يقول رجاء النقاش في معرض تقديمه لكتاب(ذكرياتي) لسميحة أيوب: إنّ مهنة التمثيل ارتبطت في الأذهان التقليدية بمهنة التمريض، وكانت المهنتان في نظر أصحاب العقول الجامدة عيبا لا يليق بالمجتمع المصري أن يسقط فيه أو يتعرض له. فالتمريض يسمح للممرضات بالكشف على أجسام الرجال؛ أما معهد التمثيل فمصيبته أشدّ وأدهى، ففيه سوف يجتمع الطلبة والطالبات.
وسوف يقومون معا بتمثيل مسرحيات قد يكون موضوعها الحب والغرام، مما هو حرام في حرام. ومع ذلك دخلت سميحة أيوب معهد التمثيل ووقفت ضد من منعها ممارسة هذا الفن الراقي ذلك استجابة لنداء فطري عميق في داخلها، ولم يعد لديها أي استعداد للتخلي عن هذه الموهبة الطاغية إرضاء لأحد حتى لو كان أقرب المقربين.
تقول سميحة في غروب شمس أحد الأيام وكان عمرها (14) أربع عشرة سنة سمعت من المذياع أنّ معهد الفنون المسرحية يطلب آنسات للانضمام إلى المعهد، وسوف تأخذ الفتاة مكافأة ستة جنيهات شهريا، فتوقفت عن المذاكرة، وذهبت في اليوم التالي مع زميلتي تماضر للتقدم للمعهد، ففيما رسبت تماضر نجحت أنا، وتمّ قبولي طالبة مستمعة.
ودخلت أوّل فصل، وكان أوّل مشهد (إلقاء) تمثيلي من كتاب (كليلة ودمنة) أعطاه الفنان زكي طليمات لي ولفاتن حمامة. وكان معي في الفصل الدراسي يومها من الذين أصبحوا مشهورين: محمد الطوخي، فاتن حمامة، عبد المنعم مدبولي، ناهد سمير، إبراهيم الشامي، كمال عيد، حمد الرجيب الذي أصبح سفيرا للكويت فيما بعد، وأكرم ميداني وأصبح سفيرا للأمم المتحدة، إبراهيم سكر، عبدالمنعم إبراهيم، عدلي كاسب، علي الزرقاني، أحمد الجزيري ومحمود عزمي.
في السنة الثانية من الدراسة في المعهد فرّت سميحة أيوب مع الممثل محسن سرحان لإرغام أهلها على الموافقة بالزواج منه، لكنه بعد أن تزوّجها منعها من متابعة الدراسة، وصار يغلق باب السكن عليها بالمفتاح حتى يعود، فهو يريدها (ست بيت)، تقول سميحة بعد تجربتها:اتضح لي أنني تزوجت من رجل ليس عنده أيّ ثقة في أية امرأة وكان لابد من الطلاق.
لم يمض وقت حتى تزوجت ثانية من الفنان محمود مرسي، وبعد الزواج بأيام تقرّر السفر إلى المغرب لعرض مسرحية (السلطان الحائر) لتوفيق الحكيم، ونحن في مطار (كازابلانكا) إذا بالأستاذ أحمد حمروش يأتي إلينا متجها ويقول: الرقابة المغربية اعترضت بل منعت عرض المسرحية، لأنها تتحدث عن سلطان يباع في المزاد، ويقع المزاد على غانية.
نزل الخبر علينا كالصاعقة أنا وأمينة رزق وسهير البابلي وسناء جميل ومحمد الطوخي وفاخر محمد فاخر وسعيد أبو بكر. لكننا وعلى الفور عملنا معسكرا في الفندق، وقام المخرج فتوح نشاطي باستبدالها بمسرحية (مجنون ليلى) التي قدمناها مع مسرحية (متلوف) في الرباط ومراكش وفاس ومكناس وغيرها من المدن المغربية وكانت رحلة مثيرة فنيا وجماهيريا.
ثم تذكر سميحة أيوب قصة طلاقها من محمود مرسي، ومن ثمّ زواجها من سعد الدين وهبة الذي أعجبت به من خلال مشاهدتها لمسرحيته «المحروسة» لتقوم بعد ذلك بتمثيل أوّل دور لها بعد الزواج منه في مسرحية له اسمها «كوبري الناموس» مع توفيق الدقن ورجاء حسين وسعيد أبو بكر. تقول سميحة أيوب: أنا في المنزل زوجة وسيدة، وفي المسرح سعد الدين وهبة مؤلف، وأنا فنانة في هذا المسرح، وهذا اتفاق بيننا.
