مؤلفا هذا الكتاب هما الباحثان اليكسندر فيورسينكو وتيموتي نافتالي المختصان بتاريخ الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة والصراع بين الشيوعية والرأسمالية. ومؤخرا اندلع الصراع من جديد بين روسيا والولايات المتحدة. وأبدى زعيم الكرملين فلاديمير بوتين انزعاجه الشديد من برنامج التسلح الأميركي الملقب بدرع الصواريخ النووية.

فهل ستعود الحرب الباردة من جديد يا ترى؟ هذا ما توقعه بعض المراقبين مؤخرا. وقد تحدثت الكثير من الصحف عن الموضوع. ولكن الأمر مشكوك فيه، فموازين القوى مختلة تماما لصالح أميركا والغرب. وروسيا لا تستطيع أن تفعل الكثير في الوقت الراهن، وإنما يكفيها أن تزمجر وتهدد. ثم يردف المؤلفان قائلين بما معناه: ولكن الأمور كانت مختلفة في الستينات من القرن الماضي، فالحرب الباردة كانت آنذاك على أشدها ونيكيتا خروتشوف لم يتردد علنيا في تهديد الغرب من على منصة الأمم المتحدة حيث خلع جزمته وضرب الطاولة بها.

ثم كانت أزمة الصواريخ الكوبية التي تشبه أزمة الصواريخ الأميركية حاليا ولكن بشكل معكوس. ففي ذلك الوقت كان الاتحاد السوفييتي هو الذي يهدد أميركا عن طريق زرع الصواريخ الذرية على أبوابها في جزيرة كوبا. ومعلوم أن العالم حبس أنفاسه آنذاك لمدة عدة أيام أو عدة أسابيع قبل أن تنحل الأزمة على خير وتتحاشى البشرية حربا ذرية طاحنة لا تبقي ولا تذر. أما الآن فأميركا هي التي تهدد روسيا عن طريق درع الصواريخ الجديد.

سابقا تراجع خروتشوف في آخر لحظة ووفّر على الكرة الأرضية تدميرها النهائي. لقد تراجع أمام جون كندي الذي عاش على أعصابه أيضا لبضعة أيام أو أسابيع هزت العالم. ولكن من هو خروتشوف هذا الذي تجرأ على تحدي الغرب الرأسمالي عن طريق زرع الصواريخ النووية على أبوابه؟ على هذا السؤال يجيب المؤلفان قائلين: طيلة عشر سنوات، أي ما بين 1953. 1963 كان اسم نيكيتا خروتشيف مشهورا في العالم أجمع. فقد كان الزعيم الأوحد للاتحاد السوفييتي، اي للقوة العظمى الثانية في العالم. وقد كان شيوعيا منذ شبابه الأول ومتدربا في مدرسة الحزب الشيوعي السوفييتي.

ولكنه تميز عن جميع قادة الحزب بشخصيته القوية وردود فعله غير المتوقعة. وكان الوحيد القادر على خلافة جوزيف ستالين. ومعلوم أنه أدانه وأدان نظامه البوليسي في تقريره الشهير إلى مؤتمر الحزب الشيوعي بعد موت ستالين مباشرة. ومنذ ذلك الوقت اشتهر خروتشيف بأنه شخص قيادي وإصلاحي يريد تجديد النظام الشيوعي أو تطويره من الداخل.

والواقع أنه لم يصبح الرجل الأول والقوي إلا حوالي عام 1958 عندما استلم منصب رئاسة الوزراء بالإضافة إلى منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي. وهو أعلى مركز في البلاد آنذاك. وبدءًا من تلك اللحظة راح خروتشوف يجري الإصلاح تلو الإصلاح حتى قلب إدارة الدولة والبلاد رأسا على عقب. كما غير نظام العمل في القطاع الزراعي الذي كان فاشلا في عهد سلفه ستالين وعاجزا عن تأمين الاكتفاء الغذائي الذاتي للبلاد على الرغم من اتساع أراضي الاتحاد السوفييتي وخصوبتها.

ثم اشتهر خروتشوف بحب السفر إلى الخارج على عكس قادة الحزب الآخرين الذي كانوا يختبئون بين جدران الكرملين. وأصبح شخصية عالمية أو نجما سياسيا دوليا خلال بضعة أشهر. ويرى المؤلفان أن تفكير خروتشوف كان على النحو التالي: ينبغي تطوير الأداة الإنتاجية في البلاد لكي تستطيع شعوب الاتحاد السوفييتي أن تعيش في ظل الرفاهية الاقتصادية. فبعد أن زار دول الغرب الرأسمالية فوجئ بمستوى الحياة العالية التي تعيشها شعوب أوروبا الغربية وأميركا الشمالية.

