مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور بيتر ي. هاجنال أستاذ العلوم السياسية في جامعة تورنتو بكندا. وهو يقدم هنا لمحة تاريخية واسعة ودقيقة عن الدول الصناعية الكبرى في العالم والمدعوة بمجموعة الثماني الكبار: أي الولايات المتحدة، واليابان، وكندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وانجلترا، ثم أضيفت إليها روسيا مؤخرا.
وهي أقوى وأغنى الدول في العالم اقتصاديا، وتجاريا، وعسكريا، وصناعيا. ولكن ينبغي أن تنضم إليها الآن دول أخرى حققت نجاحات اقتصادية هائلة في السنوات الأخيرة كالصين، والبرازيل، والهند، وكوريا الجنوبية، وبقية النمور الآسيوية ودول أخرى يصل عددها في المحصلة النهائية إلى العشرين. لكن لنتوقف أساسا عن مجموعة الدول الثماني الكبار التي لا تزال تسيطر على العالم.
في الواقع أنها تجتمع كل سنة في قمة عالمية تضم رؤساء هذه الدول بالإضافة إلى رئيس المفوضية الأوروبية. وكثيرا ما تدعو إليها كضيوف بعض رؤساء دول العالم الثالث أو وزراء خارجيتها، ولكن دون أن يكون لهم حق المشاركة في اتخاذ القرارات. ثم يردف المؤلف قائلا: إن هذه الدول الثماني الكبار هي التي تقرر مصير العالم من الناحية الاقتصادية والسياسية لسبب بسيط هو أنها تسيطر على معظم ثروات الكرة الأرضية وإمكانياتها المادية والعسكرية والتكنولوجية.
وكان أول من دعا إلى عقد هذه القمة الكبرى الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان. وقد حصل ذلك عام 1975. ففي ذلك العام كان عددها ست دول فقط، وهي الدول المؤسسة لهذا الاجتماع التاريخي: أي الولايات المتحدة، واليابان، وفرنسا، وألمانيا، وانكلترا، وكندا. ثم انضافت إليها إيطاليا لاحقا، وبعدئذ بوقت طويل روسيا.
والغريب في الأمر أن هذه الدول الثماني الكبار لا تحتوي إلا على 13% من سكان العالم. ومع ذلك فإنها تسيطر على مقدرات الكرة الأرضية والبشرية بأسرها! ولكن ينبغي الاعتراف بأن الصين والهند والبرازيل سبقت مؤخرا من حيث الثروة بعض الدول الثماني الكبار كإيطاليا مثلا أو حتى فرنسا. ومع ذلك فليست عضوا في المجموعة. والسبب هو أنها لا تزال صناعيا متخلفة على الرغم من كل التقدم الذي حققته. ولكنها قريبا سوف تنضم إلى المجموعة أو قل سوف تتشكل مجموعة أوسع، هي مجموعة العشرين دولة الأقوى والأغنى في العالم.
ثم يردف المؤلف قائلا:لكي نأخذ فكرة عن ثروة كل دولة على حدة وقوتها يكفي أن نقدم الإحصائيات التالية. فيما يخص أغنى وأقوى دولة في العالم، أي الولايات المتحدة الأميركية، نلاحظ أن مجمل إنتاجها السنوي يتجاوز الثلاثة عشرة ألف مليار دولار. وذلك بالنسبة لعدد سكان يصل إلى مائتين وثلاثة وتسعين مليون نسمة.
أما اليابان فيبلغ عدد سكانها حوالي المئة وثمان وعشرين مليون نسمة. ولكن ثروتها السنوية تقدر بأربعة ألف وأربعمئة مليار دولار، أي ثلث ثروة الولايات المتحدة الأميركية. تأتي بعدها مباشرة ألمانيا التي أصبح عدد سكانها بعد التوحيد أكثر من ثمانين مليون نسمة. ويبلغ مدخولها السنوي العام حوالي الثلاثة آلاف مليار دولار تقريبا. تليها انجلترا رابع قوة اقتصادية في العالم بسكانها الذين يقاربون الستين مليون نسمة وثروتها التي تصل إلى ألفين وثلاثمئة وسبعين مليار دولار.
تجيء بعدها فرنسا باعتبار أنها القوة الاقتصادية الخامسة في العالم. ويقدر عدد سكانها بأربعة وستين مليون نسمة. أما ثروتها السنوية فتقدر بألفين ومئتين وتسعة وعشرين مليار دولار. تجيء بعدها إيطاليا بعدد سكانها الذي يتجاوز الثمانية والخمسين مليون نسمة قليلا. وتحاذي ثروتها الألف وتسعمئة مليار دولار. تليها كندا ذات الواحد والثلاثين مليون نسمة والثروة التي تبلغ ألف وثلاثمئة مليار دولار تقريبا.
وأخيرا تجيء روسيا الذي يحاذي عدد سكانها المئة وخمسين مليون نسمة، ولكن ثروتها السنوية لا تتجاوز الألف مليار بل إنها أقل: تسعمئة وخمسين مليار دولار. ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن الصين أغنى من معظم هذه الدول ما عدا الثلاثة الأولى. فمدخولها السنوي وصل مؤخرا إلى ألفين وستمئة وسبعة عشرة مليار دولار، أي يجيء اقتصادها بعد اقتصاد ألمانيا مباشرة. ولكنها صناعيا وتكنولوجيا لا تزال متأخرة في عدة مجالات.