ويوم عرضنا «كوبري الناموس» لاقت إقبالا جماهيريا، لقد تدفق الناس لمشاهدتها، وكان نضوج سعد في كتاباته للمسرح قد اكتمل وأصبح للمرأة دور كبير في مسرحياته، وشاهد الكاتب الكبير الطيب صالح المسرحية وأعجب بها، وكان يشغل وقتها منصب مدير قسم الدراما في إذاعة ققك وأرسل لي الصديق الكاتب عبد المنعم سليم ليعرض علي أن أذهب إلى لندن لأسجل جميع المسرحيات اليونانية لتوضع في المكتبة، فوافقت على المبدأ لأنها فرصة لا تعوّض.
ثمّ تسرد سميحة أيوب كيف تلقت قرار منحها وسام الجمهورية من القصر الجمهوري تقول: لقد شعرت بسلام مغلّف بهدوء، ودخلت غرفتي؛ ومن عادتي أني لا أنام إلاّ بعد أن أتوسّل إلى النوم ليأتي ولكن، في هذه الليلة نمت نوما عميقا.
ولست أدري ربّما لأنني شعرت بالأمان، وأنّ تعبي لم يذهب هباء، وأنّ رجال الثورة وعلى رأسهم الزعيم جمال عبد الناصر يتوسّمون فينا المستقبل، ويريدون أن يحمّلونا مسؤولية الوسام ونحن في هذه السن. كانت الدولة فيما سبق لا تكرّم أحدا إلا إذا بلغ من العمر نهايته.
وكان من بين المكرمين؛ فاتن حمامة وكامل الشناوي وصلاح جاهين. ويا للحظة الحاسمة عند نداء الأسماء، ثمّة شعور بالرهبة والخوف يتملكني من أن أتعثر وأنا أصعد إلى المنصة، ثمّ أسلّم على الرئيس الذي سمعت عنه أنّ له عينين لا يستطيع المرء أن ينظر إليهما. لكني صعدت وسلمت عليه ونظرت في عينيه، فقد كان فيهما حنان ودفء. كانتا تبتسمان. هل رأى أحد عيونا تبتسم؟ لقد رأيتها في وجه الزعيم عبد الناصر.
وبقدر هذه الفرحة التي عمّت البلد في عيد المعلم، جاء شهر أغسطس الحزين. لقد عيّن حلمي سلام رئيسا لمجلس إدارة جريدة الجمهورية في 9- 5- 1964 ولم يمض على تعيينه ثلاثة أشهر حتى عمل مذبحة الأدباء والصحافيين، فأصدر قرارا بتنقلات الكتاب من مؤسسة إلى أخرى فممّن نقلهم إلى «دار الأخبار» يومها كان ناصر الدين النشاشيبي وعبد الحميد سرايا.
وإلى «دار الهلال» سعد الدين وهبة ويوسف إدريس ومحسن محمد. وإلى الدار القومية للنشر إبراهيم الورداني وعبد الرحمن الشرقاوي ونعمان عاشور وعبد الرحمن خميس وأحمد عباس صالح، وعلى رأسهم جميعا الدكتور طه حسين. تقول أيوب: كانت مهزلة، لكنها مهزلة مؤسسية فأكبر كتاّب البلد يحوّلون بجرة قلم إلى مؤسسات أخرى، والله يعلم هل سيقبلونهم أم لا؟. وعندما عاد يومها سعد إلى البيت قلت له: وأين جمال عبدالناصر من كل هذا القهر، كيف لا يوقف هذه المهزلة؟ فردّ قائلا: من يدري ماذا قيل له حتى يوافق على هذا القرار.
في سنة 1968 قامت مظاهرات في أنحاء الجمهورية تطالب بمحاكمة المسؤولين عن النكسة- أذكر أنّ سعد الدين وهبة لما كتب مسرحية (بير السلم) كان يتنبّأ بالنكسة- فانقبض قلبي، وطلبت سعد في المكتب فقيل لي إنه في اجتماع مهم. لكنه في الحقيقة كان في المستشفى فلقد أصابته رصاصة اخترقت صدره وهو في شرفة الهيئة العامة للكتاب، وكان معه الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن.
