مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جيل تروي أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد وأحد كبار المختصين بالتاريخ الحديث للولايات المتحدة الأميركية. وهو هنا يتحدث لنا عن رولاند ريغان وكيف بلور سياسة جديدة أدت إلى إسقاط الاتحاد السوفييتي بعد تركه الرئاسة بسنة واحدة فقط. فمن هو ريغان يا ترى؟ وما هي الخطوط العريضة لهذه السياسة الجديدة التي انتهجها؟

منذ البداية يقول المؤلف ما معناه: كلنا يعلم أن قدوة الرئيس الأميركي الحالي هو رولاند ريغان وليس والده جورج بوش الأب. فمدشن سياسة القوة والمحافظين الجدد هو بالفعل ريغان. وقد ابتدأت هذه السياسة تتبلور منذ بداية الثمانينات وليس بعد 11 سبتمبر.

صحيح أن هذا التفجير الإرهابي الكبير أعطاها دمغا قويا وجعل الشعب الأميركي يميل يمينا ولكن التحول كان قد طرأ على سياسة أميركا بعد هزيمة كارتر ووصول منافسه ريغان إلى سدة الحكم. وكان تنفيذ برنامج المحافظين الجدد يقتضي آنذاك ليس مواجهة الحركات المتطرفة في العالم الإسلامي وإنما مواجهة ما دعاه ريغان بإمبراطورية الشر: أي الاتحاد السوفييتي. وبالتالي فالسياسة الأميركية الحالية ليست إلا استمرارية لسياسة ريغان وان بشكل آخر وأهداف أخرى.

ثم يضيف المؤلف قائلا: كان رولاند ريغان هو الرئيس رقم أربعين للولايات المتحدة الأميركية. وقد انتخب مرتان متتاليتان وحكم أميركا بين عامي 1981-1989. ومعلوم أنه ولد عام 1911 ومات عام 2004 عن عمر يناهز الثالثة والتسعين. وفي أواخر حياته كان مصابا بمرض فقدان الذاكرة وعدم القدرة على الكلام. وظل معقدا أو فاقدا لقدراته العقلية من عام 1992 وحتى وفاته عام 2004. وهو المرض الذي يدعى أيضا بخرف الشيخوخة.

وكان ريغان يصف نفسه عندما وصل إلى الرئاسة أو حتى قبل ذلك بصفته عدوا لدودا للشيوعية ومؤيدا جدا للرأسمالية والشركات الأميركية كبيرة كانت أم صغيرة. والواقع أنه دشن سياسة يمينية جدا من الناحية الاقتصادية تماما كمرغريت تاتشر في انجلترا أو في نفس الفترة تقريبا. والواقع أنهما كانا متقاربين فكريا وسياسيا. لقد دشنا السياسة الرأسمالية العدوانية المضادة للطبقات الشعبية والمؤيدة للأغنياء والطبقات العليا في المجتمع. وكان ريغان من دعاة قمع الجانحين وأعمال الشغب والجريمة بكل قسوة. ولهذا السبب أعجب به الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي.

وكان ريغان يدعو إلى عدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية وترك هذه المهمة لكبار رجال الأعمال والمبادرات الفردية. كان يعتبر أن الدولة مدعوة إلى كف يدها عن التدخل في النشاطات العامة للمجتمع ما عدا مجالا واحدا هو: المجال العسكري.فهنا ينبغي على الدولة أن تتدخل وبقوة من أجل تشكيل أكبر قوة ضاربة أميركية. وهذا ما فعلته في عهده حديث انخرطت أميركا في حرب النجوم التي أدت في نهاية المطاف إلى إنهاك الاتحاد السوفييتي اقتصاديا وبالتالي إسقاطه.

ثم يضيف المؤلف قائلا: لقد اشتهر رولاند ريغان بشخصية قوية كارزمية وحضور تلفزيوني كبير. وكان يسيطر على عقول الأميركان وقلوبهم ما أن يظهر على الشاشة الصغيرة ويتحدث لهم بلغة بسيطة، موزونة، هادئة والابتسامة العريضة ترتسم على وجهه.ويرى الكثيرون أن صفاته الشخصية التي كان يتمتع بها هي التي أدت في نهاية المطاف إلى انتصاره على الشيوعية بعد حرب باردة طويلة ومرهقة قاربت النصف قرن.

ولكن الكثيرين يعتقدون أن انهيار الكتلة الشرقية عائد إلى فشل سياسة الإصلاحات الاقتصادية التي انتهجها غورباتشيف بعد عام 1985. ولكن أليس هذا الفشل عائدا في قسم منه إلى فرض سباق التسلح على الاتحاد السوفييتي من قبل ريغان كما قلنا. فقد كلف مبالغ طائلة بالإضافة إلى الانخراط في حرب أفغانستان المدمرة. كل هذه العوامل تضافرت لكي تساعد ريغان والمحافظين الجدد على هزيمة الشيوعية. ينبغي ألا ننسى أن رولاند رامسفيلد كان مسؤولا كبيرا في عهد ريغان.

