مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور توماس وايتاكير أستاذ الفلسفة في جامعة ويسكينسون ـ ماويزون بالولايات المتحدة الأميركية، وهو أحد المختصين بالفكر الألماني عموما وفلسفة شوبنهاور على وجه التحديد. فمن شوبنهاور يا ترى؟
عن هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: إنه فيلسوف التشاؤم الأكبر في العصور الحديثة. وقد ضرب المثل به وبتشاؤمه إلى حد القول بأنه أكبر متشائم في التاريخ. ولكن هذا لا يعني أنه ليس مهما. على العكس، فهو أحد فلاسفة ألمانيا المعدودين بالإضافة إلى كانط وهيغل وفيخته وشيلنغ ونيتشه وهيدغر وبعض الآخرين. وقد كان معاصراً لهيغل وعدوه اللدود. ولد شوبنهاور عام 1788 في مدينة دانتزيغ في عائلة تجار غنية. وكان والده يريد أن يصنع منه تاجرا لكي يرث حرفة العائلة ويزيد من غناها غنى. ولكن مواهبه الأدبية والفكرية المبكرة ردعته عن ذلك. وبدلا من أن يصبح تاجرا كبيرا أصبح فيلسوفا أكبر.
والواقع أن ثروته العائلية ساعدته على اكتساب المعارف والعلوم وتعلم اللغات دون أن يكون مضطرا للعمل وكسب الرزق كما حصل لهيغل مثلاً أو لمعظم الكتاب والمفكرين. فالذين ولدوا في عائلات غنية نادرون في تاريخ الفكر والأدب. ولهذا السبب استطاع شوبنهاور منذ نعومة أظفاره أن يسافر في البلدان الأوروبية. وأن يتعلم اللغات الأساسية وبخاصة الانجليزية والفرنسية. فقد أقام في فرنسا ردحا من الزمن وكذلك في انجلترا. وكان أبوه يدلّله ويصرف عليه الكثير.
ثم يقول المؤلف بما معناه: بعد عودته من سفرته الطويلة في كل أنحاء أوروبا عاد شوبنهاور إلى منزله العائلي وراح يساعد والده على العمل في المخزن. ولكن في عام 1808 حصل حادث مفجع أودى بوالده. فقد سقط من مكان عال في النهر الذي يمر خلف البيت ومات. وقد حزن عليه شوبنهاور كثيرا لأنه كان يحبه ويغدق عليه المال والعواطف الأبوية الصادقة.
والبعض يقول بأنه لم يسقط عفويا في النهر وإنما انتحر لأنه لم يكن سعيدا مع زوجته. والبعض الآخر يقول بأن زوجته هي التي دفعته حتى سقط في الماء وغرق. ولهذا السبب حمل شوبنهاور على أمه حملة شعواء لاحقا وراح يكرهها ويكره كل النساء. والواقع أن أمه بعد أن مات والده راحت تبيع المخزن وتذهب بالثروة لكي تعيش في مدينة فايمار، العاصمة الأدبية لألمانيا في ذلك الزمان.
وهناك فتحت صالونا لاستقبال الأدباء والشعراء والعشاق. بل وأصبحت كاتبة روائية ونالت نجاحا لا يستهان به. وكانت تستقبل كبار أدباء ألمانيا في بيتها وعلى رأسهم غوته. وهناك تعرف عليه الصبي شوبنهاور لأول مرة.
ثم يضيف المؤلف قائلاً: بعد أن أنهى شوبنهاور دراساته الجامعية الأولى في مدينة غوتنغين ذهب إلى العاصمة برلين لتحضير شهادة الدكتوراه. وكانت أشهر جامعة في ذلك الزمان. والواقع أنه ذهب إلى هناك خصيصا للاستماع إلى فيخته وحضور دروسه. ومعلوم أنه كان أكبر فيلسوف في ألمانيا بعد موت أستاذه كانط. وكان مشهورا بأنه خطيب مفوه. ولكن شوبنهاور بعد أن تعرف عليه وسمع محاضراته زهد فيه لأسباب عديدة أولها أنه دوغمائي متعصب أكثر من اللزوم لفلسفته.
وفي عام 1814 اختلف شوبنهاور مع أمه وقرر الانفصال عنها والعيش وحيدا في بيت خاص به. وكما ذكرنا فإنه كان يكرهها ويشك بأنها كانت وراء موت أبيه غير الطبيعي. ثم عاش لفترة من الزمن في مدينة دريسدين قبل أن يستقر في برلين حيث كلّفوه بإلقاء بعض الدروس الفلسفية. وهناك التقى بهيغل الذي كان يسيطر على جامعة برلين وبخاصة كلية الفلسفة بعد موت فيخته. وكان درس هيغل يجذب إليه الطلاب من كل حدب وصوب.