كانت أزمة لكنها مرّت بسلام، حتى تمّ تعييني مديرة للمسرح الحديث الذي فشل في إدارته أساتذة كبار وكان يومها يقدم مسرحية (ألف بوسة وبوسة) تمثيل سمير صبري ونجوى فؤاد، فدخلت مكتبي ولم أستدع أيّ إنسان من العاملين فيه، وماذا يعملون أو يعرضون، حتى تلك اللحظة التي وضعت فيها يدي على مفتاح الراديو وإذا بالمذيع يقول: وعبرت قواتنا خط بارليف. لم أصدّق وفورا أوقفت عرض (ألف بوسة وبوسة) واجتمعت بفريق المسرح الحديث وقلت لهم: فلنجعل من المسرح ميدان قتال .
سوف نعمل عرضا مسرحيا في ثمان وأربعين ساعة وكان اسمه (مدد مدد شدّي حيلك يا بلد) ونجح العرض، وخرجت وكالات الأنباء تقول: مصر تغني تحت الرصاص، ومن هنا ومن هذه المسرحية لمع نجم الفنان محمد نوح.
ثم تمضي سميحة أيوب في سرد مذكراتها فتقول: لم أكن أتصور أن مسرحية (الذباب) لجان بول سارتر التي أخرجها سعد أردش فطوّع الحركة الكلاسيكية فيها إلى حركة (مودرن) عصرية مع الاحتفاظ بالشكل والإيهام الكلاسيكي، ستجعل رئيس تحرير(الاوبزرفير) الفرنسية، والذي هو الآن يشغل منصبا سياسيا كبيرا في فرنسا، يطلب مقابلتي بعد العرض ليقول لي: لم أكن أتصوّر أن (ندم - ذباب) سارتر سوف تقدّم بهذه العظمة، بكل مفرداتها من إخراج وتمثيل وديكور وكورس.
وبعد ثلاثة أيام من انتهاء عرض مسرحية الذباب لسارتر، كنت أمثل في مسرحية من تأليف د-رشاد رشدي فإذا بالسيد كلود استيه رئيس تحرير الأوبزيرفر يصافحني ويقول لي: في مسرح الأزبكية في الذباب كنت أشاهد فنانة عملاقة لها حالات من الإبداع في كل ليلة، أما الليلة فقد شاهدت (ديفيليه) عرض أزياء.
وسافر كلود استيه، وذات يوم و أنا أتصفح جريدة «الجمهورية» إذا برسالة موجّهة لي منه يقول فيها: أرجو إبلاغ الفنانة سميحة أيوب أنني عندما رجعت إلى فرنسا لم أجد سارتر في باريس، فهو في جولة في الاتحاد السوفييتي مع سيمون دي بوفوار، وأخبرته تلفونيا، وقال ربّما في مخططه أن يذهب إلى مصر.
وفعلا جاء إلى مصر بدعوة من جريدة الأهرام، وكنت في ذلك الوقت أؤدي دورا في العمل الكبير (الإنسان الطيب) لبرتولد بريخت، وكان قد مرّ على عملي في «الذباب» قرابة السنة والنصف، وإذا بالإدارة تخبرني أنّ سارتر سوف يحضر مسرحية الذباب وهي ترمز للاحتلال الألماني لفرنسا في الحرب العالمية، وكان لابدّ من عمل بروفات.
وقالوا لي سوف نوقف عرض مسرحية (الإنسان الطيب) في يوم مجيء سارتر، فرفضت إيقاف عرضها، وإغلاق المسرح وقلت لهم: سوف أقدّم عرض «الذباب» لسارتر في الصباح، وأذهب في المساء لتأدية دوري في مسرحية (الإنسان الطيب) وجادلني كثيرا في هذه الجزئية أستاذنا الكبير توفيق الحكيم الذي كان يشعر ساعتها أنه أنجبني وأنني ابنته التي يفخر بها فقلت له: اعذرني أنا لا أستطيع أن أغلق ليلة في مسرح كامل العدد.
وذهبت إلى المسرح لأقوم بتمثيل دوري في مسرحية الذباب. وبعد أن انتهى العرض إذا بسارتر وسيمون دي بو فوار يصعدان إلى المسرح وسارتر يقبلني ويقول لي:أخيراً وجدت الكترا في القاهرة.
أنور محمد
*الكتاب:ذكرياتي
*الناشر: ار الحكمة ـ الجزائر 2007
*الصفحات:304 صفحات من القطع الكبير
