دأبت مدرسة «محمد بن راشد للتعليم الثانويّ» منذ سنوات على إصدار مجموعة من الكتب لمدرسيها ممن ينتمون للحقل الثقافي أو الإبداعي، في إطار مشروعها الرائد (القراءة الرافدة)، حتّى أن المرء ليعجب بل ليدهش من إصرار مديرها محمّد حسن على المثابرة في مشروع بدأ بداية متواضعة.
ثمّ ما لبث أن استحال إلى ما يشبه المشروع المؤسسي التربوي والبحثي، وهذه كلمة شكر من قبلنا له ولهؤلاء الجنود المجهولين الذين ساهموا بإنجاح هذا المشروع العملي والمثمر، والذين أكّدوا فعلاً أن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة. وها هي اليوم في إصدارها لكتاب «صدى التجربة» لعدنان كزارة، تعزّز توجهاتها في تكريم تربويّ أمضى جلّ عمره في التربية والتعليم، وهي بادرة كبيرة تشكر عليها نظراً لما ستقدّمه من فائدة جلّى للمهتمين في الشأن التربويّ.
عدنان كزارة ناقد وقاص وتربويّ، له مساهماته المعروفة في تأليف كتب اللغة العربية لوزارة التربية والتعليم، ونشر مقالاته النقدية في العديد من المجلات والملاحق الثقافية بدولة الإمارات، بالإضافة إلى إصداره لمجموعتين قصصيتين: «المعركة الأخيرة لسيف عربيّ» و «هواجس حكواتي»، إلى جانب مقالاته في الشأن التربويّ التي تضمنها كتابه «صدى التجربة».
يتألف الكتاب من قسمين رئيسيين، أوّلهما تنضّد تحت عنوان: أسئلة في التعليم والإبداع، وضمّ فصولاً عديدة، جاء أوّلها في التعليم الإبداعي، فيعرّفه على أنه العملية التي يشعر المتعلّم من خلالها بالمشكلات أو أوجه النقص، أو الثغرات، أو العناصر المفقودة، أو التناقضات الموجودة في المعلومات التي يحصل عليها، فيقوم بتركيبها وفق طريقة تساعده على تحديد الصعوبات والبحث عن حلول.
نظراً لأن التعليم الإبداعي يحرر الطلبة من قيود المنهج وينمّي مهارات البحث والتجريب، مما يكسبهم المرونة واحترام الأفكار الجديدة، شريطة أن يكون المعلّم على درجة عالية من الوعي بطلبته وبميولهم، إذ إن المعلّم الميسّر للتعليم الإبداعي يمتلك مزايا وقدرات تختلف عن زميله التقليدي، يصنّفها المؤلّف في نسقين، تضمنا نقاطاً كثيرة.
ومن ذلك: أن المعلّم الإبداعيّ يتقبّل أفكار الطلبة ويشجّعهم عليها، ويتجنّب النقد المستمر وإصدار الأحكام على أعمال الطلبة، ويسمح بالاختلاف في وجهات النظر، ويتّسم بالديمقراطية والتسامح، ويثير الطلبة للبحث عن حلول كثيرة للمشكلة الواحدة. بينما المعلّم التقليدي فهو كما نعرفه عنه، يرفض أفكار الطلبة الجديدة، ويقوم بدور الملقّن، ويكثر من الانتقاد وإصدار الأحكام، ويستقبل خيال الطلبة استقبالاً ساخراً، وغالباً ما يستخدم القسوة والعقاب الماديّ والمعنويّ، ويتّسم بالتسلط والانفراد بالرأي.
وكنموذج على هذا النوع من التعليم المتطوّر الراقي يروي المؤلّف أنه زار مدرسة ابتدائية، ففاجأته حدائق بابل والسوسنات البكر وأزهار الربيع، واستقبلته كذلك الطفولة البريئة تمارس عفويتها بعيداً عن القوانين الصارمة والتعليمات المملّة، فتحطّم الحاجز الوهمي بين الأطفال ومعلّمتهم في فضاء فنّي تمرح الحرية فيه، فكيف تمّ هذا؟ وكيف تمردت العفوية والطبيعية على النظام المدرسي.
وأعلنت ثورتها البيضاء، ثمّ أسست عالمها الصغير؟ الأطفال وفق ما رآه، تنطلق حناجرهم بالعد، هدير من الأصوات يحطّم جمود الأرقام، ويحيلها إلى كائنات تتحاور مع الصغار، ثمّ تنهال الأيدي على المعداد والمكعّبات والأسطوانات والأشكال الهندسية التي تقيم في حجرة الصفّ لتعابثها وتلهو بها، ثمّ تعقد صداقات معها لا زيف فيها، والكلّ انشغل بهذه اللوحة الجميلة حتى الجرس الذي يؤذن بنهاية حصّة وبداية أخرى نسي مهمّته، والصغار ألفوا منه هذا، وقدّروا كبر سنّه وتقادمه، فتركوه على راحته.
