أشرف على هذا الكتاب وقدم له الكاتب الفرنسي الشهير ماكس غالو، وهو أحد المقربين من النظام الجديد بعد أن استقبل نيكولا ساركوزي في اليوم الأول أمام تمثال المقاومة والجندي المجهول وألقى خطابا يشيد بالمقاومة الفرنسية إبان الحرب العالمية الثانية. ومعلوم أنه كان اشتراكيا مقربا من جان بيير شفنمان ثم أصبح ديغوليا مقربا من ساركوزي. والواقع أنه لم يخن معسكره لأن شفنمان قومي أيضا ومن محبي ديغول الذي يرى فيه بطلا قوميا يتعالى على الانقسام الفرنسي التقليدي إلى يمين ويسار.

يقول ماكس غالو في المقدمة العامة التي افتتحت الكتاب ما معناه: لم تشهد فرنسا في تاريخها كله هزيمة ساحقة ومنكرة كتلك التي شهدتها عام 1940. فقد استطاعت القوات الألمانية أن تخترق خط ماجينو الشهير وتصبح على أبواب باريس في بضعة أيام فقط، وعندئذ انهار الجيش الفرنسي والدولة الفرنسية كلها. وأسر الجيش الألماني ما لا يقل عن مليون ونصف المليون ضابط وجندي فرنسي. ولم يبق من جيش فرنسا كله إلا مئة ألف شخص ضائعين على الطرقات والدروب. والحكومة الفرنسية انتقلت إلى بورد جنوب فرنسا لأن باريس أصبحت محتلة. ثم ظهر الماريشال بيتان وأعلن توقيع الهدنة مع هتلر وتشكيل حكومة فيشي العميلة.

ثم يردف ماركس غالو قائلا: ولكن بعد أربعة أيام من دخول القوات النازية إلى باريس وبالتحديد في 18 يونيو 1940 وجه الجنرال ديغول نداءه التاريخي الشهير من راديو البي بي سي من لندن حيث قال: لقد خسرنا معركة ولم نخسر الحرب. ودعا فيه الفرنسيين إلى المقاومة وعدم الاستسلام للأمر الواقع. وبدءا من تلك اللحظة ولدت أسطورة شارل ديغول قائد فرنسا الحرة، فمن كان يتوقع أنه بعد خمس سنوات من ذلك التاريخ ان فرنسا ستقوم من عثرتها وستصبح في صف المنتصرين وألمانيا في صف المهزومين؟ كيف انقلبت الامور من النقيض الى النقيض؟

في عام 1940 لم يكن يتوقع ذلك أحد، بل ولو قلته عندئذ أمام الناس لظنوا أنك مجنون. كانوا يعتقدون أن هتلر قد انتصر كليا وما على فرنسا إلا أن تتعامل معه وتنقذ ما يمكن إنقاذه. ولهذا السبب حظيت حكومة الماريشال بيتان بالشعبية على عكس ما يقال. واعتقد الكثيرون عندئذ أنه يعمل لمصلحة فرنسا لأن الاستمرارية في القتال كانت تعني تدمير كل ما تبقى.

وأما الجنرال ديغول فقد بدا للعديدين وكأنه شخص مغامر أو متهور لا مستقبل له. ولكن التاريخ أثبت خطأ هذه النظرة. فالمقاومة السرية الفرنسية استمرت بل وتصاعدت وشعبية ديغول راحت تترسخ أكثر فأكثر حتى أصبح أهم شخصية في البلاد وخارجها.

ثم يقول ماكس غالو: ليس صحيحا أن كل الناس نخوا على ركبهم أمام هتلر وخضعوا. لا ريب في أنه كان هناك الكثير من الجبناء والانتهازيين الذين ينتظرون نتيجة الحرب لكي يتخذوا موقفا. ولكن كان هناك الكثيرون أيضا ممن قاوموا المحتل وضحوا بحياتهم في سبيل القضية الوطنية. ومن بين هؤلاء ممثل ديغول على رأس المقاومة الفرنسية الداخلية: جان مولان. فقد عذبه الغيستابو عذابا مرعبا ولكنه رفض أن يعترف أو أن يدلي بأسماء بقية زملائه في المقاومة. ومات وهو تحت التعذيب، وضرب بذلك مثلا أعلى على المقاومة والصمود.

ولا يزال الفرنسيون ينحنون أمام ذكراه حتى الان. وقد نقلوا رفاته إلى مقبرة العظماء في البانتيون الواقع في قلب العاصمة الفرنسية. وكان ذلك في الستينات من القرن الماضي وبحضور شارل ديغول شخصيا. وقد ألقى اندريه مالرو عندئذ خطابا حماسيا رائعا هزّ الجنرال ديغول هزا.

