صيغت رواية «مطارد الظل» التي أبدعتها الروائية الأميركية ماريان ويجنز على نحو يماثل الدمى الروسية التي يتداخل بعضها في البعض الآخر. وهي تضم العديد من القصص التي تثير الإعجاب بموهبة هذه الكاتبة. تبدأ الرواية بالروائية المعاد تخيلها ماريان ويجنز وهي تحضر اجتماعاً على مائدة غداء مع وكيلها الأدبي جون ومنتج سينمائي شاب يدعى ستاسي.

وقد شهدت هذا الاجتماع لبيع حقوق روايتها «مطارد الظل» كسيناريو لفيلم. تدور الرواية حول حياة إدوارد كورتيس، المصور المنتمي إلى أوائل القرن العشرين، والذي تستند شهرته إلى الصورة التي التقطها للأميركيين الأصليين من أبناء قبائل الهنود الحمر. وبينما يعرب ستاسي عن اعتقاده بأن كورتيس سيتحول إلى بطل مدهش على الشاشة، تحاول ماريان أن توضح أن دور كورتيس كمصور فوتوغرافي هو جزء واحد من الحياة المعقدة التي عاشها هذا الرجل.

ولكن كلما جادلت بأن فكرة كورتيس كشخصية بطولية هي فكرة حافلة بالتعقيدات، كلما بدا أن المنتج غارق في الرومانسية الخالصة لقصة كورتيس. وقد قصد بالبحث المكثف الذي أجرته ماريان حول كورتيس تبديد بعض الأساطير الخالصة التي تدور حوله، ولكن المنتج على استعداد لتنحية واقع حياة كورتيس جانباً وإعادة ابتكاره مجدداً في قصة هي «نوع من المواطن كين يلتقي رقصات مع الذئاب».

وهذه صياغة هوليوودية لما ينظر إليه على أنه تاريخ، وحجة ماريان القائلة إن كورتيس كان: «إساءة لكل من أحبه طوال حياته» يتم الرد عليها بالقول: «إن العباقرة دوماً على هذه الشاكلة». ويبدو إحباط ماريان جلياً للقارئ، ولكنه لا يبدو ظاهراً للمنتج. وينتهي الاجتماع، وتعود ماريان إلي دارها لتتلقى رسالة هاتفية مفادها أن والدها يحتضر في أحد مستشفيات لاس فيجاس. وماريان التي فقدت والدها منذ سنوات عدة تعرف أن هذا مستحيل. ولكن أيا كان ذلك الذي يحتضر في المستشفى فإنه يحمل هوية أبيها.

وبينما تعرف ماريان في قرارة نفسها أنه لابد أن هناك خلطاً من نوع ما، وان الأمر لا يعدو أن يكون حالة من حالات سرقة الهوية، فإنها تقرر أنها لابد لها من الانطلاق إلى لاس فيجاس واكتشاف من يكون هذا المدعي. وتنزلق الرواية إلى الأمام وإلى الخلف بين حكايات من حياة إدوارد كورتيس واللغز المحيط بالمدعي في مستشفى لاس فيجاس. والخيط المشترك المتعلق بالأبوة الغائبة يربط هاتين القصتين اللتين تبدوان متباعدتين.

وكما أن ماريان تتعجب من أن إدوارد كورتيس أفلح في الهام أبنائه الإخلاص، على الرغم من أنه يتخلى عنهم بلا خجل، فإن اختفاء والد ماريان وانتحاره اللاحق قد تركا في حياتها جروحاً لا تبرأ. ويبدو أن الجميع يفترض أن كورتيس لابد أنه: «ثمة شيء رائع يتعلق به» وأن ذلك يفسر السر في أن أبناءه يعجبون به على الرغم من سلوكه. ولكن ماريان التي أفلتت من أبوة حافلة بالمشكلات تدرك أنه عندما يتعلق الأمر بفهم علاقة كورتيس بأبنائه، فإن الأمر ليس بسيطاً.

هكذا نقرأ في الرواية: «لقد أصبح من خلال الاختفاء من حياة أبنائه اليومية ليس والدهم ولكن أسطورة والد، أسطورة كانوا بحاجة إلى الإيمان بها لكي يواصلوا البقاء. وعلى الرغم من تصرفاته، على الرغم من كل الأدلة التي تؤكد النقيض، فقد احتاجوا إلى الإبقاء على نسق المعتقدات ذاك، حتى وإن كان يعني تغيير ذاكرتهم وإيجاد ذاكرة جديرة، هوية زائفة، لمن كان أبوهم حقا».

وفيما تغوص ماريان في لغز منتحل هوية أبيها، فإنها تفحص حياة أبويها الزوجية معاً، وتبرز فكرة أن معرفة وفهم مخلوق بشري آخر هي فكرة حافلة بالمشكلات، وأن فهم أحد الوالدين خارج دوره هو أمر مستحيل.إن رواية «مطارد الظل» التي تمزج الحقيقة والخيال هي إنجاز رائع. وهي رواية متألقة. حافلة بالتعقيب الاجتماعي الذي يستكشف آفاق الهوية والأبوة واستغلال الأميركيين الأصليين والحاجة التي نستشعرها جميعاً لخلق الأبطال.

لقد كان إدوارد كورتيس مصوراً حقيقياً، وربما شاهدنا جميعاً أعماله، حتى وإن لم نكن قد تعرفنا عليها باعتبارها كذلك. وهذه الرواية التي يحمل عنوانها اللقب الذي أطلقه الأميركيون الأصليون على كورتيس تتضمن بعض الصور التي التقطها باللونين الأبيض والأسود، ونقد المؤلفة الملهم والمنير لجوانب مختلفة لأعمال كورتيس يضيف بعداً آخر لهذه الرواية البارعة، شديدة الأصالة.

