مؤلف هذا الكتاب «عجائبية النثر الحكائي» هو الباحث الأكاديمي السوري لؤي علي خليل الحائز على شهادة دكتوراه في الأدب الأندلسي والمغربي من جامعة دمشق حيث يدرّس فيها حاليا. اصدر مجموعة قصصية بعنوان «أشياء ضائعة»، كما صدر له كتاب «تلقي العجائبي في النقد العربي الحديث ـ المصطلح والمفهوم». نشر عددا من الأبحاث والدراسات في الدوريات والمطبوعات العربية المختلفة.
الاهتمام بالعجائبي أو الغرائبي في الأدب قاد المؤلف إلى استكمال بحثه السابق، المذكور آنفا، الذي يتمحور كذلك حول العجائبي، ففي دراسته الجديدة «عجائبية النثر الحكائي ـ أدب المعراج والمناقب» الصادرة عن دار التكوين (دمشق ـ 2007) يسعى الباحث إلى تعريف مصطلح العجائبي، وتحديد طبيعته، ووظائفه، والحقائق أو المبالغات التي ينطوي عليها.ويرجع د.لؤي خليل سبب اهتمامه بهذا المفهوم إلى حضوره الواسع والطاغي في التراث العربي الإسلامي، ورسوخه الصلب في بنية الفكر العربي الإسلامي وفي نصوصه السردية التي افرزها، لاسيما وان معظم النصوص التي اعتمدها النقاد الغربيون.
تمثيلا للمفهوم، هي نصوص مشرقية مثل «ألف ليلة وليلة»، ومن هنا يتعين على الباحث العربي المشرقي أن يهتم بدلالات هذا المصطلح وطبيعته، وأبعاده أكثر من غيره، ذلك انه مصطلح حاز مشروعيته اتكاء على نصوص أنتجها الشرق الإسلامي بالدرجة الأولى. ويستند الباحث في تعريفه للعجائبي Fantastic إلى ما يقوله تزفيتان تودوروف الذي يعرّف العجائبي بالقول «هو تردُّد كائن لا يعرف غير القوانين الطبيعية فيما يواجه حدثا فوق ـ طبيعي، حسب الظاهر»، ومرد هذا التردد بحسب الباحث هو «الحيرة في تفسير الواقعة الخارقة بين ما هو طبيعي وما هو فوق طبيعي. وليس من سبيل إلى تحقق العجائبي إلا في النثر لان القراءة الشعرية، ومثلها الرمزية، تلغي حقيقة الوقائع».
بعد هذا الاستهلال التعريفي، يخوض الباحث، خلال الفصل الأول، في دراسة النصوص التي اتكأت على حادثة الإسراء والمعراج، التي تشكل جزءا أساسيا من المعتقد الديني للمسلم، ونظرا لتأثيرها البالغ فقد اشتغل كثير من العلماء بالكتابة عنها، فكثرت فيها المؤلفات الرصينة، التي حاولت الاستفادة من الحادثة لتكوين تشكيلات أدبية تخييلية، مثل «رسالة التوابع والزوابع» لابن شهيد، و«رسالة الغفران» للمعري.
ويشير الباحث إلى أن هناك من المتصوفة من نسب إلى نفسه معراجا شبيها بمعراج النبي، ولكنه يختلف عنه من حيث أن «معراج النبي جسدي حسي، ومعراج الصوفية روحي معنوي، أساسه رؤيا منامية». أما اقدم نصوص المعراج فهو المنسوب إلى الجنيد.
ولكن أول معراج صوفي صريح ينسب إلى أبي يزيد البسطامي. أما في الأندلس فقد اهتم الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي بالمعراج إذ يشكل عنده نواة سردية تتكرر بصيغ مختلفة في كثير مما كتب. حتى بلغت نصوصه التي يسرد فيها حكاية معراجية تسعة نصوص، وتتفاوت هذه النصوص في أطوالها بين ما يجاوز المئة صفحة، وما لا يتعدى الصفحات الثلاث.