ثم يستعرض الكتاب تاريخ المقاومة داخليا وخارجيا منذ البداية وحتى النصر عام 1945 واندحار ألمانيا النازية. وقد ساهم في تأليف فصول الكتاب الطويلة والعديدة البروفيسور فرانسوا بروش الحائز على شهادة دكتوراه الدولة في علم التاريخ. وهو صاحب الكتب العديدة، نذكر من بينها: الجيش الفرنسي تحت الاحتلال.

كما وساهم فيه البروفيسور جان فرانسوا موراكيول أستاذ علم التاريخ الحديث في جامعة بول فاليري بمونبلييه. وهو صاحب كتاب: تاريخ فرنسا الحرة. وساهم أيضا في كتابة بعض الفصول البروفيسور باتريك فاكون الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس. وهو صاحب كتاب: معركة انجلترا. وساهم فيه أيضا باحثون آخرون عديدون. فهو كتاب جماعي بكل ما للكلمة من معنى.

يقول مؤلفو الكتاب منذ البداية ما معناه: على عكس ما نظن فإن فرنسا كانت قد حضرت نفسها جيدا للحرب العالمية الثانية. وكانت تمتلك أوراقا عديدة في يدها. فجيشها كان قويا وقادرا على خوض الحرب ومواجهة الأعداء. ولكن النظام السياسي الحاكم كان فاشلا وعاجزا عن اتخاذ القرارات الصحيحة. كان حكام فرنسا آنذاك مهتمين بمصالحهم الشخصية بالدرجة الأولى. وكانوا يتنافسون على المناصب والمنافع، وكانت الجمهورية الثالثة في آخر أيامها.

لا ريب في أن النظام المدعو بالجمهورية الثالثة كان جيدا في بداياته. وقد أمّن لفرنسا الاستقرار والنظام والتقدم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والإشعاع الثقافي عالميا. ولكنه بدءا من عام 1930 أخذ يضعف ويدخل في حالة من الشلل بسبب التناقض الحاصل بين سلطة تنفيذية ضعيفة، وسلطة تشريعية منقسمة على نفسها، وسلطة قضائية عاجزة عن مواجهة كل المشاكل المطروحة عليها من كثرتها.

وبالتالي فالجمهورية الثالثة التي تشكلت في نهاية القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1875 أصبحت ضعيفة بعد ستين سنة من ذلك التاريخ. ولهذا السبب فإن فرنسا واجهت الحرب العالمية الثانية بقيادة سياسية عاجزة وفاشلة. وقد نبه الجنرال ديغول إلى ذلك قبل الحرب بوقت طويل، وقال أن قيادة الحرب تقع على كاهل الزعامة السياسية لا الزعامة العسكرية. ولكن إذا كانت القيادة السياسية فاشلة فإن الجيش سوف يفشل أيضا مهما تكن الأوراق التي يمتلكها بين يديه كبيرة.

أما ألمانيا فقد واجهت الحرب بقيادة موحدة خلف زعيمها الأوحد: أدولف هتلر. وكانت تعرف ما تريد منذ البداية. ولذلك استطاعت أن تهزم الجيش الفرنسي بسرعة. ولكن ما أحد كان يتوقع أن هزيمة فرنسا المنكرة سوف تؤدي إلى ظهور واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ البلاد: أي شارل ديغول. فكما قال أحد الفلاسفة فإن الشخصيات الكبرى لا تظهر إلا في الظروف الصعبة والاستثنائية، فلولا الحرب العالمية الثانية والهزيمة الكبرى لما كان ديغول.

لقد ظهر لكي ينقذ بلاده من هلاك محقق، واستطاع أن يخوض المعركة على كلا الصعيدين العسكري والسياسي حتى النصر النهائي. ولكن كم واجه من العراقيل والصعاب؟ ولم تكن كلها آتية من جهة الألمان، وإنما من جهة الحلفاء أيضا. ومعلوم أن روزفيلت لم يكن يحبه. بل وحاول أن يشجع الجنرال جيرو على الحلول محله. وفي إحدى اللحظات فكر الرئيس الأميركي في عزل ديغول من منصبه وتشكيل قيادة أميركية ـ انجليزية لحكم فرنسا.

*الكتاب:فرنسا في ساح الوغى

*الناشر: بيران ـ باريس 2007

*الصفحات: 849 صفحة من القطع الكبير

La France au combat

Max Gallo

Perrin- Paris

p.849