أجرت عايدة إدمريام، المحررة الثقافية بصحيفة «غارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الروائي الإثيوبي ديناو منغستو، بمناسبة صدور روايته الثانية بعنوان «أبناء الثورة» مؤخراً عن دار جوناثان كيب اللندنية، حيث ألقى الضوء على عالمه الروائي الذي يرى فيه جسراً يمتد بين الأجيال ويكفل انتقال القصص المندرجة في المسكوت عنه، على الرغم من أنها تظل طي الصدور عبر عقود طويلة، في انتظار أن تروى.
وأشار إلى شعوره بالاغتراب الناجم عن عدم قدرته على الانتماء إلى الجذور الإثيوبية التي أنقطع عنها برحيل عائلته عن إثيوبيا في ظرف تاريخي حافل بالفوضى والدماء وفي الوقت نفسه عدم تجذره في الأرض الأميركية التي أمضى عمره بكامله فيها، والسر في أن هذا الاغتراب يبدو شيئاً مستعصياً على التجاوز، على الأقل في الوقت الراهن. وفيما يلي نص المقابلة: عندما مضى ديناو منغستو إلى موطنه، أديس أبابا، للمرة الأولى في 24 عاماً، كانت هناك بعض ألوان سوء الفهم، فهو يبدو إثيوبياً، حيث ولد هناك، ولكنه نشأ في أميركا. وهكذا فإنه حتى أبسط المعاملات ـ مثل شراء زجاجة بيبسي ـ كانت بمثابة حقل ألغام بالنسبة له.
وهو يقول في هذا الصدد: «لم أكن أدري، بالطبع، أنه ليس بمقدورك أخذ زجاجة البيبسي والانطلاق بعيداً بها. ولذا فقد شرعت في القيام بذلك. وبدأت المرأة الواقفة وراء النضد في الصراخ ومطاردتي، ثم انطلقت حفنة من الصبية ورائي، وما إن أدركوا أنه ليس بمقدوري تحدث اللغة الأمهرية، حتى أقبلت دزينة من الصبية إليّ وراحوا يصرخون: (إفرنجي! إفرنجي! إفرنجي!). وأشار الجميع بأيديهم نحوي، فتجمدت في موضعي مصدوماً، ثم واصلت السير، لأنني كنت بحاجة إلى الابتعاد. وبدأ المطر في الانهمار.
واستغرق الأمر مني ثلاث ساعات ونصف الساعة، لكي أصل إلى الدار، وقد أغرقني المطر تماماً، ولم أدر أين أنا، ورفضت أن أسأل أحدا عن الاتجاهات التي ينبغي أن أسلكها، لأنني لا أتحدث اللغة المتداولة، وكان الشيء الوحيد الذي أمكنه أن يبعث العزاء في نفسي هو أنني إذا سرت ولم يكن بمقدور أحد سماعي أتحدث فإنني عندئذ إثيوبي».
والأمر في أميركا، بالطبع، هو عكس ذلك، فمظهره يكفل تصنيفه وحديثه يعلن انتماءه، على الرغم من ان الأميركيين من أصل إفريقي يرغبون غالباً في معرفة السر في أنه يتحدث «كالبيض» وهي طبقة أخرى من طبقات انقلاب الأمور رأساً على عقب في حياته.
ورواية منغستو الجديدة، «أبناء الثورة»، تقع أحداثها في هذه الفضاءات المرتبكة الواقعة بين أمور أخرى. وشخصياته تتمثل في ثلاثة مهاجرين من إفريقيا (هم إثيوبي وكونغولي وكيني) وامرأة وابنها مختلط العرق، وكلهم يحاولون التوصل إلى مجال يرحب بهم في واشنطن العاصمة، وكلهم يقعون في الأرض بين الأبيض والأسود، الوطن والبلد المضيف، الأغنياء والفقراء، التطلع والواقع.
تلك موضوعات كبيرة، ولكن الانجاز الذي يحققه هو معالجتها ـ في الغالب ـ بلمسة خفيفة، بمرح جاف لايقلل من الألم. وقد تألقت مراجعات هذه الرواية في كبرى الصحف والمجلات الأميركية، وفي مقدمتها النيويوركر والنيويورك تايمز والواشنطن بوست. وأتى على ذكر كتاب كبار من قبيل سول بيلو، إف. سكوت فيتزجيرالد، وشينوا أتشيني جميعاً في معرض تناولها. وفي اللقاء مع منغستو يبدو تمتعه بثقة مكتسبة يمازجها الحرص ويضحك طواعية.
