مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب السعودي عبد الله محمد الناصر صدر له من قبل عدة كتب وهى «بالفصيح» و«سيرة فعل»، و3 مجموعات قصصية بعنوان «أشباح السراب» و«حصار الثلج» و«الشجرة» ، وعدد من الدراسات منها«الإنسانية في الشعر الجاهلي»، والعرب حضارة شعرية» و«خطر الشعر العامي».
والكتاب الجديد لعبد الله الناصر هو أحاديث تسلط الضوء على مجموعة من القضايا المتعلقة بالسياسة الأمريكية وبشكل خاص منذ أحداث سبتمبر حتى اليوم وتنتقدها من عدة جوانب وإن كان المؤلف ينوه الى أن ذلك لا يعبر عن كراهية على أمريكا كشعب وأمة، فهذا الشعب،حسبما يؤكد، فيه مفكرون إنسانيون، وهو في الوقت نفسه ضحية من ضحايا البهرجة الإعلامية وخداع الألاعيب والتحالفات السياسية التي لا تزال تنطلي عليه.
والقضية الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف في معرض تناوله لموضوعه أن الأمة العربية هى محور تحركات السياسة الأمريكية التي يتعرض لها بالانتقاد.. فلقد تحول العالم العربي الى حقل تجارب للسلاح الأمريكي والاستبداد والقهر والاستعلاء ..
فأمريكا تتصرف في المنطقة كإله تعذب من تشاء وتحرق من تشاء وتقتل من تشاء وتنهب ما تشاء وتستولي على ما تشاء بلا حسيب أو رقيب في ظل ضعف وخنوع وذلة الإنسان العربي عامة والحاكم العربي خاصة وفي ظل موت الضمير الأممي بل وتواطؤ هذا الضمير بشكل مثير للتساؤل وباعث على الحيرة حتى ليخيل للمرء أن هناك تواطؤا أمميا على غزو العرب وحربها وإبادتهم وتدميرهم وبعثرتهم واستغلال ثرواتهم وأراضيهم.
ويشير المؤلف الى أن أمريكا تبحث عن أتفه الذرائع للتنكيل بالعرب والدوس على أراضيهم والدوس على رقابهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية كأمة لها حضارة ولها تاريخ ولها وجود إنساني على رقعة من الأرض. ويذكر المؤلف أن أمريكا تريد للعرب أن يكونوا نموذجا للهندي الأحمر الذي طاردته منذ مئتي عام وقاتلته بأبشع وسائل القتل بما في ذلك الأمراض التي لم يكن يعرفها الهنود في أرضهم اذ يقال أن الأمريكان كانوا يذرون مسحوق شرائح بشرية مصابة بمرض الجدري وبالطاعون الأسود وينثرونها في الأنهار والبحيرات التي يقيم حولها الهنود ويشربون منها فيموتون هناك موتا ذريعا ويفنون وتتحول أراضيهم الى مزابل من الموتى.
وعلى نفس المنوال فإن العراق تحول اليوم الى مزبلة من جثث العراقيين وعظامهم ومن مخلفات الحرب مما تلقيه يوميا أمريكا من أطنان القنابل والمتفجرات والذخائر الحديثة ذات الطاقات التفجيرية الرهيبة والمحتويات الإشعاعية المتنوعة والمختلفة التي يجربها الأمريكان على الشعب العراقي.
وفيما يفسر العنوان الذي اختاره لكتابه يذكر المؤلف أن العقلية الأمريكية عقلية مسلحة بكل وسائل التدمير الفكري والاقتصادي والسياسي والثقافي، فهي عقلية تسلط وإيذاء واستيلاء واحتلال واغتصاب وتحكم. والمعضلة، حسب وصفه، أن كل ذلك يحدث بعقيدة ضرورة التفوق الأمريكي كامتثال لأمر إلهي، لهذا فليس غريبا أن يقف الرئيس بوش ويعلن أن حربه على الإرهاب - الإسلام - حسب فهم المؤلف، حرب صليبية مقدسة وأن دخول العراق كان تنفيذا لتدبير إلهي وهذا ما جعل الحاكم الأمريكي الأول في العراق جاي غارنر يحتفل بعيد ميلاده في مدينة أور التي تعتبر مدينة مقدسة لدى اليهود، فهى المدينة التي ولد فيها النبي إبراهيم عليه السلام.