وقال بينه وبين نفسه: لماذا نحن متخلفون عنهم؟ لماذا تعيش شعوبنا في حالة الفقر والحرمان وشعوبهم في حالة البحبوحة ووفرة كل المواد الاستهلاكية؟ ولهذا السبب حاول خروتشيف جاهدا تحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيه. ولكن المشكلة هي أنه كان يعد دائما بأكثر مما يستطيع تنفيذه. فالهوة كانت سحيقة أو عميقة بين مستوى شعوب الغرب ومستوى شعوب الشرق الشيوعي السوفييتي. وما كان بإمكانه ردم هذه الهوة بين عشية وضحاها. من هنا مأساة خروتشيف.

وربما لهذا السبب دخل في مغامرات خارجية أكبر منه لتحدي الغرب. ففي عام 1958 تحداه بخصوص مشكلة برلين التي كانت منقسمة إلى جزء شيوعي وجزء غربي رأسمالي. وتحداه بعدئذ في مسألة الصواريخ الكوبية المذكورة سابقا. ثم اضطر إلى التراجع خوفا من عواقبها. وربما كانت هذه الأزمة الأخيرة هي التي أطاحت به. فلم يعش بعدها في الحكم إلا فترة قصيرة، ثم سرعان ما حل مكانه ليونيد بريجنيف.

ثم يقول المؤلفان ما معناه: لا ريب في أن خروتشوف نجح في رفع أسهم الاتحاد السوفييتي ونشر سمعته عاليا في كل أنحاء العالم الثالث. ولا ريب أن الشيوعية في عهده كانت ذات طابع تجديدي حديث أكثر مما كانت عليه سابقا. وبالتالي فقد أصبحت أكثر جاذبية. ولا ريب في أنه نجح في تحديد قواعد اللعبة الخاصة بالحرب الباردة مع الولايات المتحدة والغرب عموما. ولكنه فشل في رفع مستوى معيشة شعوب الاتحاد السوفييتي إلى الحد الذي كان يرغبه.

وفشل في توحيد المعسكر الشيوعي في مواجهة المعسكر الرأسمالي. فقد اختلف مع الصين وماوتسي تونغ خلافا شديدا دون أن ينجح في إعادة تيتو ويوغسلافيا إلى المعسكر الخاص به. وبالتالي فقد ابتدأ تفكك الكتلة الاشتراكية في عهده. وحتى رومانيا ابتدأت تأخذ مسافة عن الاتحاد السوفييتي وتستقل في العديد من قراراتها، بل وأخذت تقترب من إسرائيل والغرب وأميركا في بعض المسائل.

يضاف إلى ذلك أن معظم الأحزاب الشيوعية الآسيوية أصبحت قريبة من الماوية والصين، وبالتالي فقد ابتعدت عن الاتحاد السوفييتي. كل هذه الأشياء عجّلت في نهاية خروتشيف الذي كان ذا شخصية لامعة وآسرة في الواقع، وكان بإمكانه أن ينجح أكثر مما نجح لو أن الظروف ساعدته أو لو أنه لم يرتكب بعض الأخطاء القاتلة. ثم يختتم المؤلفان كلامهما قائلين: في الواقع أن نجم خروتشوف كان صاعدا حتى عام 1960-1961. بعدئذ ابتدأت المشاكل والصعاب بالنسبة له. بعدئذ ابتدأ الهبوط نحو الهاوية، فالسقوط.

ولم ينفعه في شيء أنه أدان النزعة الستالينية مرة أخرى في المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1961. فقد تآمر عليه أعضاء اللجنة المركزية وصوتوا على عزله. وما كان يتوقع ذلك على الإطلاق. كان يمضي عطلة صيفية مريحة على شواطئ البحر الأسود، وقد اتهموه بالارتجالية والمغامرة السياسية غير المحسوبة من أجل تبرير عزله من جميع مناصبه الحكومية والحزبية. ونجحوا في القضاء عليه وتشكيل قيادة ثلاثية برئاسة: بريجنيف، بودغورني، كوسيغين.

*الكتاب: الحرب الباردة لخروتشوف: القصة الداخلية لخصم أميركا

*الناشر:و. و. نورتون وشركاؤه ـ لندن، نيويورك 2007

*الصفحات:640 صفحة من القطع المتوسط

Khrushchev's cold war : the inside story of an american adversary

Aleksandr Fursenko and Tomothy Naftali

W. W. Norton and Compagny

p.640