ساهم في تأليف هذا الكتاب كل من الشاعر بيتر بيتهانيس وزوجته ايلزا بيتهانيس، وقد حاولا فيه تسهيل النظريات الفلسفية المعقدة كالدادائية والسوريالية. ومعلوم أنهما ظهرتا وراء بعضهما البعض في بدايات القرن العشرين بل كانت الثانية بنت الأولى وامتدادا لها. ومنذ البداية يقول المؤلفان ما معناه:
لقد ظهرت الحركة الدادائية عام 1916 في مدينة زيوريخ بسويسرا على يد الكاتب تريستان تزارا. وكانت في البداية حركة عبثية فوضوية في مجال الفن والأدب عموما. وقد تشكلت بشكل عفوي أو عشوائي كرد فعل على مجازر الحرب العالمية الأولى. ومعلوم أنه سقط فيها ملايين البشر، ولذلك شعر الكتاب الأوروبيون بالغضب العارم تجاه هذه المذبحة الكبرى وقرروا الخروج على المألوف ومعارضة كل التقاليد الشائعة في المجتمع الأوروبي للتعبير عن غضبهم وتمردهم. فهذه التقاليد هي التي أدت إلى الكارثة في نظرهم. وبالتالي فيحق الخروج عليها.
لقد قرروا الخروج على العقلانية الكلاسيكية في الفن والأدب لأن العقل لم يستطع أن يمنع اندلاع الحرب وقتل ملايين الشباب الأوروبي في معارك طاحنة وعبثية في آن معا. هذا هو الباعث الأول لتشكيل الحركة. وقد سموها «دادا» بشكل عشوائي أيضا لأنهم عندما كانوا مجتمعين في حانة فولتير بزيوريخ فتحوا القاموس هكذا لا على التعيين فوقعوا على كلمة «دادا» فسموا حركتهم بها. وبالتالي فالعملية كلها عبثية من أولها إلى آخرها.
وقالوا في بيانهم التأسيسي بأن الحركة الدادائية تهدف إلى التحرر من طل القيود والأعراف الاجتماعية. إنها دعوة للانطلاق والحرية في الكتابة الأدبية أو الرسم التشكيلي أو أي تعبير آخر عن الواقع والوجود. وقالوا بأن عبثية الحرب العالمية الأولى ينبغي أن تقابلها عبثية أخرى على صعيد الأدب والفن. والواقع أن الحركة الدادائية كانت عبارة عن رد فعل على قيم الحضارة الغربية بمجملها.
وهي قيم ترتكز على أساس العمل في المصانع من الصباح إلى المساء، وعلى النظام الصارم بل وشبه العسكري لهذا العمل بالذات. وقال مؤسسو الحركة بأنهم قرروا الإضراب عن العمل والعيش بشكل هامشي والتسكع في الطرقات والدروب والعيش في الحانات. وهكذا ثاروا على المجتمع البورجوازي بكل قيمه الراسخة وأصبحوا يجدون الجميل قبيحا والقبيح جميلا على طريقة بودلير أو رامبو. ألم يقل رامبو في ديوانه الشهير فصل في الجحيم: لقد أجلست الجمال على ركبتي ووجدته مريرا وشتمته؟
وبالتالي فالحركة العبثية أو الفوضوية في الفن والشعر ظهرت قبل الدادائية وتجد جذورها عند رامبو المشهور بأنه كان أكبر متمرد وأزعر في التاريخ. وبالتالي فالحركة الدادائية هي في الأصل حركة تبحث عن الانعتاق والحرية. إنها مفعمة بالتمرد على كل شيء. ولكن هذه الحركة لم تدم طويلا، والشاعر الفرنسي أراغون يعتبر أنها انتهت بعد خمس سنوات من تأسيسها أي عام 1921-1922. ثم أردف قائلا: إن قصائد تريستان تزارا أسكرتني وأنعشتني طيلة حياتي كلها.
ثم يواصل المؤلفان كلامهما قائلين: وبعد موت الدادائية جاء دور السريالية التي كانت استمرارية لها مع بعض التوسيع والتنويع والتعميم. والواقع أن السريالية كانت هي الأقوى والأكثر رسوخا وانتشارا في العالم. فلا يزال هناك أدب سوريالي أو فن تشكيلي سوريالي حتى الآن.
لقد انتهى عهد تزارا وجاء عهد اندريه بريتون الذي أسس الحركة السوريالية في باريس عام 1924: أي بعد موت الحركة الدادائية بسنتين فقط. فقد نشر في ذلك العام البيان السوريالي الشهير الذي يقول فيه بما معناه: إن السوريالية تعتقد بوجود واقع يتجاوز الواقع الحالي الذي نراه ويتفوق عليه. إنه واقع ما فوق الواقع، واقع الحلم والشرود الذهني والتوترات النفسية اللاواعية بذاتها.
وهذا الواقع الذي يتجاوز الواقع هو ما كان السابقون قد تجاهلوه وأهملوه. وبالتالي فإننا نكتشفه من جديد ونعيد إليه الاعتبار. والكتابة ناتجة عن هذا الواقع العلوي، واقع الحلم والهيجانات النفسية وليس الواقع العقلاني الذي نراه أو نصطدم به كل يوم.