غير أن الرياح لا تأتي بما تشتهي السفن فقد تعرت سياسة بوش في العراق ومنطقة الشرق الاوسط كلها وأصبحت كراقصة استربتيز تلقي آخر قطعة قماش عن بدنها. فقد انقلب البيت الأبيض وأقال الرئيس وزير حربه وجاء تقرير دامغ من بيكر يعلن فشل بوش الذريع في الحرب المروعة التي شنها بدون أي سبب وجيه على المنطقة فأحالها من أفغانستان حتى فلسطين وبيروت الى حرائق وأكوام من الرماد وجثث الموتى.
وبناء على هذه النتيجة يقرر عبد الله الناصر أن حلم بوش أصبح أقرب ما يكون بحلم أشعب حيث يحكى أن أشعب قال : رأيت رؤيا نصفها صادق ونصفها الأخر كاذب. فقيل له: كيف؟ قال: رأيت أنني أحمل كيسا ثقيلا من الذهب فكنت من شدة ثقله أبول على نفسي، فلما استيقظت وجدت البول ولم أجد الذهب..! وهكذا كان بوش ورجال إدارته وهاهم الأن يصحون على الواقع المؤلم الحزين، على جهنم الحمراء التي وقودها الشعب العراقي وقد تأتي على شعوب أخرى.. فكل ثانية تمر من عمر الاحتلال الأمريكي إنما تمثل كابوسا لعينا على الأرض العراقية والأرض العربية جمعاء.
ويصل المؤلف من ذلك الى القول بأن الأمريكان مهرة ومتفوقون في أشياء كثيرة وفي فنون كثيرة إلا في فن السياسة فهم فاشلون فيها وكثيرا ما يرسبون في امتحاناتها بامتياز، فأمريكا في أمور السياسة تتحول الى دبابة عمياء لا تسمع ولا ترى ولا تريد أن تسمع أو ترى وإنما تدهس وتسحق كل من يقف أمامها معتقدة أن عقلية الدبابة هى السبيل الوحيد الى حل المعضلات.
ويشير في معرض التدليل على صحة رأيه ذاك الى قيام القوات الأمريكية بعمل بشع ومذبحة بشعة في الإسحاقي والحديثة في العراق حيث هاج جنودها فصاروا يطلقون النيران بجنون عبثي وحقد أعمى فصبوا الرصاص على رؤوس الأطفال وقلوبهم وأكبادهم .. فرأينا أطفالا وجوههم ملائكية وقد خرزت الرصاصات الأمريكية المجهضة أجسادهم الطاهرة البريئة.
والمشكلة أن هذه الأعمال الوحشية تعد أعمالا روتينية في العراق غير أنه لأن المشهد لا يمكن أن تغض الطرف عنه جمعيات الرفق بالحيوان أو الحشرات، فالصورة تهز الجبال والحجارة، فقد استنكر العالم هذه الفظائع وظن الناس أن أمريكا سوف تخجل وتعاقب جنودها على فعلتهم الشنيعة غير أن وزيرة الخارجية رايس خرجت الى العالم بعد أن سرحت شعرها وضفرته على طريقتها مبتسمة لشاشة تليفزيون الصباح هناك قائلة: إن الجنود الأمريكيين كانوا يؤدون واجبهم القومي!
وفي معرض تناول الأزمة بين إيران وأمريكا بأسلوبه الساخر يشير المؤلف الى إنهم يقولون أن أمريكا تهدد إيران، وأنها - أي أمريكا - ستفعل وتفعل. ويعلق قائلا: ونحن نقول كما قال عمنا جرير للفرزدق عندما سمعه يهدد رجلا اسمه مربع:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
أبشر بطول سلامة يا مربع
وأبشري بالسلامة يا إيران.. فأمريكا مهما بلغت بها الحماقة لن تستطيع فعل شئ لها، فهى لن تطلق صاروخا ولا مدفعا بل لن تستطيع إطلاق لعبة نارية في سماء إيران، فهى قد أكلت هواء في العراق وإمتلأ بطنها بالاوجاع ورأسها بالصداع العراقي وهى اليوم في ورطة تجعل أعداءها ممتلئي الصدور رضا وفرحة وشماتة.
وفي مواصلة لانتقاد السياسات الأمريكية في موضع آخر وبلغة ساخرة يقول المؤلف : اعتقد أن الشيطان الرجيم بكى وسالت دموعه وأخذته رجفة وقشعريرة بسبب مشاهد الرعب والدمار والقتل في بيت حانون وبسبب يد السيد بولتون مندوب أمريكا لدى الأمم المتحدة التي رفعها محتجا ومعترضا على إدانة إسرائيل لهذه المجزرة وأظن أن الشيطان سوف يستغيث ويستنكر تلك المشاهد التي فاقت في بشاعتها ودمويتها ما يفوق خيالات الإنسان والجان والشياطين المردة.
