحمة ووقعا في كمين منصوب لهما خصيصا.

وأصبحا محاطين بعصابة من اللصوص والقبضايات المحترفين. وعندئذ اضطرت «البيفوم» إلى فتح باب السيارة وإعطائهم صندوق مجوهراتها التي لا تقدر بثمن. وانفجرت الفضيحة بعدئذ وكادت أن تغطي على أحداث المهرجان الشهير.

ولكن الآغاخان وعدها بأن يعوض لها كل ما فقدته. وبالفعل فقد اشترى لها صندوقا آخر مليئا بالجواهر الثمينة النادرة. وهكذا انتقم لها من أولئك اللصوص الذين لم يرهم أحد حتى الآن ولم تستطع الدولة بكل أجهزتها أن تكتشفهم. ولكن لا يهم. فالآغاخان غني جدا والفلوس لا تنقصه أبدا. ومعلوم أن أبناء الطائفة يقدمون له كل سنة «وزنه» ذهبا ومجوهرات. وبما أن وزنه أكثر من مئة كليوغرام فإنه لا مصلحة له في اتباع الريجيم وإنقاص وزنه الكبير.

ثم يردف المؤلفان قائلين: وفي ذات الوقت كانت الممثلة الأميركية الشهيرة ريتا هيوارت قد جاءت إلى مدينة كان برفقة زوجها الجديد علي خان ابن الآغا خان ما غيره. وقد نزلا في «قصر الأفق اللازوردي» الرائع الذي يوصل مباشرة إلى البحر. فتخيلوا المنظر البديع! إنه قصر ألف ليلة وليلة ذلك الذي قدمه الأمير علي خان لزوجته الحسناء التي كانت أشهر ممثلة سينما في ذلك الزمان.

ومعلوم أنها كانت قد طلقت للتو من قبل المخرج الشهبر أورسون ويلز قائلة: لا يمكن العيش مع عبقري. ولكن هل هي سعيدة مع علي خان؟ الصور تظهرها حزينة ذات نظرات ضائعة. وبالتالي فقد استنتج الناس أنها ليست سعيدة أن الأمير اشتراها بالفلوس بكل بساطة. ثم أنجبت طفلة منه دعوها باسم: ياسمينة.

ثم طلقت زوجها بعدئذ قائلة: إن الرجال يحبونني لدوري في السينما حيث أبدو خيالية بجمال منقطع النظير. ولكن عندما يتعرّفون علي في الواقع يملون مني بعد فترة. إنهم يحبون الممثلة لا المرأة الحقيقية. ولذلك تحصل المشاكل بيننا ويكون الطلاق في كل مرة. ولكن يقال أيضاً بأن الأمير علي خان كان يخونها مع حسناوات أخريات على الشاطئ اللازوردي. والله أعلم. فالحسناوات هناك لا حصر لهن ولا عد، والمغريات كثيرة.

ثم يستعرض المؤلفان شريط الأحداث على مدار كل تلك السنوات. ويتوقفان في كل مرة عند فيلم شهير أو ممثل صاعد يؤكد ذاته كعمر الشريف من خلال الدكتور جيفاكو، ولورنس العرب، وسواهما من الأفلام التي نالت شهرة عالمية ضخمة. وهكذا أصبح عمر الشريف أول ممثل عربي ذي سمعة دولية لا تناقش.

كما ويتحدث المؤلفان عن صعود نجوم جديدة في سماء السينما الفرنسية في الستينات من القرن الماضي من أمثال الآن ديلون، وجان بول بلمندو، وجان لوي ترنتينان وسواهم. وفي كل مرة كان مهرجان كان يحتفل بوجوه جديدة وأفلام رائعة. ولا ينبغي أن ننسى الممثل الكبير ميشيل سيرو الذي مات قبل يومين.

والواقع أن كل نجوم السينما العالمية حضرت مهرجان كان على التوالي. فذكر من بينهم مارلين براندو الأميركي، أو صوفيا لورين الإيطالية، أو بريجيت باردو الفرنسية، أو كاترين دونيف، أومارسيلو ماستورياني، أو سواهم عديدون. ولا ينبغي أن ننسى المخرجين الكبار من أمثال فيليني.

وفي الختام يقول مؤلفا الكتاب بأن مهرجان كان تحول إلى أسطورة عالمية من كثرة نجاحه. وأصبح جميع الممثلين في شتى أنحاء العالم راغبين في حضوره من أجل أن يعرضوا أفلامهم وينالوا الشهرة التي يحلمون بها منذ زمن طويل. فلا يمكنك أن تشتهر إلا إذا مررت ب«كان» يوما ما، وما أدراك ما كان!

*الكتاب: قصة مهرجان كان

*الناشر:منشورات لاروشيه ـ باريس 2007

*الصفحات : 379 صفحة من القطع الكبير

Le roman du Festival de Cannes

Jacqueline Monsigny, Edward Meeks

Editions du Rocher - Paris2007

P.379