ثم يردف المؤلفان قائلين: لهذا السبب خلع أندريه بريتون المشروعية على الكتابة الاتوماتيكية التي لا رادع لها ولا وازع. وهي كتابة حرة، منفلشة، تسير على هواها بدون قيود أو حدود. إنها الكتابة التي تفلت من سيطرة العقل الواعي الذي يشبه الشرطي من حيث المراقبة والقمع.
على هذا النحو راحت الحركة السوريالية تشق طريقها وتسيطر على الأجواء الأدبية والقنية الباريسية طيلة العشرينات وحتى الخمسينات من القرن الماضي. بل وأصبحت موضة دارجة لا يخلو منها أي عمل فني أو ديوان شعري أو كتابة أدبية أيا تكن.
فبيكاسو في مجال الفن التشكيلي كان سورياليا أيضا أو قل مر بالمرحلة السوريالية قبل أن يتجاوزها إلى مدارس أخرى. وقل الأمر نفسه عن سلفادور دالي الذي كان يجسد الجنون الكامل في الرسم والفن. وقد أطلق لمواهبه وبواعثه الدفينة العنان وأنتج لوحات سوريالية رائعة لا تزال تدهشنا حتى الآن.
والواقع أن السوريالية تعني في أحد معانيها تحرير الطاقات الدفينة في أعماقنا والمقموعة من قبل المجتمع الذي نعيش فيه. فالمجتمع يمنعنا الانطلاق، من التعبير الحر عن كل ما يجول في خاطرنا بحجة أنه نجس أو شاذ أو مجنون أو غير طاهر، الخ. السوريالية تقول لنا: تحرروا، عبروا عن أنفسكم، لا تترددوا في كتابة حتى الأشياء المخجلة التي قد تخطر على ذهنكم حتى ولو صدمت المجتمع. نعم إن الموقف السوريالي هو موقف تحدي تجاه المجتمع. نعم إنه يهدف إلى تحرير الطاقات المخزونة والتعبير عن أشياء ما كان أحد يتجرأ على البوح بها سابقا وفي طليعتها الأشياء الجنسية.
هذا وقد اعتمد السورياليون على مرجعيات أدبية وشعرية كبرى تعود إلى القرن التاسع عشر من أجل تدعيم حركتهم الفنية الجديدة. ومن أهم هذه المرجعيات الشاعر جيرار دونيرفال الذي مات مجنونا بل ومنتحرا في عز شبابه. ومعلوم أنه خلّف وراءه كتابات رائعة يختلط فيها الحلم بالذكرى الوهمية بالجنون. وربما كان هو أول من اخترع مصطلح السوريالية أو بالأحرى ما فوق الطبيعية.
وكان يعتقد بوجود عالم آخر غير هذا العالم الذي نعيش فيه. إنه عالم ما فوق طبيعي أو ما فوق واقعي. إنه عالم يقف وراء هذا العالم مباشرة. ثم تبنى السورياليون أيضا شاعرا منبوذا جدا هو: لوتريامون. ومعلوم أن أناشيد مالدورور وهو ديوانه الأساسي مليئ بالتجديف والكفر والمزوج على المجتمع بشكل كامل.
وهو يثير القشعريرة والرعب في النفس عندما يقرأه الإنسان، ولذلك أحبه اندريه بريتون إلى درجة العبادة. وكلما كان شذوذه عن المألوف أكبر تعلق به أكثر. ومن مرجعيات السورياليين أيضا الشاعر الكبير آرثر رامبو الذي دعا إلى تغيير الحياة. ومعلوم أنه ديوانه «الإشراقات» مليء بالأشعار المتفككة التي تعبر عن اختلاجات الوعي الباطني والتي تخرج على منطق المعنى كليا.
ومن مرجعياتهم أيضا فرويد بالطبع لأنه اكتشف منطقة اللاوعي: أي تلك القارة السحيقة والمظلمة من أعماق الإنسان. بل ونت مرجعياتهم كارل ماركس الذي قال: من قديم الزمان والفلاسفة مشغولون بتفسير العالم. وقد آن الأوان لتغييره. وبالتالي فالحركة السوريالية هي حركة ثورية راديكالية على كافة الأصعدة والمستويات: أي على صعيد التعبير الشكلي، واللغة، والأسلوب، والفن التشكيلي.
كما أنها ثورية على مستوى الأفكار والمضامين. ولهذا السبب جذبت إليها شعراء كبارا ليس أقلهم رينيه شار، وأراغون، وبول ايلوار، وسواهم عديدين. بل وحتى السينما أصبحت سوريالية. ثم انتقلت الحركة إلى شتى أنحاء العالم. فهناك سوريالية عربية أيضا.
*الكتاب:الدادائية والسوريالية للمبتدئين
*الناشر: فور بيغينرز ـ لندن نيويورك 2007
*الصفحات: 128 صفحة من القطع الكبير
Dada and surrealism for beginners
Peter Bethanis, Elsa Bethanis
For beginners-
New York- London
p.128