وقد أخطأ شوبنهاور عندما قرر إعطاء دروسه في نفس الوقت الذي يلقي فيه هيغل محاضراته العصماء. ولهذا السبب فلم يكن يجيء أحد لحضور دروسه. كلهم كانوا يذهبون إلى محاضرة هيغل ويتركونه وحيدا مع خمسة أو ستة طلاب.
وقد حقد منذ ذلك التاريخ على هيغل حقداً شديداً ولم يغفر له كل هذا النجاح والشهرة. ثم اضطر إلى الاستقالة من التعليم الجامعي بعد ستة أشهر فقط من بدء دروسه نظرا لقلة الطلاب والمريدين. وعندئذ نشر كتابه الشهير الذي خلده لاحقا: العالم كإرادة وكتصور. وكان عمره واحداً وثلاثين عاماً فقط. وهذا أكبر دليل على نبوغه المبكر فلسفياً.
فالكتاب يعتبر الآن واحداً من أهم كتب الفلسفة في ذلك الزمان، وكانت أطروحته الأساسية تقول ما يلي: إن الإرادة الفردية للإنسان لا أهمية لها. فالواقع الأعمى المحيط يحاصرها ويدمرها في نهاية المطاف. وبالتالي فلا داعي للمقاومة وإنما ينبغي الاستسلام للمقادير حتى يموت الإنسان ويرتاح من هذه الحياة العبثية التي لا معنى لها.
بالطبع فإن أحداً لم يستمع إلى هذه الفلسفة المتشائمة المضادة لفلسفة هيغل التي تدعو للانخراط في الحياة وتغيير المجتمع نحو الأفضل بل وصنع التاريخ. ولهذا السبب لم يشتر أحد تقريبا كتاب شوبنهاور ولم ينل من ورائه أي شهرة حتى نهاية حياته تقريبا. بعدئذ انفجرت شهرته كالقنبلة الموقوتة قبل بضع سنوات من موته.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبعد استقالته من الجامعة غادر شوبنهاور ألمانيا لتغيير الجو وذهب إلى إيطاليا. والواقع أن الفلوس لم تكن تنقصه وكان يستطيع على عكس معظم المثقفين والفلاسفة أن يعيش بدون أن يعمل أبدا. وهذا حظ كبير أمّن له التفرغ للسفر والنزهات والكتابة والتفكير بكل حرية وبدون أي هواجس مادية.
وفي عام 1923 أصيب شوبنهاور بمرض نفسي أو باكتئاب عصبي ولكنه تجاوزه لاحقا عن طريق الكتابة والإبداع. وقد نشر عدة كتب هامة نذكر من بينها: مقالة حول حرية الإرادة البشرية، ثم: «المشكلتان الأساسيتان للأخلاق» (1841) وكان قد تجاوز الخمسين عندئذ ثم استقر في مدينة فرانكفورت من عام 1833 وحتى وفاته عام 1861: أي طيلة ثلاثين سنة تقريبا. وهناك يوجد تمثاله والكثير من الأشياء التي تذكر به والتي يستطيع السائح أن يزورها حتى الآن.
وفي أواخر حياته انفجرت شهرته بشكل واسع كما قلنا إلى درجة أنه غطّى على هيغل. وهكذا انتقم لنفسه من ذلك الإذلال القديم حيث لم يكن يهتم به أحد. ولكنه لم يعش طويلا بعدئذ لكي يستمتع بهذه الشهرة والمجد العريض. نقول ذلك على الرغم من أنه عاش عمرا مديدا بالنسبة لذلك الزمان: أي ثلاثة وسبعين سنة. هذا في حين أن غريمه هيغل لم يتجاوز الستين إلا قليلاً.
وأخيرا يقول المؤلف بأن تأثير شوبنهاور على الثقافة الألمانية والفلاسفة اللاحقين كان كبيرا. ومن أشهر تلامذته أو أتباعه الموسيقار الكبير ريتشارد فاغنر والفيلسوف العظيم فريديريك نيتشه. صحيح أن نيتشه تخلى عنه لاحقا لكي يؤسس فلسفته الخاصة به ولكنه كان يحبه إلى درجة العبادة في الفترة الأولى من شبابه.
*الكتاب: شوبنهاور
*الناشر:اوبسكيور بريس ـ نيويورك 2006
*الصفحات:100 صفحة من القطع الكبير
Schopenhauer
Thomas Whittaker
Obscure Press - New York
P.100