ولعل هذا الاهتمام بحادثة المعراج هو الذي يفسر استعمال كلمة معراج في عنونة عدد من الكتب التي لا تعنى بالمعراج الحسي، مثل «معراج السالكين» للغزالي، و«معراج القلوب إلى حضرات الغيوب» لمحمد مهدي الصيادي المعروف بالروّاس، وغير ذلك من كتب.
وكذلك يقوم الباحث، في الفصل الثاني، بدراسة نصوص المناقب أو الكرامات، ويرى الباحث بان من أكثر المسائل التي نالت قسطا وافرا من الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي مسألة كرامات الأولياء والصالحين، وذلك لتعلقهما بمبدأين خطيرين هما: «مبدأ النبوة ومبدأ القدرة الإلهية».
فالكرامة، بما هي تجاوز لسنة من سنن الطبيعة، تبدو قرينة المعجزة التي خص بها الله الأنبياء، مما يدعو إلى التساؤل عن جواز أن ينسب لغير الأنبياء ما لا ينسب إلا إلى الأنبياء وحدهم! ومثل هذا السجال هو الذي حرك الجدل حول الكرامات على مر التاريخ الإسلامي.
ويقول الباحث في هذا الصدد: «علة التلازم بين العجائبي ونصوص التراث الإسلامي هي وقوع كل منهما على حافة الحقيقة، بين الممكن والمستحيل، ففي العجائبي ثمة حيرة أمام الحدث الخارق، بين تفسيره بما يلائم نظم الحقيقة الواقعية، أو تفسيره بما يخالفها. وفي نصوص التراث الإسلامي يبقى الحدث الخارق واقعا بين (الممكن)، على اعتبار انه لا يعجز القدرة الإلهية، وبين (المستحيل) الذي يجعله خيالا فحسب، لعدم وجود برهان يلزم وقوعه على الحقيقة».
ويجعل الباحث من الأدب الأندلسي والمغربي ميدانا لانتقاء النصوص النثرية المعنية، فهذا حقل اختصاصه أولا، ورغبة منه في الابتعاد عن النصوص المشرقية التقليدية التي كثر دوران الأقلام حولها، مع قلة اهتمام الدراسات بالأدب المغربي والأندلسي مقارنة بعنايتها بالمشرقي، واستكمالا للفائدة فهو يردف الدراسة بملحق يضم نصا كاملا لأحد معارج الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي.
وبمعزل عن التقييم النقدي للبحث، فان هذه الدراسة تكتسب أهميتها من كونها تناقش مسألة معقدة قلما توقف عندها الدارسون، ويظهر من ثبت المراجع العربية والأجنبية الذي يحتل اثنتي عشرة صفحة في آخر الكتاب، أن الباحث بذل جهدا مضنيا لإنجاز دراسته التي جاءت اختبارا لفرضية ذات شقين تختص بالعلاقة بين الأدب العجائبي ونصوص الكرامات (المعارج والمناقب) فالطبيعة الخاصة لهذه النصوص كانت توحي باستيفائها لعناصر تسمح بعدها ضربا من هذا الأدب، وكان ذلك هو الافتراض الأول.
كما أن مفارقة النصوص لطبيعة مثيلاتها التي تنتمي إلى الأدب العجائبي ـ بحكم موقعها على الحافة بين ما هو أدبي ومقدس وتاريخي ـ أفضت إلى افتراض آخر مفاده قدرتها على إثراء الهيكل العام لمفهوم العجائبي. وبناء على ذلك جاءت النتائج متعددة الأوجه فوجه نحو البنية الداخلية للكرامات وعلاقتها بالعجائبي، وآخر نحو الهيكل النظري العام لمفهوم العجائبي وقدرة النصوص على تطويره.
إبراهيم حاج عبدي
*الكتاب:عجائبية النثر الحكائي
*الناشر: دار التكوين ـ دمشق 2007
*الصفحات:264 صفحة من القطع المتوسط