وهو يشير إلى أنه وجد أن من الصعب تقبله في مدارس البيض التي التحق بها، ففي المدرسة التي التحق بها عندما مضى أبوه للعمل في شيكاغو كان الطلاب جميعاً من البيض، وهو يقول عنها: «كانت عنيفة بشكل واضح وعنصرية بشدة في بعض الأحيان، حيث كنت أجلس في الصف الدراسي وأجد البعض يصرخون بي: (أنت، أيها الزنجي!). أو أمضي في الرواق، فأجد أحدهم يصرخ: (إيه، يا رجل، هذا الزنجي تنبعث منه رائحة كريهة حقاً!». وهو يقول هذا كله بهدوء كأنه يقول ملاحظة عن الطقس. ويضيف: «في عامي الأول بالمدرسة تعرضت للعديد من الشجارات، وحاولت بمزيد من اليأس السعي إلى طردي من المدرسة».
لم يتقبله الأميركيون من أصل إفريقي كذلك، حتى عندما كان يعمق إلى تقليد اللهجة التي يتحدثون بها، هكذا فقد طور ارتباطاً عاطفياً يستهدف الحفاظ على الذات نحو كونه إثيوبياً، وذلك على الرغم من أنه كان قد غادر إثيوبيا وهو في الثانية من عمره. وكان أبوه يقوم بشيء مماثل، حيث أصبح بصورة متزايدة منخرطاً في الجناح الأميركي من حزب المعارضة الإثيوبي الرئيسي، المعروف باسم «كينجيت»، وذلك على الرغم من أنه لم يعد قط إلى إثيوبيا.
ويقول ديناو منغستو في هذا الصدد: «إنها طريقة لمحاولة مد جسور من الحوار والتغيير، ولكنها أيضاً طريقة للبقاء في حالة اتصال في المكان الذي لا توجد فيه بالفعل. إنه عمل يعبر عن الحنين كأي شيء آخر». وهو يدرك الآن أن ذلك لم يكن حلاً بصورة حقيقية، على الرغم من أنه قدم يد المساعدة. إنه بمثابة غريزة مهمة لفهم سلوك الجماعات المهاجرة. والكثيرون يحاولون الانخراط في المجتمعات على نحو ما يقتضي العالم منهم ذلك، ولكنهم سيجدون أن الحواجز مرتفعة للغاية، وأن الجراح التي تصيبهم بالغة العمق.
ويقول منغستو: «هناك قدر كبير من الكهرباء الثقافية التي يريد الناس بوضوح التمسك بها.ولكن هناك رفضاً وآباء لتطابق مع وضعية أقل. وفي بعض الجوانب فإن الإثيوبيين ينظرون إلى كل شيء باعتباره ينتمي إلى وضعية أقل، على أي حال. ومن الصحيح أن هناك آخرين لا يحاولون أبداً الاندماج في المجتمع، وهم ليسوا مضطرين إلى الاكتراث بذلك. وعلى سبيل المثال فإن الجالية الإثيوبية في واشنطن العاصمة هي الآن جالية كبيرة للغاية، بحيث أنه يمكن للمرء أن يعيش عمره بكامله هناك من دون أن يتحدث الانجليزية أبداً.
وتحتل واشنطن العاصمة وصداماتها غير العادية بين الأقوياء والمهمشين، بين الفرصة والانفصال، مساحة كبيرة في الرواية، التي تقع أحداثها في لوجان سيركل، وهو حي يضم السود وأبناء بورتو ريكو ويكافح في مواجهة المخدرات والدعارة ودخول البيض إلى مبانيه الكبرى المتداعية من خلال طرد ملاكها منها. وذلك هو أيضاً القلب السياسي لرواية سياسية على نحو هادئ، أي الطريقة التي توجد بها الثروة لاجئ الداخل والانقسامات الداخلية، والتي تدور على امتداد خطوط عرفية، حيث أن الأرض التي تقع عليها هي أميركا.