وأما الهند فتبلغ ثروتها ثمانمئة وسبعة وثمانين مليار دولار، هذا في حين أن ثروة البرازيل أكبر من ثروة روسيا قليلا لأنها تبلغ التسعمئة وسبعة وخمسين مليار دولار. وهذه الدول مرشحة لأن تكون عملاقة القرن الحادي والعشرين. والواقع أن مجموعة الثماني الكبار ليست منظمة دولية على طريقة الأمم المتحدة أو البنك الدولي، وإنما هي بالأحرى مجموعة حرة تجتمع كل سنة بدون أي قيود مفروضة سلفا. وفي كل عام تتزعم إحدى الدول رئاستها وتعقد القمة على أراضيها. فمثلا في هذا العام سيحصل الاجتماع في ألمانيا.
وكثيرا ما تثير اجتماعاتها حفيظة القوى المضادة للعولمة الرأسمالية فتحصل مظاهرات عنيفة ضدها، وهذا ما حدث في إيطاليا في الأعوام الماضية حيث قتل أحد المتظاهرين بسلاح رجال السلطة: سلطة برلسكوني ما غيره. في الواقع أن المنظمات التي تدافع عن حقوق الدول الفقيرة والشعوب المضطهدة تحاول أن تذكر قادة هذه الدول الثماني الأغنى في العالم بمسؤولياتها على المجاعات التي تكتسح بعض مناطق إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
كما وتدعوها إلى ممارسة نوع من العدل في توزيع الثروات على شعوب العالم لكيلا تتمركز الثروة في أيدي القلة وينتشر الفقر المدقع في أوساط الكثرة الساحقة من سكان الكرة الأرضية. هذا هو هدف المظاهرات التي تتم عادة على هامش هذه الاجتماعات الكبرى والتي يحصرها البوليس عادة في مكان بعيد عن القمة لكيلا تشوش على أسياد العالم صفوهم وهناءهم وسعادتهم.
في الواقع أن مجموعة الثماني الكبار لم تكن إلا خمسة في البداية لأن كندا لم تنضم إليها إلا بعد عام واحد من تأسيسها على عكس ما ذكرنا سابقا. ولكن لا يهم. المهم هو أن نواة هذه الدول كانت تضم أقوى أمم الغرب بالإضافة إلى اليابان كدولة وحيدة شرقية. ثم انضافت إليها روسيا مؤخرا.
هذا وقد أصبحت اجتماعاتها الدورية أو السنوية تثير غضب دول العالم الأخرى التي ترى فيها نوعا من نادي الأغنياء الأنانيين المنغلق على ذاته. وهذا صحيح إلى حد كبير. ويمكن القول إن الولايات المتحدة تستغل هذه الاجتماعات لترويج سياساتها ضد ما تدعوه بالإرهاب وبخاصة بعد ضربة 11 سبتمبر. وبالتالي فإن القوي هو الذي يفرض إرادته على الجميع في نهاية المطاف.
وعلى الرغم من أن اليابان عملاق اقتصادي إلا أنها لا تزال قزما سياسيا ولا تستطيع مخالفة أميركا. وقس على ذلك بقية الدول ما عدا روسيا التي تتمرد عليها من حين إلى آخر. ولكن روسيا على عكس اليابان قزم اقتصادي وعملاق عسكري وربما سياسي لاحقا.
فروسيا تتخبط في مشاكلها الاقتصادية الهائلة. وهي مشاكل ناتجة عن عملية المرور أو الانتقال من المرحلة الشيوعية إلى المرحلة الرأسمالية أو مرحلة الاقتصاد الحر. ولا يتوقع أن تتجاوز هذه المشاكل قبل سنوات عديدة. ولذا يتوقع المراقبون أن تظل الولايات المتحدة مسيطرة على مجموعة الثماني الكبار طيلة العشرين سنة المقبلة. بعدئذ يتوقع أن تلحق بها الصين من حيث القوة الاقتصادية والتكنولوجية، لكي تصبح المنافس الوحيد لها على زعامة العالم.
ثم يردف المؤلف قائلا:إن نظام العولمة الحالي الذي تقوده هذه الدول الثماني الكبرى لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. فهناك اختلال توازن فظيع وكبير بين الأغنياء والفقراء، بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون شيئا. وبالتالي فالنظام الاقتصادي للعالم ظالم ومجحف مثل النظام السياسي.
وهذا ما سيؤدي إلى انفجارات عنيفة هنا أو هناك، بل إن ظاهرة الإرهاب الدولي ناتجة في جزء منها عن هذا الظلم الاقتصادي والتفاوت الطبقي الهائل بين دول الشمال ودول الجنوب. يضاف إلى ذلك أن القوى المضادة للعولمة سوف تزداد أهميتها أكثر فأكثر في السنوات المقبلة وسوف تضغط بالتالي على سادة العالم لكي يغيروا من سياستهم أو يعدلوها لصالح البلدان والشعوب الفقيرة.
*الكتاب:نظام الدول الثماني الكبار والدول العشرين التي تليها: التطور والدور والتوثيق
*الناشر:أشغيت بوب كو ـ لندن 2007
*الصفحات: 300 صفحة من القطع الكبير
The G8 system and the G20: evolution, role and
documentation
Peter J. Hajnal
Ashgate Pub Co
p. 300
