أمينة غصن باحثة وناقدة وأستاذة جامعية لبنانية مثيرة للجدل حاصلة على عدة شهادات في السيميائية والألسنية من السوربون، وجامعة ميتشيغان الأميركية، والجامعات الإيطالية، تتقن الإنجليزية والفرنسية والإيطالية إلى جانب العربية لغتها الأم، وقد انتقلت في حياتها العملية ما بين الجامعة الأميركية في بيروت، وجامعة الروح القدس في الكسليك وجامعة الحريري الكندية حيث تعمل الآن.
صدر لها عدد كبير من الكتب منها «حداثة بلا جذور، جاك دريدا في العقل والكتابة والختان، ونقد المسكوت عنه في خطاب المرأة والجسد والثقافة، قراءات غير بريئة في التأويل والتلقي». في كتابها الجديد الموسوم «نون في المحراب» الذي صدر أخيراً في بيروت تواصل الكاتبة مشاغباتها الكتابية، وطرح أسئلتها التي قد لا نجد لها إجابات سريعة أو محددة بقدر ما تحمل تلك الأسئلة من قضايا متداخلة ومتشابكة قد يصعب الفرز بينهما لإيجاد قاعدة ما يمكن الانطلاق منها لإيجاد تلك السلسلة في الحلول أو التلاقي...هذا الكتاب هو بالواقع إصرار من د. غصن للخروج من عقد فلسفية جدلية إلى طرح نماذج وتداخل بين التجربة الذاتية ونقد الآخر من خلال لغة قد لا تتشابه مع صياغات اعتدناها في نصوص مشابهة. ولا بد من بداية القراءة أن ندرك زمن الكتابة وعلاقة نبوغ الكتابة في علاقة جدلية بالحدث المعاش في لبنان تحديداً والوطن الأكبر الممتد من الماء إلى الماء، فهذا النوع من الكتابة المتمردة على كل القيم الموغلة في الوقت نفسه بأساليب من عصور مختلفة تجعلنا ندرك إلى أي مدى أثر الواقع اللبناني في زمن الكتابة.
إذ أنه رغم الفوضى التي تعيشها الكاتبة في حياتها البيروتية يضطر قلمها وروحها وعقلها للانسحاب من هذا الواقع الفوضوي إلى فوضوية الكتابة المنظمة وتقول أمينة عن ذلك: «هي أبجدية تعج بزغردة الرضاعة وبصوفية الغرائز والصبوات، أبجدية تستوي في عرش الريح، وتمتطي برزخاً للسماء، وآخر للعازف الذي يلاعب أوتار الفضاء....... جئت إلى واعترفت وقلت: العشق كتاب أقرأه احتفاء بالحياة، والحب ثوب نلبسه ونخلعه في هبوب الريح، وفي جنون الشعر والشعراء».
أما إذا أردنا أن نصنف نوع الكتاب فتلك إشكالية أخرى إذ أن الصيغة التي اتبعتها الكاتبة غصن، صيغة متداخلة بين الأجناس الأدبية المختلفة، فالنص مفتوح على مصراعيه ليجمع ما بين نصوص شعرية وأخرى شاعرية ونثر وسرد، ينقلنا إلى معاصرة مفتوحة على الآخر، ويفاجئنا بالعودة إلى الأساطير والملاحم والمدونات التاريخية، والكتب السماوية للديانات الأخرى مثلما يقرب لك كهان وكهنوت بابل وشرائعها شرائع بابل كانت توصي أن تستسلم كل عذراء لكاهن غريب.
إذن فالدكتورة غصن تثور ضد الكهان لا بالمعنى الحرفي للكلمة إنما بشموليتها منتصرة للمرأة وللسمو بها من خلال رفضها لكل الجنس المطروح الذي صيّر المرأة سلعة كما كانت عند كهان اليهود أو كهنة بابل في العهد المقدسي، ولا بد هنا فإن الكاتبة لا ترفض التراث الذي انتقص حق المرأة وحولها إلى جسد فحسب بل هي ترفض تلك الكتابات المعاصرة التي اتخذت من الجنس الرديء أسلوباً للوصول إلى غاياتها على حساب قدسية المرأة وجنسها.
في نصها المفتوح أسلوباً وموضوعاً تطرح المؤلفة عادات تراثية جميلة ومحببة تمارسها النسوة في بلاد الشام عندما كانت الأمهات تطيب بناتهن بالريحان الأخضر من خلال تجهيزها لزفاف أو لحياة زوجية، وبالتالي فنحن أمام تنوع في الانفتاح الاجتماعي مثلما ننتقل إلى تراث إيجابي في حلقة لا تبتعد عن المرأة وعلاقتها بالرجل عبر رمزية عالية الإيقاع والدلالة والتمثيل، في شمولية جميلة وحوارية معبرة.
والكتاب مفتوح على كل الاحتمالات والتأويلات والدلالات التي لا حدود لها لأن الكاتبة تسعى في منحى فلسفي للربط ما بين التاريخ والتراث والمعاصرة ولكن خارج إطار السائد المحسوس، وكذلك خارج الإطار التاريخي التقليدي، أو في نقد موجه إلى جهة ما، إن المحاكمة موجهة إلى كل من حوّل المرأة إلى سلعة ورخصها تاريخاً ومعاصرة. وهو نص يمزج بين الشعري والمعرفي مثلما يتحول إلى بيان فلسفي يتناول الأنوثة والمرأة والجنس من أنساقها الإنسانية، وهي لم ترفض الجنس بصفته الإنسانية التي تتواصل الحياة من خلاله إنما سمت به بأغنية كانت تدور بين المقاطع والفصول والثنايا.
ويبدو من الصعوبة للقارئ أن يستطيع متابعة الشخصيات جميعها في الكتاب على الرغم من تلمسها والتعرف عليها لكن المعايشة معها لا تطول وكأنها تعود بنا إلى رفضها للواقع اللبناني، العربي على واقع الأرض الذي دفعها لتنسحب منه رفضاً ولتبدأ لتصب غضبها من خلال محاكمتها الفلسفية هروباً من الواقع المتفسخ إلى لغة نبيلة رافضة.
عبد الإله عبد القادر
* الكتاب: نون في المحراب
* الناشر:دار الفارابي ـ بيروت 2007
* الصفحات:258 صفحة من القطع المتوسط