وتعقب الناقدة ويندي سميث في مقال لها في صحيفة «واشنطن بوست» على هذه الرواية بقولها إن رواية ماريان ويجنز الثامنة جميلة على نحو يصل إلى القلب، وإنها تقدم في نصها عدداً من الصور بصورة مناسبة حيث إن بطولتها معقودة لمصور فوتوغرافي، ولكن هذه الصور تشحب لدى مقارنتها بالصور التي تبدعها المؤلفة بالكلمات.

أما مطبوعة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة فهي تشير في تناولها للرواية إلى أنها تتبنى منهاجاً قريباً من منهاج الروائي الأميركي شيبالد في إضفاء الطابع الروائي على حياة المصور إدوارد شريف كورتيس (1868 ـ 1952) جنبا إلى جنب مع حياة امرأة تدعى ماريان ويجنز. والرواية تستهل مع قيام ويجنز بتقديم روايتها التي أكملتها حديثاً إلى وكيل أدبي في هوليوود.

وقد قام كورتيس بتصوير الأميركيين الأصليين في أوائل القرن العشرين وماربان تهاجم الصورة الذائعة عنه والتي يبدو فيها مغامراً يخاطر بحياته لتصوير موضوعاته المفضلة. وهي فيما تظهر كيف كان كورتيس يلتقط صوره وكيف كان أبا دائم الغياب عن أبنائه وعن زوجته فإن الوكيل الأدبي يسعد بهذا العمل، وفي غضون ذلك تتلقى ماريان رسالة عبر الهاتف مفادها أن والدها يحتضر في أحد مستشفيات لوس أنجلوس، بينما هي تعرف حق المعرفة أنه قد رحل عن عالمنا منذ سنوات بعيدة.

ومن هذا المنطلق تمضي الرواية ذهاباً إلى الأمام وعودة إلى الخلف بين بحث ماريان عن حياة كورتيس والرحلة التي تقوم بها لاستكشاف ماضي أبيها. وتعطي الصور التي التقطها كورتيس والصور الأخرى المستمدة من البوم ماريان العائلي للرواية طبقات متعددة من المباشرة. ويبرز كورتيس كشخصية فاتنة ومركبة مسكونة بعدد من التناقضات الأميركية.

وتبدو لنا رواية ويجنز الثامنة التي تتخللها لمحات من التعليق الاجتماعي واكتشاف الذات عملاً روائياً فريداً حقاً. وتشيد مطبوعة «لايبراري جورنال» بهذه الرواية بدورها، فتقول إن مؤلفتها لا سبيل إلى المقارنة بينها وبين غيرها من كبار كتاب أميركا وإن روايتها الثامنة هذه هي معالجة روائية مدهشة لحياة المصور الأميركي إدوارد كورتيس. وتبقى رواية ماريان ويجنز، في نهاية المطاف، عملاً إبداعياً فريداً جديراً بالقراءة والتناول النقدي لتبين كيف ألهمت كاليفورنيا، أرض النار، خيال المؤلفة لتطل علينا بعمل من هذا العيار الثقيل.

في كوينز غاليري

«دعني أحدثك عن رسمة أبدعها ليوناردو دافينشي، شاهدتها ذات أصيل في كوينز غاليري بلندن قبل عقد من الزمان والسر في أنني أعتقد أنها تطارد خيالي. يقع كوينز غاليري على الجانب الغربي الأمامي من قصر باكنجهام، مطلاً على شارع صاخب دوماً، ومليئاً بسيارات الأجرة المندفعة في أرجاء حي سكني هائل في منتصف طريق إلى البرلمان ووستمنستر آبي، والأهم من ذلك محطة قطارات تدعى محطة فيكتوريا.

وكوينز غاليري صغير، ولا يحظى بصيانة جيدة، كما أنه ليس مضاء بصورة مناسبة، وعندما مضيت إلى هناك لرؤية المجموعة الملكية من رسوم دافينشي، كان النهار ينث مطراً وبرداً ورطوبة، والغرفة تفوح برائحة خشب مبتل ممتزجة برائحة القلي والخل، وهو مناخ بعيد كل البعد عن مباشرة جمال موضوعات دافينشي وطابعها الرجولي والمشمس.

كانت هناك رسوم لذكور مراهقين، رسوم لصغار ممتلئين، رسوم لجياد متدفقة عنفوانا، نسوة هتماوات، رجال موغلين في العمر على أنوفهم شعيرات بيضاء متباعدة وعلى ذقونهم بثرات. ثم في أحد الأركان كان هناك نوع مختلف من الرسوم، خارطة. وقد رسمت باللون الأحمر القاتم على صفحة من خرقة خشنة غير متساوية في حجم ورق الرسائل تقريبا، بلون الحجر الجيري لجنوبي كاليفورنيا ذاته. وقفت أمامها لوقت طويل للغاية لأن حارساً تقدم إلى أن ملت بعيداً، ولازلت أنظر إليها مفتوناً»

مقتطف من رواية «مطارد الظل»

*الكتاب: مطارد الظل

*الناشر: سيمون أند شوستر، نيويورك، 2007

*الصفحات:336 صفحة من القطع المتوسط

The Shadow Catcher

Marianne Wiggins

Simon and Schusler,N.Y.2007

P.336