ويقال بأن جورج بوش الابن يقلد حاليا سياسة ريغان ويحلم بهزيمة القاعدة والحركة الأصولية عموما مثلما هزم ريغان الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية عموما. كلاهما يعتبر عدوه محور الشر أو إمبراطورية الشر. ومعلوم أن ريغان حارب بعنف النفوذ الشيوعي في قارة أميركا اللاتينية المجاورة للولايات المتحدة. ودعم هناك الأنظمة الرجعية الأكثر استبدادا من أجل ضرب الحركات اليسارية والماركسية.

وضرب بحقوق الإنسان عرض الحائط عندما تعامل مع أشد الحكومات يمينية في نيكاراغوا وسواها. ولكنه في نهاية عهده دعم الأنظمة التي تقبل بإجراء انتخابات نيابية حرة هناك. وبالتالي فقد ساند فكرة نشر الديمقراطية في أمريكا اللاتينية على الرغم من كل مساوئ عهده التي ذكرناها. ويرى المؤلف أن رولاند ريغان هو مؤسس الحزب الجمهوري الجديد في أميركا. إنه مدشن السياسة اليمينية المحافظة في الداخل والهجومية في الخارج. وفي عهده تنامى نفوذ اليمين المسيحي الأصولي كثيرا. كما ولقيت أفكار المحافظين الجدد مرتعا خصبا لعا.

ومعلوم أن أحد صقور واشنطن والمحافظين الجدد دونالد رامسفيلد كان مقربا من ريغان. بل وكان مبعوثه الشخصي إلى الشرق الأوسط حيث قابل صدام حسين عام 1983 ودعمه في حربه ضد إيران. وقد أدت هذه الزيارة إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1984. وهكذا فتحت سفارة واشنطن أبوابها من جديد في بغداد. ومعلوم أن العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين كانت مقطوعة منذ عام 1967.

نعم لقد ازدهر فكر المحافظين الجدد في عهد ريغان بل وشكل هذا العهد ثورة محافظة كبيرة في أميركا. لقد شكل أكبر انقلاب على أفكار الثورة اليسارية الطلابية لمايو 1968 التي اجتاحت الجامعات الأميركية كما الأوروبية. ومعلوم أن هذه الأفكار كانت تدعو إلى الثورة الجنسية وإلى التحرر من الوصاية الأبوية للأستاذة وأرباب العمل وإلى حق المرأة في الإجهاض والعيش بحرية كما تشاء وتشتهي. كما وكانت تدعو إلى محاربة الرأسمالية والشركات الكبرى والاستغلال والتدخل الإمبريالي في شؤون العالم الثالث، الخ.

ضد كل هذه التوجهات اليسارية التي سيطرت على أميركا في الخمسينات والستينات نهضت سياسة ريغان التي قامت بانقلاب مضاد: أي انقلاب محافظ على الانقلاب التقدمي للطلاب والعمل والمثقفين اليساريين. وراح المنظرون الجدد لعهد ريغان يدعون إلى عودة أميركا إلى قيمها التقليدية القديمة المضادة للحرية الجنسية أو الإباحية والمحافظة على مؤسسة العائلة والزواج والإنجاب. كما وحارب اليمين المسيحي بقوة أفكار الشذوذ الجنسي التي كانت قد انتشرت بكثرة في السنوات السابقة بحجة الحرية وفلسفة المتعة واللذة، الخ.

وربما لهذا السبب لقيت سياسة ريغان تأييدا مهما من قبل الشعب الأميركي أو قسم كبير منه. فالناس كانوا قد تعبوا من حياة الحرية المطلقة التي وصلت إلى حد الإباحية في أحيان كثيرة. وكانوا قد أصبحوا بحاجة إلى زعيم قوي يقودهم ويضبطهم ويحميهم حتى من أنفسهم! وهذا ما فعلته فرنسا مؤخرا بانتخاب ساركوزي. ينبغي العلم بأن الثورة التقدمية أو التحررية السابقة التي اندلعت عام 1968 في أوساط الطلاب والجامعات والمثقفين الأميركان كانت قد تجاوزت الحدود في التحلل من كل الأعراف والقيم والتقاليد القديمة.

وبالتالي فإن ثورة ريغان المحافظة جاءت كرد فعل على الشطط السابق. وهذا ما يحصل حاليا في فرنسا وان بشكل أقل ومختلف لأن لكل مجتمع ظروفه. فعندما تسأل ساركوزي من هو قدوته في مجال السياسة يقول لك: ريغان وطوني بلير! وهذا يعني أن سياسيته ستكون مزيجا من اليمينية والتقدمية في آن معاً.

*الكتاب:فجر جديد في أميركا: كيف اخترع رولاند ريغان سياسة الثمانينات

*الناشر:مطبوعات جامعة برنستون ـ 2007

*الصفحات :448 من القطع الكبير

Morning in America : how Roland Reagan invented the 1980's

Gil Troy

Princeton Universtity Press

P.844