واذا كان هذا هو حال أمريكا فإن المشكلة على مستوانا حسب عبد الله الناصر أنها واستخباراتها أعدت طابورا منظما ومرئيا عبر وسائل اعلامية عالية الكفاءة وبأموال عربية لخدمة الأجندة الأمريكية ولتلميع الصورة الأمريكية ولتبرير كل تصرفاتها العدائية والحمقاء في المنطقة ..
وعلى ذلك خرج كتاب من بني جلدتنا يقولون إن إسرائيل أصبحت دولة فرضتها ظروف الواقع ولا بد من التعامل معها كجار وكصديق مشترك، وأن كل مقاومة ضد إسرائيل هى نوع من أنواع الإرهاب ويعتبرون أن احتلال أمريكا للعراق وما حدث ويحدث إنما هو من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة ومقتضيات العولمة وسيادة الدولة العظمى.
ويقرر المؤلف أن هذا الطابور الذي يصفق للإمبريالية الأمريكية في المنطقة .. يقوده أناس مدربون ومعدون إعدادا جيدا سواء أكانوا ممن تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة أم ممن تم اختيارهم والعثور عليهم والتفاهم معهم واغراؤهم فأصبحوا يتولون أهم المناصب الإعلامية وصاروا يتصرفون تصرفا مطلقا في وسائل الإعلام الأمر الذي تحولت معه أصحاب هذه الوسائل الى مجموعات فئوية ذات توجه متشابه ومتقارب يصب كله في دعم وتأييد كل السلوكيات الأمريكية في المنطقة وهذا ما خلق صراعا مكتوما يتأجح كالجمر تحت الرماد.
وفي النهاية لا يملك المؤلف إلا أن يقدم التساؤل بشأن النهاية المنطقية التي يمكن أن تؤول إليها الامور؟ فماذا بعد؟ وما الذي سيحدث؟ وما هى الرؤية المستقبلية للمسلمين والعرب خاصة، فكل المؤشرات وكل المعطيات تقود الى استنتاج واحد مفاده أن المنطقة تسير نحو الأسوأ؟
وفي محاولة الإجابة يؤكد على أن الحديث عن الإعياء الذي أصاب أمريكا لن يفيد كثيرا وليس كفيلا بإخراج المنطقة من الدوامة .. فالمطامع والصراعات والتنافس من أجل الهيمنة على هذه المنطقة التي تنام على أعظم احتياطي نفط العالم وتقع على أهم رقعة استراتيجية يحقق التحكم فيها والسيطرة عليها بشكل نهائي سمة التفوق والهيمنة وستظل هذه المنطقة، حسب وصفه، سجادة كاشانية ثمينة تتنازعها القوى تستلمها قوة وتنتزعها منها أخرى وهذا لن يجعل هذه المنطقة آمنة ومستقرة ومالكة لإرادتها ومواردها الاقتصادية.
وهنا فإن البديل الوحيد هو القوة وينقل رواية نقلت عن الرئيس الباكستاني ضياء الحق قبل تفجير طائرته حيث قال: إن صداقة أمريكا تشبه التعامل مع الفحم لن ينالك منها إلا سواد الوجه. ويخلص من ذلك الى التأكيد على أن الحقيقة الثابتة أن الغرب وأمريكا والعالم كله لا يحترم اليوم إلا شيئا واحدا هو القوة.
ويضرب مثلا على ذلك بما يحدث على صعيد الوضع في إيران.. فرئيسها يقف أمام العالم أجمع ويعلن أن إسرائيل دولة محتلة مغتصبة وعنصرية ويجب التخلص منها وأن المحرقة اليهودية - الهولوكوست - ليست سوى مسرحية بلهاء ومع هذا فلم يوصف بأنه إرهابي ولم تطلب أمريكا تغيير المناهج الدراسية الإيرانية وهذا ما جعل إيران رغم كل المضايقات تقف على قدميها.
والحديث نفسه يقال عن كوريا الشمالية التي ضربت بتهديدات أمريكا عرض الحائط ونفذت مشروعها رغم أنف أمريكا وصلفها وكبريائها التي يعاني العرب وحدهم من آذا. ها. فالأمم لا تنهض ولا تستمد قوتها إلا من أبنائها الشجعان والاعتزاز بتاريخها الأصيل لا بأوغاد التبعية ومؤنثي الرجولة ومؤنثي الولاء.
ألفت عبد الله
*الكتاب: أمريكا .. العقلية المسلحة
*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2007
*الصفحات:383 صفحة من القطع المتوسط