وفي الفصول اللاحقة يواظب على تناول موضوعات تربوية كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال: تعليم التفكير، التقصّي، الاستعداد النمائي للتعلّم، تيسير النحو العربي دعوة حقّ قد يراد بها باطل، غرفة الصفّ، والموجّه المقيم.
حيث يقدّم عصارة تجربته في هذا المجال التربوي المهم، ولكنّ أداءه تعطّل لجملة من الأسباب ومنها تبعثر جهود الموجّهين وتشتتها في مهمّات لا يمتّ أغلبها إلى جوهر العملية التربوية، فنصابه من حيث عدد المدرسين الذين يشرف عليهم مرتفع فلا يستطيع زيارة المدرّس إلاّ مرتين في السنة، هذا بالإضافة إلى انشغاله في تحكيم المسابقات وحضور الاجتماعات واتّباع دورات بضاعتها قديمة.
مما جعل العملية التربوية تراوح في مكانها. وإذا كان الحال كذلك، فإنه يرى أن مشروع الموجّه المقيم هو الأجدى تربوياً، ويوضّح من خلال خطّة تقتضي إشراف الموجّه على خمس مدارس في منطقة جغرافية واحدة، وضمن برنامج عمل معدّ مسبقاً وقابل للتعديل وفق المستجدات.
القسم الثاني من الكتاب جاء تحت عنوان «أجوبة في الفكر والعقل»، فبدأه بمقال يستكشف ويتقصّى عادات العقل من خلال قراءة كتاب آرثر كوستا وبينا كاليك المترجم إلى العربية ويحمل العنوان ذاته، فيعدد ست عشرة عادة قابلة للزيادة هي: المثابرة، التحكّم بالتهور، الإصغاء بتفهّم وتعاطف، التفكير بمرونة، التفكير فوق المعرفيّ، الدقّة،؟ التساؤل وطرح المشكلات، تطبيق المعارف الماضية على أوضاع جديدة، التوصيل بوضوح، جمع البيانات باستخدام الحواس، الخلق والابتكار، الاستجابة بدهشة ورهبة، الإقدام على مخاطر محسوبة، الدعابة، التفكير التبادلي، والاستعداد للتعلّم المستمر.
بينما في فصل لاحق، سوف يناقش أفكار إدوارد دي بونو في التفكير الإبداعي واعتباره نقطة انطلاق أساسية في العملية التربوية، وذلك أن هذا التفكير الإبداعي هو بمثابة مهارة عقلية وعملية يمكن تعليمها، من خلال اجتراح سبل وطرائق معيّنة سوف يذكرها.
بينما في الفصل الذي يليه تناول ما أسماه بالفكر المحايث والفكر المفارق والمرتبط بدوره بالفكر الإبداعي، ليتطرّق بعدها إلى ألعاب الكمبيوتر والجدل الذي ما زال مستمراً بشأنها، إلاّ أنها، بتعبيره، حيادية، وشأنها شأن الكتاب والوسائل الأخرى، تعلّم الأطفال كثيراً من الأشياء التي قد لا تكون مقصودة، وتلزمهم على اتّخاذ قرارات وتطوير استراتيجيات للوصول إلى الهدف، وإلى ذلك فإنه سوف يضرب عدداً من الأمثلة لتعزيز وجهة نظره التربوية.
ويتساءل المؤلّف في فصل آخر: «لماذا نحن أمّة لا تقرأ؟»، وما مفهوم القراءة؟ وأيّ نوع من القراءة نريد؟ وكيف نقرأ؟ فالقراءة، بتعبيره، ليست مجرد عملية ميكانيكية، وإنما هي عملية مركّبة تهدف لفهم المقروء ومحاكمته ونقده وتقويمه من موقع الحوار معه لا العبودية له، ليستنتج في خاتمة مقاله أن غياب القراءة كفعل حضاري في مجتمعنا العربيّ يفسّره غياب الإنسان، أو محاولات تغييبه من قبل بعض السلطات.
وبالتالي فإن طرح السؤال عن الأمة التي لا تقرأ ينطوي على مغالطة كبيرة، لأنه يحمل اتّهاماً خطيراً للأمة بتخلّفها عن فعل القراءة وزمن القراءة الذي هو زمن التقدّم، وبالتالي فإن هذا السؤال بحدّ ذاته قد تبجّح به ذات يوم موشي دايان وزير دفاع العدو الصهيوني عشية حرب يونيو 1967، كجزء من الحرب النفسيّة التي ما فتئ العدو يشنّها، بينما في الحقيقة بالرغم من كلّ الظروف التي يعاني منها المواطنون العرب مازالوا يصرّون على القراءة، لأنها قدرهم ومفتاح السجن الذي يحررهم من الأغلال.
عزت عمر
*الكتاب: صدى التجربة - أسئلة في التعليم والإبداع وأجوبة في الفكر والعقل
*الناشر:مدرسة محمّد بن راشد للتعليم الثانويّ ـ دبيّ 2007
*الصفحات:128 صفحة من القطع الكبير