عندما وصل منغستو إلى المرحلة المتأخرة من مراهقته كان عم له قد شق طريقه إلى واشنطن، وبدا منغستو في قضاء الصيف معه ومقابلة آخرين ممن هم على شاكلته. وبالفعل التحق بجامعة جورجتاون لدراسة اللغة الانجليزية، وهو تحد شخصي في جماعة مهاجرة تقيس الانجاز بالمعايير المهنية الضيقة، وهي تحول المرء إلى طبيب أو محام أو مهندس. وقد ضاعف من ذلك التحدي بالحصول على درجة الماجستير في الكتابة الابداعية من جامعة كولومبيا بنيويورك، ثم المضي للعمل صحافياً بعض الوقت، وتغطية أحداث دار فور لمجلة «رولنج ستون» وجيش المقاومة في أوغندا لمجلة «هاربرز».
وكان قد كتب بالفعل الشطر الاعظم من رواية حول «المزارعين في الغرب الأوسط وطوفان. وكانت متطلبة لتركيز شديد، وحافلة بالذكريات ومن دون أي شخصيات.. كانت فظيعة»، عندما كان يمشي ذات يوم في الشارع الثامن عشر في واشنطن و«رأيت هذا الإثيوبي واقفاً وراء نضد حانوت صغير للغاية. كان ذلك في وقت متأخر من الليل ولم يكن هناك أحد في الحانوت، ومضيت إلى الدار وكتبت: (لا أحد تقريباً يأتي بعد الآن إلى الحانوت) وذلك حقاً هو الموضوع الذي بدأت فيه القصة».
لقد غادر سيفا ستيفانوس، الشخصية التي تحتل قلب رواية «أبناء الثورة»، إثيوبيا وهو في السادسة عشرة من عمره، أي قبل سبعة عشر عاماً من بداية أحداث الرواية، وعمل بوابا، وهو الآن يمتلك حانوتاً صغيراً متداعياً، ولم يصل قط إلى شيء في هذا البلد الجديد، ويحس بالضياع على نحو متزايد.
يقول منغستو: «كنت عصبياً للغاية حيال استقبال الرواية. وكنت أتوقع تماماً أن يحس الناس بخيبة الامل حيال أنني أبدعت شخصية غير ناجحة مكتئبة ووحيدة ومنعزلة للغاية وبعيدة عن الحياة كل هذا البعد. ولكنني في العديد من قراءات مقاطع فيها قابلت الكثير من كبار السن الاثيوبيين الذين يقفون ويبادرون بشكرى.
وقالت لي امرأة إنها لم يكن بمقدورها أن تروي هذه القصص لأبنائها حول ما حدث في ظل حكم كولونيل منغستو مريام بعد الإطاحة بالإمبراطور هيلا سلاسي. وأن تلك هي بداية طريق بالنسبة لها لردم تلك الهوة، وللوصول إلى تلك القصص التي لم تشاركهم فيها قط. وكان هناك آخرون سعداء برؤية إثيوبيين ينجزون شيئاً جيداً. وأعتقد أن ذلك وحده يحمل الكثير من الثقل، ولكنني أنتظر في قرارة نفسي الرفض والاستنكار.
محطات في مسيرة منغستو
*ولد الروائي الإثيوبي ديناو منغستو في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1978، وفي عام 1980 هاجر إلى الولايات المتحدة مع أمه وأخته للانضمام إلى أبيه الذي كان قد هرب إلى هناك عقب قيام الثورة التي أطاحت بحكم الإمبراطور هيلا سلاسي. وتخرج من جامعة جورجتاون، وحصل علي ماجستير الكتابة الإبداعية من جامعة كولومبيا.
* صدرت له رواية «الأشياء الجميلة التي تحملها السماء» عن دار بنجوين ريفرهيد وحصل على زمالة مؤسسة نيويورك للفنون عام 2006، وصدرت له مؤخراً عن دار جوناثان كيب روايته «أبناء الثورة».
*عمل بالصحافة، وكتب تقارير ميدانية مطولة من مناطق مختلفة في إفريقيا لمجلات «رولنج ستون» و«هاربر» و«جين». ويعمل حالياً استاذاً زائراً بجامعة جورج تاون التي تخرج منها. وهو يقيم في نيويورك حيث يعكف على كتابة روايته الثالثة حالياً.
منى مدكور
